صحيفة الاتحاد

الرياضي

أحمد عيسى: «أحرار ديرة» البداية الفعلية من «الضغاية»

محمد بن راشد يكرم أحمد عيسى (أرشيفية)

محمد بن راشد يكرم أحمد عيسى (أرشيفية)

معتصم عبد الله (دبي)

«أصحاب المراكز الأولى هم قدوة ونماذج للجميع، وتكريمهم هو تكريم لشغف إنسان الإمارات بالمركز الأول».
بهذه الكلمات البسيطة والمعبرة أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في 31 ديسمبر 2014 مبادرة أوائل الإمارات الهادفة إلى تعزيز النماذج الإماراتية المتميزة في المجالات المختلفة، وتسليط الضوء على إنجازاتها، وإبراز أوائل المنجزين الإماراتيين ممن عملوا بإخلاص منذ تأسيس دولة الإمارات وحتى يومنا لترسيخ الاتحاد، ورفع علم الدولة في المحافل كافة، وتكريمهم بميدالية خاصة من سموه، ضمن حفل سنوي بالتزامن مع اليوم الوطني لدولة الإمارات في كل عام، إضافة لتخليد أسمائهم في ذاكرة الإمارات عبر أرشفة حكومية وكتاب سنوي حكومي خاص بهم تحت اسم «موسوعة أوائل الإمارات».
وللارتباط الوثيق ما بين «الأول في الرياضة» واسم أحمد عيسى، جاء تكريمه ضمن الجائزة في نسختها الأولى، لما لا وهو «أول كابتن» لمنتخب الإمارات لكرة القدم، وفريق النادي الأهلي، وأول قائد للأبيض في مشاركة خارجية في خليجي الثانية بالرياض 1972، بل هو أول رياضي إماراتي يقرر الاعتزال، ويقام له حفل تكريم خاص في عام 1980 بعد مسيرة امتدت لنحو 16 عاماً حصد خلالها مع الفريق لقب الدور لثلاث مرات كأول فريق يحتفظ بالدرع، ولقب كأس رئيس الدولة مرتين، وكان أول «كابتن» يرفع كأس أغلى الألقاب موسم 1974- 1975.
وما بين الصفحات الكثيرة التي حاولت توثيق مسيرة «الكابتن» من بين طيات الصحف والمجلات، وحتى الكتب التي كان آخرها إصدار أنيق حمل اسم «الكابتن» أحمد عيسى، وأشرف على إعداده عيسى أحمد درويش، ارتأينا أن تكون الحلقة الحالية من سلسلة «حوار العمر» في «الاتحاد»، حلقة «استثنائية» مع «الكابتن» أحمد عيسى في شهادته على تاريخ الرياضة الاماراتية.
وعلى غرار معادلة البدايات المعتادة الفريج، المدرسة، النادي، والمنتخب، فتح «الكابتن» صدره للاتحاد، مؤكداً أن «البيئة البسيطة» احتضنت نشأته الأولى مطلع الخمسينيات، ويقول: «البساطة وقتها تجسدت في الإمكانيات والوضع العام، وبدأت مشواري مع الكرة كعادة الجميع في الفريج في منطقة الضغاية ببر ديرة، ومن ثم المدرسة الأحمدية في أوضاع أكثر تنظيماً من كرة الفريج بالطبع، ومن ثم كشبل بنادي الوحدة، وهو كيان قائم وقتها ومخرج من مخرجات البيئة لمجموعة من الأشخاص تجمعوا في ديرة».
لم تتنازع أحمد عيسى، الذي نشأ في كنف أسرته البسيطة «كابن وحيد»، الكثير من الهوايات حيث اتجه بصورة مباشرة لكرة القدم، ويقول: «الكرة أبسط رياضة ولعبة يمكن ممارستها، فليس المطلوب فيها أكثر من الكرة نفسها، والتي يمكن تكييف توفيرها حسب المتوافر حتى ولو كانت كرة شراب».
ولارتباط المجتمع وتأثره بالبيئة وتفاعله مع الأحداث من حوله، اشترك أحمد عيسى مع عدد من أصدقائه في تشكيل فريق أطلق عليه اسم «الأحرار» نسبة للضباط الأحرار في مصر، حيث سادت وقتها شعارات الوحدة العربية والفكر الناصري، وضم فريق الأحرار لاعبين تتراوح أعمارهم ما بين العاشرة والخامسة عشرة، من بينهم «الكابتن»، قبل الانتقال في مرحلة لاحقة لصفوف فريق الوحدة.
ويضيف الكابتن: «معادلة الفريج، المدرسة، النادي، المنتخب، تسلسل زمني يعبر عن البدايات، فعلى الرغم من وجود بدايات للكرة سبقت عهدنا إلا أن مرحلتنا اختلفت عن البدايات الأولية في ظل غياب التوثيق، فبداياتنا وجدت أرضية أفضل في ظل نشأة الاهتمام بالرياضة، والتي تزامنت مع إعلان قيام الدولة مطلع ديسمبر 1971، والذي أحدث نقلة كبيرة على مستوى الرياضة وقتها». يؤمن «الكابتن» أحمد عيسى بأن الرياضة أهم وسائل تنمية المجتع، ويقول: «هي وسلية وغاية تحولت الى هدف حالياً، وفي اعتقادي أن الرياضة وسيلة لغايات أكبر ترتبط بتنمية مجتمع في كل العالم فالشعب الرياضي يهتم بالصحة والدراسة والتعليم، وهي أهم وسائل تنمية المجتمع حضارياً وصحياً وثقافياً».
ويقول: بالتزامن مع وفاة القائد جمال عبدالناصر، نظم النادي الأهلي بعد نحو أشهر قليلة على تأسيسه، أول بطولة للسداسيات حملت اسم الزعيم الراحل، فيما كانت إمارة البحرين الوجهة الأولى لأول رحلة خارجية للكيان الجديد، ويقول «الكابتن»: أول رحلة خارجية لكيان النادي الأهلي بمسماه الجديد كانت إلى البحرين في ديسمبر من عام 1970، وكان من المفترض أن تتبعها رحلة ثانية إلى السعودية أجلت إلى عام 1971، حيث خاض وقتها عدة مباريات في الرياض أمام الشباب والهلال، وفاز على الأخير 2-1 حيث كان وقتها الهلال بطلاً على مستوى السعودية.

