الاتحاد

عربي ودولي

نجاد أمام الامتحان ·· فهل يجتازه بنجاح؟


معين أحمد محمود:
مرحلة جديدة من التطور السياسي في إيران، يبدو أنها قد بدأت فعلاً ، مع اكتمال سيطرة المحافظين على آخر حلقات السيطرة على السلطة بفوز ساحق لأحد أبرز رموز المتشددين من غير رجال الدين محمود أحمد نجاد بمنصب الرئاسة حيث حصل على 61,69 من الأصوات بفارق نحو سبعة ملايين صوت على منافسه المخضرم هاشمي رفسنجاني ، فيما انقسمت ردود الفعل بين رفض أميركي وحذر أوروبي وترحيب روسي
وقد شكلت نتائج هذه الانتخابات امتداداً للانتخابات التشريعية التي جرت العام الماضي ، والتي حقق فيها التيار المحافظ فوزاً كبيراً ، بينما انحسر فيها نفوذ الاصلاحيين بشكل لافت ·
هذه المرحلة باتت محط اهتمام العالم بأسره ، الذي يراقب ما يجري في تلك البقعة من العالم ، في ضوء جملة من المعطيات التي باتت تحكم الملف الايراني من جميع جوانبه ، خصوصاً وانه يبدو من أكثر الملفات سخونة ، ومن أشدها ترشيحاً لما يمكن أن يسمى 'مشروع أزمات متلاحقة ' ··· قد يتجاوز تأثيرها البعد الإيراني ، وقد تمتد معطياتها إلى الإقليم كاملاً ·
وسيواجه الرئيس محمود أحمدي نجاد معضلات مهمة وتحديات لا تقل أهمية ، وذلك في النطاقين الداخلي والخارجي · وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى أن بعض هذه المعضلات والتحديات من موروث رئاسة خاتمي وربما من قبلها ، مثل الوضع الاقتصادي ، بينما يبدو البعض الآخر ، مثل ملف الأقليات ، جديداً على الواقع الإيراني ··ولعل الملف الاقتصادي يأتي في مقدمة التحديات التي تنتظر الرئيس الجديد محمود أحمدي نجاد ، ولنبدأ بالملف الاقتصادي على أهميته ·
الملف الاقتصادي
لعل هذا هو التحدي الأبرز الذي سيواجهه الرئيس الجديد نجاد ،بعدما تقلبت سياسات من سبقه بين التنمية الاقتصادية والانفتاح على الاستثمار الخارجي (في عهد رفسنجاني 1990 ( 7991- وبين التنمية السياسية والانفتاح على الحريات والحوار مع العالم (في عهد محمد خاتمي 1997 ( 5002 - ما يعني أن التنمية الاجتماعية
(فرص العمل ، رفع مستوى المعيشة ، ومحاربة الفساد) ، هي التي يفترض أن تكون أولوية أحمدي نجاد إبان رئاسته ·
وفي هذا السياق لا بد من الاشارة إلى أنه ومنذ مرحلة ما بعد انتهاء الحرب ضد العراق حظي الوضع الاقتصادي الصعب في إيران بالاهتمام البالغ من القائمين على الجمهورية الاسلامية ، ثم ما لبث أن تحول إلى همّ بفعل المتغيرات الدولية التي شهدتها حقبة التسعينات من القرن العشرين مما جعل العلاقات الدولية بمجملها تمر عبر القناة الأميركية · وهذا الوضع العالمي الجديد حشر إيران ووضعها في مأزق حقيقي نتيجة الضغوط الأميركية عليها ، بعد أن فشل الرئيس السابق محمد خاتمي في تحسين ظروف المواطن الايراني الاقتصادية ، من خلال إيجاد وظائف للعاطلين عن العمل وتحسين وضع الفقراء ، وكل ذلك لن يتحقق بشعارات العودة إلى أيام الثورة والمواجهات ، ولكن بالاستقرار وجذب الاستثمارات والانفتاح على الخارج ، وهو ما يدركه أي سياسي أو اقتصادي ، وخلاف ذلك هراء · لذلك كله فإن الرئيس الجديد نجاد سوف يواجه بالشك والارتياب في النجاح فيما أخفق فيه سلفه ·
