تقارير

الاتحاد

نازحو الفلوجة... معاناة تتجدد!

بأحد المنازل الخشبية المؤقتة التي كانت تُستخدم سابقاً في قاعدة عسكرية أميركية قريبة من الفلوجة، تنهمك عماد رشيد في نفض الغبار عن الملابس والأغراض الأخرى التي علاها التراب، فيما أطفالها يستريحون على أفرشة بلاستيكية من النوع الذي يملأ بالماء، وذلك بعد هروبها الثاني من الفلوجة.
وكلما حل وقت الغداء، تستقبل أسرة رشيد صحوناً مليئة بالأرز والدجاج يأتي بها الأهالي الذين يقيمون بالقرب من موقع المنزل المؤقت، وهي المساعدة التي باتت عنوان الوضع الجديد الذي تعيشه محافظة الأنبار غرب العراق منذ استيلاء جماعات تابعة لتنظيم «القاعدة» على أجزاء من الرمادي والفلوجة، ودخول العشائر أيضاً في مواجهات دامية مع قوات الجيش التي تسعى إلى اقتحام المدينتين. ولا تترد في إمطار بعض أحيائها التي تعتقد أنها وقعت تحت سلطة «القاعدة»، بالقذائف، والحقيقة أن هذا المصير اقترن بالفلوجة إلى حد كبير.
فالجميع يتذكر كيف نزح أهالي المدينة قبل عشر سنوات من مساكنهم بعد دخول الجيش الأميركي في معارك طاحنة مع المتمردين الذين كانون يناهضون التواجد الأميركي في العراق، وقد تكبد الطرفان خسائر كبيرة واعتُبرت المعارك التي شهدتها المدينة إحدى أشرس العمليات القتالية التي خاضها الجيش الأميركي منذ حرب فيتنام، إذ خاضت القوات الأميركية معارك في أحياء المدينة من شارع إلى آخر، استخدمت خلالها المدفعية الثقيلة والطيران لدك معاقل المتمردين.
واليوم يتكرر المشهد مجدداً في الفلوجة وإن بصورة مختلفة، فقد تمكن مسلحون تابعون لتنظيم «القاعدة» من السيطرة على محافظة الأنبار في شهر يناير الماضي، ما أدى إلى اندلاع معارك ضارية بين القوات الحكومية والمقاتلين. وخلال الأسبوع الجاري وفي محاولة لانتزاع المدينة من المسلحين وطردهم خارجها قامت قوات الأمن والجيش بضرب طوق على المدينة.
لكن الحصار وإن كان قد منع بعض المتشددين من الفرار إلى خارج المدينة والاحتماء بالمناطق الصحراوية القريبة، فإنه وضع الأهالي في وضع صعب بمنعهم من الخروج، بل حتى السكان الذين غادروا الفلوجة ويقدر عددهم بحوالي 300 ألف نسمة، يعانون من أوضاع معيشية صعبة بعدما نزحوا إلى المدن والبلدات القريبة وحلوا ضيوفاً على سكانها الذين اضطروا إلى إيوائهم واقتسام منازلهم معهم، لاسيما المدن الشمالية، مثل سامراء التي تتعاطف مع أهالي الفلوجة.
وفي ظل الجمود الذي بلغته الأوضاع الأمنية في الفلوجة مع استمرار القصف وتمترس مقاتلي العشائر والمتشددين في أماكنهم، فإنه من غير المرجح أن يعود الأهالي إلى منازلهم في وقت قريب. أما بالنسبة لعائلة السيدة رشيد فإنها ليست المرة الأولى التي تغادر فيها الفلوجة برفقة أبنائها، ففي عام 2004 عندما أنذرت القوات الأميركية المدنيين بإخلاء المدينة استعداداً لاقتحامها، حزمت رشيد حقائقبها وتوجهت إلى البادية، حيث قضت برفقة عائلتها شهراً كاملا، لكنها تضيف الأم لستة أطفال كلهم ما دون سن السادسة أن الوضع اليوم أسوأ، قائلة: «يمكن رؤية الطائرات وهي تقصف الأحياء في الليل، إلا أنه عندما اشتد القصف وبدأ يقترب من حينا قررت المغادرة».
هذا القصف للأحياء والتدهور السريع للوضع الأمني دفع بأعداد هائلة من سكان الفلوجة إلى النزوح خارجها، لاسيما بعدما بلغ مستويات غير مسبوقة حسب معطيات الأمم المتحدة التي تصف الحال بأنه أكبر عملية نزوح يشهدها العراق منذ دخول البلد في حرب أهلية قبل سبع سنوات.
وعقب اندلاع أعمال العنف الأخيرة، لجأت العديد من عائلات الطبقة الوسطى التي خرجت من المدينة إلى المناطق الكردية في شمال العراق لتمتلئ الفنادق عن آخرها، فيما فضل البعض الآخر التوجه إلى مدينة كربلاء المقدسة لدى الشيعية، لكن أغلبية سكان الفلوجة توجهوا إلى سامراء شمال بغداد التي بلغ فيها الوضع الإنساني نقطة الانهيار، وبخاصة بعدما غصت الميادين العامة بالنازحين وفاضت المساجد بالعائلات مثل مسجد الحمد الذي بدأ يستقبل أولى العائلات النازحة. ولتوضيح هذا الوضع قالت سعيدي محمود البولاني إنها اضطرت لترك منزلها في سامراء والانتقال للعيش مع أحد أقاربها وترك البيت لإحدى عشرة عائلة نازحة من الفلوجة بعدما تقطعت بها السبل ولم تجد مأوى تلجأ إليه.
وفي سياق استمالتها للسكان كانت الحكومة في بغداد قد تعهدت بتقديم تعويض لكل عائلة تضطر للنزوح من الفلوجة لتبرير حربها ضد من تعتبرهم بغداد عناصر «القاعدة»، إلا أنه حتى هذه اللحظة يقول الأهالي إنهم لم يتلقوا أي تعويض.
وفيما توجهت العائلات الميسورة إلى المدن الكردية وتدبرت أمرها بتأجير المنازل، أو النزول في الفنادق، ظلت الطبقات الفقيرة الأكثر معاناة في الفلوجة، فالعمال الذين يكسبون عشرة دولارات في اليوم في حال توفر عمل وجدوا صعوبة بالغة في جمع ثمن الرحلة خارج المدينة والتي بلغ سعرها في الأسابيع الأخيرة 150 دولاراً، ما يعني أن بعضهم بقي في الفلوجة مضطراً.
لكن اللافت في الأمر أنه، وبرغم المعاناة التي يكابدها سكان الفلوجة، ظلت المدينة غائبة عن عناوين الأخبار المحلية وبعيدة عن التغطية الإعلامية للقنوات والصحف العراقية، إلا فيما ندر. ولعل ما فاقم من الأوضاع الإنسانية المتردية في الفلوجة توقف الوكالات الأممية عن إدخال المساعدات، وذلك بسبب الأخطار التي يتعرض لها سائقو الشاحنات، وحتى مع استمرار الهلال الأحمر العراقي في تقديم الدعم لأهالي الفلوجة، إلا أنه وفي ظل الحصار الخانق الذي تضربه قوات الجيش على المدينة بات من المتعذر إيصال المساعدات العاجلة إلى المدينة لتتواصل المعاناة وتتوسع الأزمة الإنسانية.


جين آراف
سامراء - العراق


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا