الاتحاد

عربي ودولي

الأمير الحسن بن طلال : المشاركة والتعدد أو البلقنة

طالب بتوطين الإصلاح في العالم العربي
القاهرة - محمد عزالعرب:
شهدت القضايا العربية الساخنة في فلسطين والعراق والسودان بعض الحركة الى الامام وهي حركة قد لا تُرضي طموح الطامحين الى حلول جذرية سريعة لهذه الازمات لكن المدقق في الواقع الداخلي للدول العربية يدرك ان هذا التقدم أو تلك الحركة تعد جيدة في ظل غياب المبادرات العربية الحاسمة أو غياب الفعل العربي على الساحة الدولية·· مما يجعل المرء يرضى بالواقع ولو مؤقتا رغم انه لا يساوي مثقال ذرة من الطموح·
واكد المفكر العربي الامير الحسن بن طلال ان الاغلبية العاقلة في الوطن العربي تضمحل وتتجمد نتيجة للمتغيرات الاقليمية والدولية المتسارعة، وهناك أمور كثيرة تشغل البال وابرزها تداعيات اللحظة الراهنة والتي تتجلى في القضية الفلسطينية والمسألة العراقية والازمة السودانية والهموم الاصلاحية ومواجهة العولمة·
واوضح في ندوة بالقاهرة ان الهوية العراقية جزء لا يتجزأ من الهوية العربية، وبناء دولة ديمقراطية في العراق يعد مكسبا للولايات المتحدة قبل ان يكون مكسبا عراقيا او عربيا او اسلاميا، لان هذا البناء يكفل للعالم وللدبلوماسية الاميركية عدم عودة اي مقامر ليقفز الى كرسي الحكم والشعب العراقي ذاق مرارة الاستبداد ومازال يتحمل اخطاء لا دخل له فيها ويواجه تحديات عديدة والتقارير الدولية تحدثت عن امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل واليورانيوم المخصب ولم تتناول ما يعانيه الانسان العراقي·
واكد ان الطريق الصحيح هو اقامة حوار ديني ومذهبي علني بالعراق يسهم في بناء ديمقراطية اساسها احترام الاخر من اجل بناء مجتمع يقوم على تعظيم الجوامع واحترام الفوارق وتقوية الطبقة الوسطى التي تآكلت وهجرت مجتمعها وبلدها بسبب عدم قبولها جو التسلط والاستبداد ورغبتها في البحث عن مجتمع الكفاءة·
قضية فلسطين
واوضح ان الالتفاف حول المشكلة الفلسطينية وتجاهلها لن يكون مجديا فالمسألة مسألة شعب وارض، وعلى المجتمع الدولي ان يواجه الامر بشجاعة وموضوعية ويتصرف وفق القانون الدولي والشرعية الدولية فقد صدر الكثير من القرارات الدولية التي تؤكد حق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته على ارضه وها نحن الان بعد كل هذا الوقت وهذه المعاناة الطويلة وبعد عشرات الألوف من الضحايا وزلزلة الاستقرار في المنطقة نجد ان العالم بدأ يعترف بانه لابد من اقامة دولتين متجاورتين احدهما للفلسطينيين على الارض الفلسطينية والثانية للاسرائيليين ومن دون التوصل الى هذا الهدف ستظل المنطقة تعاني التوتر وعدم الاستقرار الامر الذي سينعكس سلبا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية وعلى أمن الانسان وكرامته وحقوقه الاساسية·
واكد ان مشكلة اللاجئين احد الاركان الرئيسية للقضية الفلسطينية فمن دون حل عادل ومقبول لهذه المشكلة سوف يستمر النزاع الى اشعار آخر لان القضية الفلسطينية هي قضية ارض وقضية شعب وحاولت اسرائيل على مدى السنوات الخمس الماضية ان تتجاهل قضية اللاجئين الفلسطينيين وتعدهم غير موجودين وتحاول دائما التنصل من مسؤوليتها تجاه اللاجئين سواء من حيث دورها في اجبارهم على اللجوء اصلا او عدم الاعتراف بحقهم في العودة او حقهم في ممتلكاتهم او التعويض عن الاضرار التي لحقت بهم·
