الاتحاد

دنيا

الصناعات التقليدية المغربية··بين الحفاظ على الهوية ومواكبة العصر


الدار البيضاء - متوكل مبارك:
يكتشف الزائر المتجول في أسواق المغرب التقليدية أنها من أبرز عناصر الجذب السياحي إلى هذا البلد العربي، فإلى جانب تنوع وجودة السلع والمنتجات المتوفرة فهي تمتاز أيضاً بأسعارها التنافسية، ومن أبرز هذه السلع السجاد والأواني الفخارية والمنتجات الخشبية، خاصة المحفورة على خشب الأرز، والمنتجات البرونزية والفضية والسيوف والبنادق، والمنتجات الخزفية والجلدية؛ إضافة إلى الثياب التقليدية المصنوعة يدويا والمحلاة بالطراز المغربي الأصيل· وتتمتع الذربية أي (السجاد) بمكانة خاصة بين المفروشات المغربية، وهي إبداع تراثي تضطلع به المرأة دون الرجل، حيث تسـتأثر بهذا الفن منذ قرون خلت سواء بصفة فردية أو جماعية· وعلى امتداد سنوات قليلة ماضية لم يكن هناك أي منزل مغربي يخلو من إبداعات الصانع التقليدي، لكن الصورة تغيرت كثيراً مع دخول المنتجات المصنعة وعلى نحو بات يهدد مستقبل الصناعات التقليدية التي أصبحت أصلا تعاني من آثار التغيرات الطبيعية· وبين هذا وذاك تقف الحرف اليدوية التقليدية بين حنين عميق للماضي وحماس فياض يرنو نحو المستقبل والثقافة التكنولوجية الحديثة، ومن هنا فإن المشكلة الرئيسية التي يواجهها الفنان التقليدي المغربي هي صراعه للمحافظة على هذه المؤثرات المتعارضة من دون أن يجد نفسه مجبرا على فقدان هويته وجذوره وانتمائه الأصيل·
السوق المغربي والصناعات اليدوية متفردة في هذا البلد الذي يجاور القارة الأوروبية، ولكن تبقى الصناعات الموشحة بالخزف من أشهر الحرف المغربية على مر العصور، فالمغاربة لم يتخلوا عن خزفهم لصالح أواني البيركس والتيفال الأوروبية، وحافظوا على تراثهم الذي كان مصدر خيرهم حيث تعج الأسواق بالسياح الذين يحرصون على اقتناء هذه المنتجات بنهم واضح للعيان·
عرفت فنون الخزف منذ عقود طويلة، وكان سقوط دولة الخلافة الأموية وانتقال العاصمة من دمشق إلى بغداد، نقطة تحول كبرى في الفنون الإسلامية، وانتقلت من التأثر بالتقاليد الفنية الكلاسيكية الغربية لصالح الانفتاح على الفنون الشرقية الآسيوية، وبالذات الأساليب الفنية الساسانية· ومع الضعف الذي أصاب الخلافة العباسية في القرن التاسع الميلادي، أخذت بعض أجزائها تستقل عنها سياسيا، فقد أقام (الاغالبة) دولتهم المستقلة في تونس، وأسس البويهيون دويلات مستقلة في العراق وشرق إيران وبلاد ما وراء النهر· وكان من الطبيعي أن يؤدي الاستقلال السياسي إلى استقلال في الأساليب الفنية تبعا لإحياء التقاليد القومية في كل دولة، فتم إحياء التقاليد القومية (الساسانية) وانتعشت التقاليد التركية في مصر· وانعكست هذه المعطيات على فن الخزف وظهر من أنواعه الخزف غير اللامع في مصر وسوريا والعراق، والخزف ذو البريق المعدني والخزف البارز وكذلك المحزوز والزخارف بطلائها الرصاصي· اشتهر خزافو الدولة الفاطمية بإنتاج أفخر أنواع الخزف وببدائع الزخارف التي حملها، وكانت الفسطاط أهم مراكز صناعة الخزف من النوع ذي البريق المعدني، وسجل خزافو الدولة الفاطمية كذلك لحظات هامة في تاريخ صناعتهم منها على سبيل المثال تثبيت توقيعات الصناع على منتجاتهم الخزفية· وشهد القرن الثاني عشر سقوط الدول الفاطمية في مصر على يد الأيوبيين الذين تخلوا عن مظاهر الترف ومقتضياته فانتقلت الصدارة في الفنون إلى الشرق الإسلامي، وبهذا الانتقال حدث تطور كبير في صناعة الأواني الخزفية وألوانها وأشكالها·