ميلاد الأهلي في رحلة مصر
يعود أحمد عيسى بالذاكرة إلى تاريخ العاشر من يونيو 1970، والذي شهد تنظيم أول زيارة لنادي الوحدة إلى جمهورية مصر العربية، ويقول: «سبقت فكرة الزيارة إلى مصر، فوز فريق الإسماعيلي المصري بلقب دوري أبطال أفريقيا في عام 1969 كأول نادٍ عربي يتوج بالأميرة السمراء للأندية، وفي ظل وجود المدرب شحتة لاعب الإسماعيلي السابق ومدرب الوحدة، وجه النادي برئاسة عبدالله حسين لوتاه وقتها دعوة لفريق الإسماعيلي لزيارة الإمارات وجدت استجابة سريعة، حيث قدم إلى دبي ولعب أمام الوحدة.
وفي المقابل قدمت إدارة الإسماعيلي برئاسة المهندس عثمان أحمد عثمان رئيس شركة المقاولون العرب رئيس مجلس إدارة نادي الإسماعيلي آنذاك، دعوة لزيارة مصر وإقامة معسكر إعدادي يتضمن أداء عدد من المباريات الودية، اعتباراً من 11 يونيو 1970 ولنحو شهر تقريباً.
ويقول أحمد عيسى: بحكم التقارب ما بين ناديي الوحدة والشباب وقتها، والعلاقة الطيبة بين الناديين تم الاتفاق على الاستعانة بلاعبين وحتى مجموعة من الإداريين من فريق الشباب مع الوحدة، وخلال الزيارة تبلورت فكرة الدمج بين الناديين وكانت بداية الاتفاق الذي تم تأريخه رسمياً ما بين يوليو وأغسطس 1970، ولم تقتصر رحلة فريق الوحدة لجمهورية مصر على الجانب الرياضي فقط، فبجانب خوضه أربع مباريات أمام الأهلي، والزمالك، والمحلة والاتحاد السكندري، قام أعضاء الوفد بزيارة القصر الجمهوري، وأهم معالم الإسكندرية، والتي شملت قصر المنتزه، والمعمورة، وزيارة أسوان والسد العالي عبر رحلة بالقطار، في الوقت الذي استقبل فيه أنور السادات نائب رئيس الجمهورية المصري آنذاك رئيس بعثة نادي الوحدة ناصر عبدالله لوتاه.