وطالب باعادة الخطاب الفلسطيني ليصبح اكثر تناغما مع لغة المجتمع الدولي خاصة الأمير الحسن بعد احداث 11 سبتمبر والرأي العام الغربي ومراكز صنع القرار في اوروبا واميركا ليست لديها صورة واضحة عن الجانب الانساني والقانوني لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وعلى الجامعة العربية الخروج عن نمطيتها وتقاليدها واعرافها في التعامل مع مشكلة اللاجئين التي تحتاج الى فريق متخصص من الخبراء والسياسيين وبرامج عمل محددة ومتجددة تطرح رؤية مناظرة للرؤية الاسرائيلية والتي تحاول ترويجها وهي: اما يهودية الدولة او عودة اللاجئين واما الحق الفلسطيني او زوال اسرائيل واما الاحتلال الاسرائيلي او الارهاب·
واوضح الامير الحسن ان لديه مشاعر يغلب عليها الامل والتفاؤل تجاه السودان وان مصر لها دور وحضور بارز في استقرار السودان منذ قديم الازل وحتى الان ولعل شعار 'وحدة وادي النيل' يجسد هذا المعنى·
وقال انه لا يوجد تصادم بين عملية الاصلاح وهويتنا العربية ولا تناقض بين مبادئ الديمقراطية وقيمنا ولابد من فهم عميق للحرية بمتطلباتها وشروطها وحدودها ومحدداتها مشيرا الى ان الحاجة للاصلاح عميقة، سواء من رغبة الداخل او ضغط الخارج الا ان توطين الاصلاح هو الاهم فلا يمكن احترام حقوق الانسان او تفعيل الحكم الراشد الا من الداخل·
وقال ان انهاء المأزق العربي يتطلب تشكيل 'هيئة حكماء' من مختلف الدول العربية: المشرق العربي والمغرب العربي والخليج ووادي النيل، بعيدة عن اضواء وسائل الاعلام، لتبلور رؤية محددة للمستقبل العربي ومصيره الذي يتراوح بين خيارين: إما تشرذم وتفتت واقتتال واستعمار بأشكال مختلفة أو تطور وتنمية لهذه المنطقة·
وقال ان 40 في المئة من المسلمين يعيشون تحت خط الفقر و45 في المئة دون سن الخامسة عشرة و75 في المئة تحت سن الخامسة والعشرين و70 في المئة من لاجئي العالم من المسلمين، وكل هذه الملايين بحاجة الى التربية والتعليم والخدمات الصحية وفرص العمل لترسيخ 'الأمن الانساني' لأن اقتصاد الفقر وسياسات الكبت والاذلال والاستبداد هي المدخل الى اليأس والتطرف والجريمة·
المشاركة
وأكد ان الانظمة السياسية في العالمين العربي والاسلامي يمكن ان تسهم في حل مشكلة التطرف بفكر خلاق، وليس برفض الواقع والهروب منه، وذلك بتشجيع المشاركة الفعالة في الشأن العام التي تغلب المصلحة العامة على المصالح الشخصية الضيقة·
وقال ان الفقر وانعدام الامن الاقتصادي وذوبان الطبقة الوسطى يغذي التطرف فالتعاون الدولي الوثيق لمحاربة هذه الظاهرة يجب ان يتعدى الغايات الامنية الى الامن الانساني الذي يستند الى حقوق الانسان وكرامته والامن الذي يجب ان يأخذ في الاعتبار ان التطرف لا يتعلق فقط بالحرمان والجوع ولكن ايضا بحرمان المواطن من المشاركة في بناء مجتمعه·
ودعا الى تحقيق التنمية وتدعيم الاستقرار في المنطقة في إطار اقليمي من اجل تضييق الفجوة بين الشمال والجنوب لنصل الى عالم اكثر عدلا وانسانية موضحا ان المنطقة العربية تقف في مفترق طرق فإما تواجه خطر البلقنة حيث تتصارع الملل والنحل وتؤدي الى دويلات غير مستقرة لا توفر الامان والاستقرار لأهلها او التعدد الذي يثري المسيرة·
واشار الى ان الدول العربية والاسلامية تواجه تحديات عديدة وازمات مختلفة مثل التخلف والتجزئة والبطالة والفقر والجهل وسوء توزيع الموارد الطبيعية وخاصة المياه والطاقة وهناك منظمات متطرفة ارتدت ثوب الاسلام والحقت بسمعته تشوهات خطيرة ونظرة الى حال العالمين العربي والاسلامي توضح مدى الهوان الذي يعتريهما والمخاطر التي تحيط بهما، وساهم غياب الشرعية في فك العقد الاجتماعي بين الشعوب والانظمة حتى استعدى احدهما الاخر ولم تتمكن الجهود اللاحقة وخاصة جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي من ملء ذلك الفراغ·
وذكر الامير الحسن ان اختطاف رسالة الاسلام السمحة العادلة على يد مجموعات مغرضة حولت الدين الى اداة للقتل والتدمير والتخريب هو سبب مصائب الامة ومحنها·