وبتعدد مراكز البلاط السلجوقي، تعددت مراكز صناعة الخزف، فاشتملت على قائمة طويلة من المدن مثل همذان وقم وقاشان وسلطان آباد، وبدأ الخزافون في ذلك الوقت نفسه بتدوين تاريخ صناعتهم على منتجاتهم، ما يعكس الإحساس والوعي بالقيمة الفنية والفرادة التي انطوت عليها هذه الأعمال· وفي النصف الثاني من القرن الثاني عشر ظهر الخزف ذو البريق المعدني في إيران والعراق، وكانت المصانع الشعبية في جهات متعددة من إيران تنتج الخزف (الجيري) بلونيه البني الفاتح والأخضر الفاتح، والذي امتاز برسومه وزخارفه المحفورة والبارزة· ويعتبر الخزف (المينائي) الأفضل ويصنع عادة من عجينة ملونة يتم تغطيتها بطلاء قصديري معتم، لترسم الزخارف فوقه بألوان مختلفة من أزرق وأسود وأخضر وأحمر، وتأثرة زخارفه بمدرسة التصوير السلجوقية· والخزف الإيراني يتميز بزخارفه المحزوزة أو المحفورة والمدهونة بالأزرق والفيروزي والأصفر أو البنفسجي الفاتح، وبرسوم الحيوانات والطيور والتفريعات النباتية والذي يطلق عليه اسم خزف (يقي)، واستمدت زينته من الزخارف المعدنية والمنسوجات السلجوقية· ومن الخزف الإيراني أيضا، هناك خزف (جيري) وهو واحد من أهم أنواع الخزف الإيراني، وتظهر على هذا الخزف رسوم لطيور أو حيوانات حقيقية أو خرافية بالإضافة إلى كتابات بالخط الكوفي وتكسى الزخرفة بطبقة زجاجية شفافة بألوان صفراء أو خضراء أو سمراء قاتمة، وتركزت صناعة هذا الخزف في مناطق وزنجان وهمذان· وعرف من تلك الفترة خزف (ساري)، الذي كان يرسم بأسلوب بسيط وبألوان متعددة الطلاء كالبرتقالي والأحمر والأخضر والأسود والبني والمنجنيز، وتتألف زخارفه من رسوم طيور محورة أو دوائر وأوراق نباتية لها سيقان طويلة· أما الخزف ذو البريق المعدني، في إيران، فقد ازدهر ما بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر للميلاد، وكانت مدينتا الري وقاشان من أشهر مراكزه، وحتى بعد غزو المغول وتدمير الري (1220) وقاشان (1224) لم تتوقف صناعة الخزف ولكن قلت كمية إنتاجه، وتحول الصناع ينتجون لأصحاب الطبقة المتوسطة فحدث تدهور في نوعية الإنتاج، تلتها فترة ركود عظيم في القرن الخامس عشر، ثم لم يلبث أن عاد إنتاجه إلى الازدهار في العصر الصفوي·
تحف خزفية مغربية
