صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

محللون اقتصاديون في لندن لـ«الاتحاد»: قطر تدفع ثمن تعنتها بخسارة مليارات الدولارات

دينا محمود (لندن)

شدد محللون اقتصاديون في لندن على أن اضطرار النظام القطري لبيع أسهمه في شركة «فيوليا» الفرنسية، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يواجهها بفعل المقاطعة المفروضة عليه في الوقت الراهن، يؤكد أن الدويلة المعزولة تواصل دفع ثمن موقفها المتعنت حيال جيرانها، في صورة خسائر تُقدر بـ«مليارات الدولارات»، وحذروا من أن هذا البلد سيعجز «في المستقبل القريب عن تمويل مشاريعه».
وفي تصريحاتٍ خاصة لـ«الاتحاد»، قال الخبير الاقتصادي المقيم في العاصمة البريطانية صادق الركابي، إن اعتراف شركة ديار القطرية -التابعة للصندوق السيادي للثروة في الدوحة- بأنها باتت بصدد بيع حصتها في «فيوليا» والبالغة 4.6% من أسهم هذه الشركة، يبرهن على «أزمةٍ حقيقية يعاني منها القطاع الاستثماري والمصرفي في قطر».
وشدد الركابي على أن خطورة هذه الأزمة تتفاقم في ظل كون الدويلة المعزولة «مُقبلة على مشروعٍ ضخم للغاية، وهو استضافة كأس العالم لكرة القدم لعام 2022، الذي يكلف (النظام القطري) إنفاق أموال بقيمة 200 مليار دولار، وهو ما يحتاج إلى تمويل المشاريع (الخاصة بإقامة هذه البطولة) باستمرار».
وأشار إلى أن اقتراب الموعد المحدد لإقامة المونديال -الذي لم يتبق على انطلاقه سوى أقل من خمس سنوات- يجعل حكام الدوحة يشعرون «بضغط هذا المشروع» على الاقتصاد القطري، وذلك في وقتٍ تتواصل فيه الخسائر الكبيرة التي تتكبدها قطر بفعل الإجراءات الصارمة المفروضة عليها من جانب الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات ومصر والبحرين).
وقال الخبير الاقتصادي العربي، إن النظام القطري يدرك، في ظل هذه الأزمة المستمرة منذ مطلع شهر يونيو من العام الماضي، أن «هناك ضغطاً حقيقياً على الاقتصاد، خاصة مع خروج ودائع المستثمرين الخليجيين، وهروب الكثير من الاستثمارات، ما اضطر البنك المركزي القطري إلى ضخ الكثير من الأموال» لإنقاذ القطاع المصرفي في البلاد.
وأشار الركابي إلى أن أزمة المقاطعة الإقليمية والعربية لحكام الدوحة، أرغمت كذلك الصناديق السيادية القطرية على «بيع الأصول (في خارج البلاد) لتمويل المشاريع الحكومية التي قد تتوقف في داخل قطر».
ولم يغفل المحلل الاقتصادي في تصريحاته لـ«الاتحاد» التأكيد على أن استثمارات الصندوق السيادي القطري «تراجعت في عام 2017 بنسبة نحو 80%، مُقارنةً بما كان عليه حجم هذه الاستثمارات في العام السابق لذلك، وهذه نسبة كبيرة»، في مؤشرٍ إلى أنها تعود بطبيعة الحال إلى الضغوط التي يرزح تحتها اقتصاد الدوحة في ظل استمرار المقاطعة.
وأشار كذلك إلى تراجع «الاحتياطي النقدي في قطر خلال عام بنسبة تقارب 30%، وهذا بدوره رقمٌ كبير»، قائلاً إن «هذا ما دعا المؤسسات المالية إلى تخفيض التصنيف الائتماني لقطر، وأفضى في الوقت نفسه إلى تراجع ثقة المستثمرين في اقتصادها، الذي يبدو أنه بدأ فعلاً يعاني أزمة حقيقية، إذا استمرت هذه المقاطعة من قبل دول الجوار».
وفي ضوء الإعلان القطري الأخير عن بيع حصة الدوحة في «فيوليا» الفرنسية، قال الركابي إنه يعتقد «أن قطر بدأت تبيع أصولها تدريجياً، ويبدو أنها بدأت تستهدف بالفعل الأصول الموجودة في الأسواق الأوروبية».
لكن ذلك ربما لن يفيد «نظام الحمدين» كثيراً، في ظل ما يؤكده صادق الركابي من أن «المستثمرين الأجانب، سواء كانوا من منطقة الخليج أو من خارجها؛ أي أن يكونوا مستثمرين أوروبيين أو أميركيين أو آسيويين، بدؤوا يشعرون بأن قطر تحديداً غير مستقرة، وقد تعاني من أزمات، وهو ما يجعلهم يبتعدون عن الاستثمار في اقتصادها، لاسيما أن مؤشرات التراجع بدأت تظهر» عليه.
وأكد الركابي أن المستثمر «يحب ألا يضع أمواله في دولةٍ ذات مستقبل سياسي غامض، بدأ يظهر أن قدرتها على تمويل المشاريع لم تعد كما كانت».
وشدد المحلل الاقتصادي المقيم في لندن، في الوقت نفسه، على أن الحلول التي يواصل النظام القطري اللجوء إليها لإنقاذ اقتصاده من الانهيار غير مجدية، موضحاً أن بدائل الدوحة في هذا الصدد انحصرت في «بيع الأصول، وإصدار السندات السيادية وهي إحدى أدوات الدين، أي أنها (قطر) بدأت تلجأ إلى الاقتراض».