وأكد ضرورة بقاء الاسلام نقيا وان يفهم كمنظومة متكاملة بعيدا عن اشكال وصور الارهاب داعيا الامة العربية الى تجنب المزيد من الاقتتال العرقي والطائفي وايجاد قاعدة جديدة من الاحترام المتبادل بين الدول العربية وتجنب المزيد من البلقنة والطلبنة·
واوضح ان جامعة الدول العربية قوية بقوة اعضائها وضعيفة بضعف اولئك الاعضاء فلا أمل في تطوير الجامعة وتحديثها إلا إذا توفرت الارادة الجماعية مثلما حدث في حالات اخرى مماثلة، ابرزها تجربة الاتحاد الاوروبي مؤكدا ان من اهم اسباب تعثر العمل العربي المشترك عدم تنفيذ ما يتفق عليه وعدم مناقشة ما يختلف فيه ولابد من تغيير هذا الاسلوب القاتل لروح التضامن والتعاون بين الاقطار العربية وتمكين القطاع الخاص والمجتمع الاهلي من العمل والتعاون عبر الاقطار العربية عن طريق تسهيل حركة الناس وإقامتهم وعملهم في منطقة مشتركة تجمع بين قطرين أو اكثر مثل تجربة مجلس التعاون الخليجي والعمل على تنسيق العلاقات التجارية بين الاقطار العربية وبينها وبين مناطق تجارية حرة غير عربية مثل الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة·
وقال ان الخطوة الاولى تكمن في تحويل الخطاب القطري للدول العربية الى خطاب اقليمي يعنى بالامن الاقتصادي والتعاون وينأى عن التقوقع والانغلاق ويؤمن بمبادئ الامن الجماعي ولا تعوزنا اتفاقات أو معاهدات او شراكات او بروتوكولات وانما تنقصنا الارادة الجماعية للانتقال بالانسان العربي من ثقافة البقاء الى ثقافة المشاركة والبناء·
ولفت الى أن هجرة الادمغة العربية آخذة بالاتساع وألحقت خسارة فادحة بالمصالح العربية في مجال التنمية والبحث العلمي والتصنيع مشيرا الى ان انقطاع الصلة بين المهاجر ووطنه الام يؤدي الى زيادة هذه الخسائر·
وقال ان النظام العربي ليس فقط في حاجة ملحة الى المراجعة والاصلاح بل يحتاج ايضا الى فهم ودعم من المنظمات العربية غير الحكومية وتنمية التواصل المستديم بين عمل النظام العربي والنشاط الاهلي في كل الاقطار العربية التي تسعى الى تحقيق المزيد من الوعي العام والتطور السياسي اللازم للتعامل مع عصر العولمة، خصوصا مع انتشار الامية السياسية والقانونية في العالم العربي وهو ما يسمح للحركات المتطرفة بممارسة اعمالها على نطاق واسع بدعوى مواجهة الجمود ومحاربة الاستعمار·
وأشار الى ان هناك صراعا خفيا بين الحكومات العربية والحركات الاسلامية للاستيلاء على كراسي الحكم ومواقع النفوذ مضيفا ان احداث 11 سبتمبر وما تمخض عنها من حرب تشنها الولايات المتحدة ضد الارهاب مثلت مبررا مشروعا للأجهزة الامنية في الدول العربية لتقويض شطحات وتجاوزات الجماعات المسلحة التي ترفض سياسة الحوار مع الدولة وترفض الدولة ايضا الحوار معها·
وأوضح ان العولمة ليست فكرة يمكن قبولها أو رفضها بل هي عملية مستمرة وتعني المزيد من التقارب وتلغي الحدود بين الدول وتطلق حرية الحركة للسلع والمعلومات والناس وتفرض علينا ان نعيد النظر في كثير من مفاهيمنا وافكارنا وثوابتنا ومن ذلك مفهوم السيادة والهوية والانتماء، وقد يرى البعض ان العولمة امتداد تاريخي طبيعي للرأسمالية والانسان سيسحق في هذا الاطار· ومن هنا جاء تعبير العالمية الذي يوحي بأهمية الاخلاقيات والقيم في النظام العالمي والتضامن الانساني يتطلب التقاء شتى الثقافات في نطاق الحضارة الانسانية الواحدة حيث تتفاعل ولا تتصادم ويغني بعضها بعضا· فلا توجد ثقافة منغلقة على نفسها بطبيعتها او ميالة نحو العنف غير ان الثقافات التي تشعر بأنها مهددة تلجأ الى الدفاع عن نفسها حين توصد الابواب في وجهها ومواجهة الاقصاء برفض مضاد·
برواز

اقرأ أيضا

الاتحاد الأوروبي يدين العملية العسكرية التركية في سوريا