أول الطريق مع سهيل سالم
لم يمنع صغر سن أحمد عيسى وصوله للأندية، فمن خلال نصيحة، وتشجيع للجار سهيل سالم النجم البارز في ملاعب الكرة وقتها والشقيق الأكبر للدكتور محمد سالم، وجد «الكابتن» نفسه لاعباً لفريق الفئة الثانية «الأشبال» لنادي الوحدة، ليخطو بنجاح أول خطوات المشوار الحقيقي والمنظم لكرة القدم، في ظل تعاقد نادي الوحدة، برئاسة ناصر حسين لوتاه مع المدرب المصري المرحوم محمد صديق «شحتة»، الذي التحق بالعمل بالنادي في العام 1969 كأول مدرب يعمل بشكل احترافي ومتفرغ في الإمارات، ويقول الكابتن: «بدأنا نشعر في الفترة الأولى، وتحديداً من سنة 1969 وحتى قيام الاتحاد 1972 بالجانب المنظم في العملية التدريبية بفضل المدرب شحتة، وبدأت إدارة النادي تفكر بطريقة مختلفة في بناء الفريق».
ويعتقد أحمد عيسى أن فترة البدايات مع الوحدة، والتي سبقت قيام الدولة، حققت نقلة مهمة بفضل الإدارة الجيدة والتخطيط السليم رغم قلة الموارد، ويوضح: «النقلة النوعية بالتعاقد مع المدرب القدير المرحوم شحتة، وضعتنا في المسار الصحيح في الجوانب التدريبية، وهو لعب دوراً مهماً ليس بوصفه مدرباً فقط، بل مربياً في المقام الأول».

المدارس «ركيزة الرياضة»
ما بين المدرسة الأحمدية، خلال المرحلة الابتدائية، ومدرسة المعهد الديني قبل الحصول على شهادة الثانوية العامة، ربط أحمد عيسى ما بين الرياضة والدراسة جنباً إلى جنب، حيث مارس الكرة خلال المرحلتين، أسوة بالكثير من أقرانه في ذلك العهد الذي اتسم بالنشاط الرياضي على المستوى المدرسي.
ويقول الكابتن «المدارس كانت أهم ركائز الرياضة في ذلك الوقت الذي تواجدت فيه الأندية على استحياء دون تنظيم واضح»، وأضاف: «النشاط الرياضي المدرسي كان سمة مميزة، وأذكر جيداً احتضان الشارقة في رمضان عامي 1968 و1969 لدورة رمضانية بمشاركة مدارس دبي، الشارقة، عجمان وغيرها، وحتى حينما نظمنا في النادي الأهلي سداسيات كأس ناصر في العام 1970 بالتزامن مع رحيل عبدالناصر فاز بتلك البطولة فريق مدرسة المعهد الديني». وتابع: «حالياً وللأسف اختفى النشاط المدرسي رغم كثرة المدارس، وأعتقد أن البيئة الاجتماعية أيضاً تباعدت، وقتها كانت المدارس عنصراً أساسياً ومهماً، وحالياً نعاني بعض النواقص في الرياضيين نتيجة الإهمال كون أن التربية الرياضية لم تعد مثل ما كانت في السابق في ظل تغييرات البيئة».