وحذر الركابي من أن «كلا الحلين بالنسبة للاقتصاد القطري -الذي كان يمتاز قبل الأزمة بأنه يتمتع بسيولة عالية- يشير إلى أن الدوحة لن تكون في المستقبل القريب قادرةً على تمويل المشاريع مع ارتفاع قيمة الدَّين، واستمرار تراجع الاستثمارات، وانحسار ثقة المستثمرين في اقتصادها».
وخلص الرجل إلى القول إن الحل الوحيد المتاح أمام نظام تميم بن حمد لإنهاء أزمته الحالية ووقف النزيف المالي الحاد الذي يعاني منه، يتمثل في أن تجلس بلاده «مع جيرانها وتتفاهم على الشروط الموضوعة.. وتحل هذه الأزمة، بدلاً من أن تستمر في التعنت في موقفها الذي تدفع ثمنه مليارات الدولارات من اقتصادها، الذي حاولت أن تبنيه خلال السنوات الماضية».
ومن جهته، أكد الخبير الاقتصادي المقيم في لندن محمد حيدر، في تصريحات خاصة لـ«الاتحاد»، أن هناك «وجهين لقصة فيوليا» والاستثمار القطري فيها، مُشيراً إلى أن أولهما «استثماري» ويتمثل في تكبد الدوحة «خسارة قيمتها 251 مليون دولار بعد ثماني سنوات من شرائها هذه الحصة من الشركة الفرنسية».
وأشار حيدر في هذا الصدد إلى أن الشركة القطرية كانت قد اشترت تلك الحصة من أسهم «فيوليا» مقابل 874 مليون دولار «واليوم تبيعها بـ623 مليوناً».
وفي ضوء هذه الأرقام، لم تكن هذه الصفقة -كما يقول حيدر- «رابحةً بسبب الخسائر التي مُنيت بها، وكان هذا المشروع خاسراً». ولكنه لا يستبعد أن تكون هناك أهدافٌ سياسية أخرى تقف وراء تلك الصفقة، وهو ما يوجب -بحسب قوله- «الاستيضاح بشأنه من صندوق الاستثمار القطري».
أما الوجه الآخر للصفقة -وفقاً للمحلل الاقتصادي العربي المقيم في بريطانيا- فيتمثل في العلاقات التي كانت تربط هذه الشركة الفرنسية بإسرائيل، وإقامتها قبل سنوات مشروعاتٍ في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
المعروف أن «فيوليا» أعلنت إنهاء مشاريعها في إسرائيل عام 2015، أي بعد خمس سنوات كاملة من شراء قطر حصةً من أسهمها.
وأشار حيدر في تصريحاته لـ«الاتحاد» إلى أنه من «المستغرب أن تقوم قطر بشراء حصة من تلك الشركة، في ظل حملة مقاطعة (كانت مفروضةً) عليها من جانب جمعيات فلسطينية وعربية وجمعيات دولية» مناوئة للتطبيع.
وقال إن ذلك يثير تساؤلاً حول طبيعة الاستثمار القطري في تلك الشركة الفرنسية، وما إذا كان «استثماراً بشكل اقتصادي فحسب، أم أن له أهدافاً أخرى، وهذه مسألة يجب أن تُسْأل عنها قطر».
وكانت الأشهر القليلة الماضية، قد شهدت بيع قطر أسهماً بقيمة تفوق 415 مليون دولار في شركة «تيفاني» للمجوهرات الفاخرة، وتقليصها حصتها المباشرة في مصرف «كريدي سويس» الشهير إلى نحو 4.94%.
وبحسب وسائل إعلام غربية، تعكف الدوحة منذ شهور على دراسة بيع المزيد من الأصول التي تمتلكها في الخارج، والتي تبلغ قيمتها الإجمالية 320 مليار دولار. وأشارت تقارير إلى أن من بين الأصول التي سيضطر «جهاز قطر للاستثمار» إلى تخفيض حصته فيها على الأرجح؛ شركة «جلينكور» البريطانية السويسرية، ومصرف «باركليز» البريطاني الشهير، وذلك بهدف ضخ الأموال الناجمة عن عمليات البيع هذه، في شرايين الاقتصاد المحلي للإمارة التي تعاني العزلة الشديدة في محيطيها الخليجي والعربي.
ويفكر «جهاز قطر للاستثمار» كذلك في بيع بعضٍ من مكونات محفظة ممتلكاته خاصة في المملكة المتحدة، التي يمتلك «الجهاز» فيها حصصاً في مؤسسات مثل فندق سافوي بالعاصمة لندن، وناطحة السحاب المعروفة باسم «شارد»، وكذلك في القرية الأوليمبية في مدينة الضباب. الأكثر من ذلك، أن عمليات البيع قد تشمل أيضاً مبنىً إدارياً يمتلكه الصندوق السيادي القطري في حي «كاناري وارف» للمال والأعمال في العاصمة البريطانية، وهو المبنى الذي يُفترض أنه سيؤجر إلى مصرف «كريدي سويس».
وسبق أن ضخ «جهاز قطر للاستثمار» -الذي كان يفاخر في الماضي بموارده الهائلة- قرابة 40 مليار دولار من إجمالي احتياطياته المالية لدعم الاقتصاد القطري ومنظومته المالية، خلال الشهرين الأولين من الأزمة، أي في يونيو ويوليو من العام الماضي.

تراجع الاستثمارات
لم يغفل حيدر الإشارة إلى التراجع الكبير الذي شهدته الاستثمارات الخاصة بصندوق الثروة السيادي القطري العام الماضي، قائلاً: «إذا قارنّا بين عامي 2016 و2017، فسنجد أنه كان هناك تراجعٌ في حجم الاستثمار.. ففي عام 2016 ضخت قطر في هذا الصندوق 20 مليار دولار، بينما في العام الماضي لم تضخ أكثر من 3.5 مليار دولار».