ويعبر فن صناعة الخزف المغربي عن إبداع عربي أصيل ويتمتع بقيمة جمالية عالية أكسبته شهرة واسعة، وروائع الخزف من أباريق وكؤوس وصحون وطاسات وأصص وزهريات وغيرها من الأواني المختلفة الأنماط والأشكال، تجذب اهتمامات المقتنين من كافة الأنحاء لجمالها وأساليبها المتنوعة التي تعبر عن مهارة المبدع المغربي التقليدي وجودة المواد وجمال الزخرفة المستوحاة من الخط والشعر العربيين أو المستلهمة من الطبيعة الزاخرة بكل بديع ورائع، وكل هذه المميزات أصبحت تمثل الورقة الرابحة في يد صانعي وفناني الخزف المغربي لمواجهة المنتجات المصنعة· وللخزف فوائده للجنس البشري حيث يستعين به الأطباء لتجميل الفم عند فقد بعض الأسنان، ويعمل على شكل جسور هي عبارة عن أسنان بديلة أو أكثر مثبتة بتاج في كل جانب من جوانب السن أو الأسنان المفقودة، وسر نجاح تعويضات الخزف هو تسترها وقربها الشديد للون ومادة الأسنان الأصلية، ولكن تبقى التيجان الخزفية البديلة هي أغلى أنواع جسور الأسنان·
الطين مادة أولية
ويقول العارفون ببواطن وأسرار حرفة الخزف إن الطين الذي استعان به إنسان العصور القديمة لقضاء حاجياته الضرورية هو المادة الأولية في فن الخزف نظراً لقدرته على تحمل النار، وعادة ما تؤخذ عجينة الطين من الأرض المحلية بعد قطع الحجارة لاستخدامها في أغراض البناء، ويجمع التراب الذي كان مدفونا بحوالي ثلاثة أو أربعة أمتار تحت طبقة الحجارة وينقل إلى المعمل وينشر تحت الشمس ثم يدق قبل نقله إلى الصهريج، حيث يخلط بالماء ثم يمرر في غربال ومنه إلى صهريج آخر ويصفى منه الماء حتى يجف لمدة ثلاثة أيام يعجن بعدها بالأرجل وينقى من الشوائب·
أعمال يدوية
تصنع في معامل الخزف المغربي المنتوجات كلها يدويا بسواعد الصناع، وتتم الزخرفة على العجينة بعد تشكيلها على الهيئة المطلوبة ثم توضع في الفرن، وإذا ما أراد الفنان تلوينها باللون الأخضر - مثلا- فإنه يخلط محلول الرصاص الخفيف مع محلول النحاس مع إضافة قليل من مسحوق الزجاج وقليل من التراب، فالنحاس يعطي اللون ويساعد الرصاص على إكساب الطلاء شيئا من النعومة· وإضافة إلى مساهمته في تثبيت الطلاء على السطح يمنع التراب والزجاج حدوث قطرات لها شكل الدموع أسفل الآنية أو قنديل الزيت، وبعد تكوين الخليط تغمس فيه القطعة ثم يدخل الفرن للمرة الثانية·
أدوات التصنيع:
أما الأدوات التي يستخدمها الحرفيون والفنانون التقليديون في فن الخزف فيطلقون عليها اسم (الطيانة)، وهي متوارثه أباً عن جد، ومنها (اللولب) الذي يمتاز بحركة دوارة تمكن الصانع من تشكيل قطع العجين، و(القردة) وهي اللوح الحجري الذي توضع فوقه قطعة العجين تمهيدا لصقلها بمساعدة القطعة الحديدية الصغيرة المسماة (المسادة)، وكذلك (الجلدة) التي تستعمل لتلميس السطوح، و(المسن) وهو عبارة عن حجر يستخدم لتسوية قاع الآنية·
علامات بارزة:
وإذا كان فن صناعة الخزف إبداعا عربيا أصيلا، فقد عرف على أيدي الصناع في شمال أفريقيا والمغاربة بصفة خاصة قيمته الجمالية والتجارية في آن واحد، فالأعمال الخزفية المغربية أصبحت تمثل إضافات حقيقية وعلامات بارزة على طريق تطور فن الخزف العربي· ولعل ارتباط هذا الفن الوثيق بخصائص المغرب وتراثه الحضاري جعل له شهرة واسعة، وأضفى عليه مزيدا من الروعة· ولا أدل على ذلك من قطع (الفسيفساء) الخزفية التي تزدان بها المساجد والبيوت والقصور المغربية· ولعل أكثر ما يسجل للمغاربة هو انفرادهم بمدرسة خزفية متميزة