ولعل الرئيس الجديد محمود أحمدي نجاد يدرك جيداً التطلعات الليبرالية للإيرانيين الذين أيدوا ودعموا على الدوام الجمهورية الإسلامية طوال عقدين ونصف العقد من الزمان ، ولم يعد لديهم الاستعداد للمزيد من الطاعة الكاملة دون إتاحة هامش واسع من الحريات وإتاحة الفرصة أمام جميع المواطنين من مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية للمشاركة والتعبير · وقد أثبتت رئاسة محمد خاتمي أن هذا التطلع لدى كافة شرائح وأطياف المجتمع الإيراني تزداد وهي غير قابلة للتراجع ، وأن على الرئيس المنتخب محمود أحمدي نجاد أن يتجاوب مع هذه التطلعات · وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن هذه التطلعات الليبرالية للإيرانيين تبرز بصفة خاصة لدى المرأة والشباب · والمهم في هذا التحدي الذي سيواجه الرئيس نجاد أنه لا يعني بالطبع توسيع نطاق حرية التعبير أو فتح مجال أمام مشاركة نسوية أوسع ، فبعض هذه المطالب قد تحقق بالفعل ، لكن الجديد الذي يميز التطلعات الليبرالية للإيرانيين هو أن تشمل تلك الحرية والفكر تحرر آليات العمل العام ·
ومن المعروف للقاصي والداني أن ملف حقوق الإنسان مطروح للنقاش خارج إيران ، ويمثل موقفاً ثابتاً في جملة الانتقادات الخارجية وفي طليعتها الأميركية والأوروبية لإيران · لكن الجديد في الأمر أن هذا الملف مرشح ليصبح في المرحلة المقبلة ملفاً داخلياً أيضاً ، خصوصاً بعد أن طفت بعض جوانب هذا الملف على السطح في الآونة الأخيرة خصوصاً بالنسبة للعرب الإيرانيين في إقليم الأهواز ·
وهذا ما يجعل من الأهمية بمكان مواجهة الرئيس نجاد لهذه القضايا والموضوعات وذلك بغض النظر عما ذهبت إليه بعض التفسيرات بشأن دوافع وقوع الاضطرابات والصدامات في هذه المنطقة من أن أياد خارجية وقفت وراءها بين العرب والإيرانيين والسلطات الإيرانية · لكن الحقيقة بالرغم من كل ما قيل ويقال هو أن هناك بالفعل أقلية عربية تمثل أغلبية في نطاق هذا الإقليم تعاني من أوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية سيئة للغاية ، هذا فضلاً عن مطالبها التاريخية بالانفصال عن إيران واستعادة الاستقلال الذي انتهكه الإيرانيون قبل ثمانين عاماً ·
الملف النووي
وهو المعروف بالملف الساخن ، ولعل سخونته مستمدة من أكثر من عامل ، وفي مقدمتها أن هذا الملف بات يلهب المنطقة بأسرها · ومن ثم الملف الصاروخي · فالدول الغربية باتت تنظر إلى الرئيس الجديد نجاد من بوابة موقفه من الملف النووي ، وسوف تحكم عليه على سياسته من زاوية التعاطي مع هذا الملف الشائك · ولا شك أن هذا الملف النووي والصاروخي يمثل التحدي القريب الذي ينتظر الرئيس محمود أحمدي نجاد ، وسوف ينعكس هذا الملف على مجمل علاقة إيران بالولايات المتحدة الأميركية وأوروبا ، ومع ذلك فإن لهذا الملف خصوصياته وأهميته الذاتية خصوصاً بالنسبة للأمن القومي الإيراني وإدراك إيران لمصالحها العليا وبالتالي للاستراتيجية الضرورية في هذا المجال · لذا فإن الرئيس الجديد نجاد سيجد من أولوليات اهتماماته إيلاء الأولوية القصوى لهذا الملف الذي كان قد وصل إلى مفترق طرق عشية الانتخابات وتم تعليق الموقف بشأنه لحين الانتهاء من الاستحقاق الرئاسي ·
ومهما قيل في شعارات التشدد التي رفعها أحمدي نجاد في التفاوض مع الأوروبيين في ' الملف النووي ' ، فإن أصل هذا التفاوض هو مصلحة إيرانية قومية ووطنية · ربما تتغير بعض أساليب التفاوض ، لكن أصل التفاوض سيستمر ، لأن استراتيجية إيران في هذا المجال هي عدم التنازل عن حقها في مبدأ التخصيب ، وعدم التصادم مع مجلس الأمن أو مع الوكالة الدولية للطاقة النووية ، كما أن إيران لا تريد تقديم الذرائع للولايات المتحدة لفرض مزيد من العقوبات الدولية عليها ، أي أن إيران لن تشهد تغييراً في إدارة ملفها النووي، ولا في علاقاتها مع أوروبا، إلا أن مجيء محافظ على رأس الدولة سيجعل مواقع السلطة في إيران من المرشد إلى رئيس الجمهورية إلى مجلس الشورى ، أكثر تناغماً وانسجاماً ، مما يزيد من قوة الموقف الإيراني تجاه أي قضية خارجية ·
