الاتحاد

رمضان

اللعب بالبنزين!

أتوقف بالإعجاب أمام حكمة هذا المواطن المصري الغلبان الذي أطلق على شهر فبراير·· أنه شهر 'فقراير' من الفقر والفلس!! فهو شهر دفع الفواتير المؤجلة من فاتورة التليفون، الى فاتورة المياه، وفاتورة الغاز، وفاتورة المحمول·· الى دفع الاشتراكات السنوية للنادي وللنقابة وللجمعيات والتي كان من المفروض أن تدفع مع بداية شهر يناير، ولكن لظروف الأعياد تم تأجيل الميعاد الى فبراير· وكأن فبراير هو مجمع الديون والاستحقاقات والدفع المتواصل!·
ويبدو أن حكومة نظيف انتهزت شهر الانقضاض على المواطن الغلبان·· فوجدتها فرصة لرفع أسعار البنزين!·
وهكذا اكتمل شهر 'فقراير'، بهذه المصيبة التي حركت أسعار جميع أنواع المواصلات من سيارات خاصة، وأتوبيسات عامة، وميكروباصات وتاكسيات·
والمصيبة حلت كالقضاء والقدر بين يوم وليلة·· ليفاجأ الجميع بأن محطات البنزين التي كانت تبيع نوعين من البنزين 80 و90 تغيرت لافتاتها كلها الى بنزين 92 و95 وفرق السعر في اللتر الواحد يصل الى أربعين قرشا في بنزين ،92 ويصل الى 75 قرشا في بنزين ··95 والمبرر المطروح أنه بنزين عالي الجودة!!·
والمباغتة في رفع سعر البنزين أحدثت ارتباكا هائلا في جميع وسائل النقل·· وارتفعت بالتالي أسعار التشغيل·· وانتقلت منها الى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخضار والفاكهة·· وأيضا أسعار كل الخدمات التي يحتاج إليها المواطن!·
في الوقت الذي تعلن فيه الحكومة عن جهودها في استقرار الأسعار ومحاصرة الغلاء الفاحش الذي فاق الاحتمال·· رغم هبوط سعر الدولار ذلك البعبع الذي كان يخيفوننا به، وانكشف لنا أن البعبع ليس في الدولار·· ولكن في جبهة المستفيدين مصاصي الدماء، الذين لا يهمهم غير تأمين مكاسبهم وتضخيم ثرواتهم!·
وهذا التناقض المخيف·· بين تصريحات الحكومة بالسيطرة على الأسعار·· ثم قرارها برفع سعر البنزين·· يعني أن هناك جبهتين داخل الحكومة كل منهما تعمل في اتجاه ضد الأخرى·· وأن الاتجاه لتخفيف الأعباء على محدودي الدخل، هو الاتجاه الأضعف رغم أنه اتجاه سياسي بالدرجة الأولى لمصلحة الأغلبية من المواطنين·· والا فبماذا نفسر أن يصدر قرار رفع سعر البنزين تحت مسمى 'بنزين عالي الجودة'، دون أن يوضح لنا هذا القرار مدى العائد الاقتصادي لميزانية الدولة من جراء هذه الزيادة في السعر·· وهل يساوي هذا العائد -مهما بلغت قيمته- حجم الارتباك الذي حدث في الأسواق، وحجم الخسائر التي يتحملها المواطن العادي نتيجة ارتفاع أسعار كل السلع والخدمات المرتبطة بالنقل·
والمحصلة النهائية·· أن هذا القرار جاء في التوقيت الخطأ·· وفي الاتجاه الخطأ·· خطأ سياسي·· وخطأ اقتصادي!·
وفي النهاية أيضا·· يتحمل المواطن العادي ثمن هذه الأخطاء، وهو بريء منها تماما!· رغم التحذيرات التي انطلقت من المخلصين لهذا الوطن ضد أي محاولة لرفع أسعار البنزين·· حدث هذا أيام حكومة عاطف عبيد·· وحدث مؤخرا مع حكومة أحمد نظيف·· ولكن كل هذه التحذيرات ضاعت في الهواء ولم تستفد حكومة نظيف من التداعيات المؤسفة لرفع سعر السولار· ويبدو أن اللعب بأسعار البنزين·· متعة سهلة·· رغم أنها محرقة!·
ولهذا لم أندهش لنتائج استطلاع الرأي الذي أعدته الدكتورة سوزان القليني عضو لجنة الإعلام بالمجلس القومي للمرأة، وهو استطلاع بين ألف فتاة وسيدة تم اختيارهن من محافظة القاهرة، حول المشاركة السياسية للمرأة المصرية·· وجاء من بين نتائج هذا الاستطلاع أن 71 في المئة أكدن أنهن لا يمكنهن التأثير على أي قرار تتخذه الحكومة·· أي أنهن تحولن الى فئة المتفرجين التابعين·· ليست لآرائهن قيمة! وقلن أيضا بنسبة 58 في المئة إن الحكومة لا ترغب في مشاركة الشعب في السياسة، وأن دعوة الحكومة الى ذلك ليست إلا مجرد واجهة تخفي وراءها نوعا من الرفض الإجرائي لممارسة الأفراد لأدوارهم السياسية·· وأن الحكومة ستنفذ ما ترغب فيه بالرغم من أي آراء شعبية!·
وهذه الصراحة الموجعة التي كشفت عنها نتائج هذا الاستطلاع بين السيدات·· ستكون بالتأكيد أكثر إيلاما، لو أجري هذا الاستطلاع بين الشباب والرجال·· لأنهم أكثر احتكاكا بمشاكل وهموم المجتمع·· وأكثر مسئولية لتدبير نفقات المعيشة للأسرة وضمان الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي·
ولو أجري هذا الاستطلاع بين المفكرين والكتاب وأصحاب الخبرة والرأي·· لما اختلفت النتائج كثيرا·· لأن كتابات الرأي والنقد أصبحت مجرد حبر على ورق·· وأصواتا ضائعة في الهواء·· مادامت الحكومة وكبار المسئولين قد حصنوا أنفسهم وراء الأبواب المغلقة·· لا يرون إلا وجوههم·· ولا يسمعون إلا أصواتهم!!· وتركونا نحن في مقاعد المتفرجين·· نتسلى، ونتكلم، ونغضب·· ولكن غير مسموح على الإطلاق أن نصعد على خشبة المسرح!·
رؤوف توفيق
'الأهالي'

اقرأ أيضا