وفق تقاليد خاصة ونظام دقيق رغم وصول هذا الفن إليهم متأخرا نسبيا· والمعلومات التاريخية تبين أنه في عام ،1917 كان قد عثر على أفران ترجع إلى عصور مختلفة في مدينة تازة شمال فاس، وقد نحتت بعض هذه الأفران في الصخر وغطيت بقبة متقنة البناء· وفي عام ،1930 عثر في منطقة شالة الأثرية على نقش خزفي نادر وقد أعيد جمعه، ولكن في شكل جزئي أفقده بعض رونقة الأصيل· وإلى جانب ذلك ظهر أن مدينة فاس تمتلك أطباقا من الخزف ذي البريق المعدني بينها صحن هندسي وهي المجموعة التي شكلت فيما بعد نواة متحف الوادية في الرباط عند إنشائه عام ،1915 بينما يتميز خزف (شالة) بالزخارف النباتية والمضلعة والكتابية التي تتجلى في آثار فاس المرينية·
مدينة الخزف:
ولعل أشهر المدن المغربية تفوقا في الجانب الفني لصناعة الخزف هي مدينة (اسفي) فهذه المدينة الشاطئية التي تبعد عن الرباط حوالي 350 كيلومترا استطاعت أن تحمل وبجدارة لقب مدينة الخزف المغربي، فلا تكاد تذكر إلا مقرونة به· ونقطة التحول في خزف (اسفي)، جاءت مع صناعة (القرميد)، واستعمال مواد للتلميع يمنح القطع المنتجة شفافية زجاج الكريستال ونقاءه· وقد ساعد تعدد منتجات (اسفي) من الخزف وتحولها إلى نوع جديد من تحف التزيين المتميزة بالإتقان والتصاميم الجديدة المبتكرة، وتوظف فيه العائلات التي تشتغل عليه منذ أجيال طويلة مهاراتها وخبراتها المتوارثة وحسها التشكيلي المرهف· ويساعد طين (اسفي) الذي يحتوي على أكسيد الحديد بنسبة كبيرة لا تتوافر في مناطق اخرى من المغرب على منح هذه المنتجات الخزفية الألوان الكثيرة المتنوعة حتى عدت احدى خصوصياته، واضافة إلى ذلك ارتبط خزف اسفي بأساطير وخرافات تنسب اليه قدرات سحرية كاليد التي ترمز إلى الرقم خمسة والتي يقال عنها انها تقي من العين·
الحفاظ على الفنون:
وفي المغرب حظي موضوع الحفاظ على الفنون والحرف التقليدية وتطويرها بالأفضلية، فكانت هناك مراكز التكوين المهني التي توجه العناية الكبيرة نحو قيمة وجمال المصنوعات اليدوية والتدابير الهادفة إلى رفع مستواها وحمايتها من المنافسة غير العادلة للمواد المصنعة، فالفنون اليدوية والصناعة التقليدية عموما تعد قوة اقتصادية هائلة من ناحية توفير فرص كسب العيش الشريف· ويعمل حوالي 85 ألف صانع تقليدي في المدن وحدها، ويرتفع العدد باحتساب العاملين في القرى أو الذين يزاولون حرفا تقليدية في البيوت إلى حوالي المليون· ويحتل الخزف المرتبة الثالثة في صادرات المغرب التقليدية، وتعتبر فاس واسفي ومكناس ودمنات وورزازات والناظور وتطوان، ومراكش أهم مراكز إنتاج الخزف في المغرب· ومن أشهر الأسواق المغربية التي يباع فيها الخزف والسلع التقليدية الاخري، نجد في الدار البيضاء مركز الحرف اليدوية في جادة بوردو ومحلات فيتا في شارع كولبير والسوق المركزي وباب مراكش، إضافة إلى الحوانيت المتراصة على الجانبين والمتاخمة لمحطة القاطرات، وفي العاصمة الرباط باب الأحد وباب شالا، وفي مراكش هناك المدينة القديمة وسوق القصابين و سمارين والبطانة والرابية وسوق الفخار·

اقرأ أيضا