··وملفات أخرى عديدة
وهناك العديد من القضايا والملفات التي هي في انتظار الرئيس الجديد محمود أحمدي نجاد ، وبالرغم من أهميتها إلا أنها ليست بذات القدر من الحساسية التي يحظى بها الملف النووي · لكن جميع هذه الملفات تحظى بقاسم مشترك بينها هو الدور الأميركي البارز فيها · فالولايات المتحدة الأمريكية تلعب الدور الأكبر والبارز في جميع هذه الملفات والقضايا الخارجية التي تتعامل معها إيران حالياً وسيتصدى لها بالطبع الرئيس نجاد ، بدءاً من الملف العراقي بما فيه من جوانب متعددة ويأتي في طليعتها الاحتلال والوضع الأمني والمستقبل السياسي للعراق والعلاقة بين كافة الطوائف · وبعد ذلك مباشرة يأتي موضوع الأمن في الخليج وهو مرشح للتفعيل وللطرح في السنوات القليلة القادمة · وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن هذا الموضوع مرتبط نسبياً بمستقبل الملف النووي الإيراني إضافة إلى مستقبل الاحتلال الأميركي للعراق ·
لكن عندما يصل هذان الملفان ملف احتلال العراق والملف النووي الإيراني إلى نقطة الحسم النهائية ، فلا بد عندئذ من أن تفرض مسألة أمن الخليج ذاتها على الطاولة ، حيث تثبيت وضع نهائي للخيار النووي الإيراني لا بد وأن يثير التساؤل حول مستقبل التوازن الاستراتيجي في الخليج · وكذلك الأمر لدى التفكير في خروج الاحتلال الأميركي من العراق · والحجة الأميركية المتداولة حالياً هي بأن الوجود الأميركي ضروري ومطلوب من أجل تحقيق الأمن والحفاظ على الاستقرار ، هذه الحجة الأميركية مرشحة وقابلة للتعديل مستقبلاً لتنتقل إلى إيران وتوجه لها أصابع الاتهام بالإضرار بأمن جيرانها أو احتمال أن تقوم بذلك مستقبلاً مما يستلزم وجوداً عسكرياً أمريكياً لردع طهران ومنع الخطر الداهم من جانبها على جيرانها في الخليج بعد تدمير القوة العسكرية العراقية التي كانت تقوم بالدور الموازي عسكرياً لإيران في الخليج ·
القاسم المشترك
لذلك فإن القاسم المشترك لجميع هذه الملفات بما فيها الملف النووي مرتبط بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية ، وهي تخضع لحالة العلاقة بين إيران والولايات المتحدة · والجدير بالملاحظة أن هذه القضايا جميعها تؤثر في تلك العلاقة وتسهم في توجيه مسارها · فالعلاقة بين طهران وواشنطن بوجه عام أشبه ما تكون بالاواني المستطرقة ، حيث تؤثر المياه الجارية في إحداها على مستوى نظيراتها ·
فالدور الإيراني في العراق وموقف طهران من الاحتلال انعكس بالفعل على موقف واشنطن من الملف النووي فأصبح أقل حدة ، عما كان عليه قبل الاحتلال أو بالأدق قبل أن تبدي طهران مرونة وتجاوباً مع مطالب واشنطن العراقية · والعكس صحيح حيث غالباً ما يكون العراق مسرحاً لرد طهران على بعض مظاهر التشدد الأميركي أو التهديدات التي تصدر من واشنطن على فترات بضرورة إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن ·
وخلاصة القول ، إن العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية تمثل أكبر التحديات الخارجية التي تنتظر الرئيس نجاد ··فهل يتمكن الرئيس محمود أحمدي نجاد من اجتياز كل هذه التحديات ، ومواجهة الامتحان بشقيه الداخلي والاقليمي بنجاح ؟··سؤال سوف تجيب عليه الأيام القليلة المقبلة·

اقرأ أيضا

جانتس يطالب برئاسة حكومة الوحدة في إسرائيل