الاتحاد

رمضان

القدس ··· بين التميز والمارد الديموغرافي


يدعو الكاتب اليساري الإسرائيلي نداف شرغاي إلى زيادة الوجود الإسرائيلي في القدس في شتى السبل الممكنة بدلا من تقسيم المدينة بسبب الضائقة الديمغرافية النسبية لليهود في القدس على حد تعبيره وذلك في مقابل تيار متطرف أيضا يدعو إلى تقسيم المدينة، واستند الطرفان إلى ازدياد الوجود العربي في المدينة وعلى اعتبار أنهم مالكو البلاد الأساسيون·
ويقول نداف شرغاي قبل خمس سنوات في كامب ديفيد حيث طرحت على جدول الأعمال إمكانية عملية تقسيم القدس تشبث ايهود باراك بتقلص عدد اليهود في المدينة من 74 في المائة في عام 1967 إلى 66 في المائة والآن ها هم يستلون هذا المارد الديمغرافي من القمقم·
ويضيف رغم أن وضع إسرائيل في القدس أفضل بعشرات المرات من السابق ، الا أن أنصار التقسيم يقترحون أخذ وضعها الديمغرافي في الحسبان كما تم في غزة ونابلس والتنازل عن مناطق واسعة من المدينة لصالح السلطة أو الدولة الفلسطينية القادمة وتغيير التوازن الديمغرافي بذلك لصالح الطرف اليهودي بصورة دراماتيكية ·
ويضيف: هكذا، نقول إن هناك إمكانيات وخيارات أخرى يمكن التداول فيها قبل أخذ الهم الديمغرافي ، سواء كان حقيقياً أو مزعوماً، في الحسبان وقبل التخلي عن الالتزام المتعاقب جيلاً بعد جيل بهذه المناسبة وقبل تقطيع أوصال البلدة القديمة إلى أجزاء حسب خطة كلينتون وفتح بوابة واسعة للتنظيمات الإرهابية في داخلها أيضاً، وقبل تحويل الفلسطينيين إلى مخلوق بيئي جغرافي لا يمكن العيش فيه ·
ويتابع أن 200 الف يهودي تقريباً تنازلوا عن القدس لصالح السكن في مكان آخر خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة· هم لم يغادروها بسبب الديمغرافيا أو بسبب الإرهاب أو الأصوليين الذين يتخلون عن المدينة هم أيضاً، بل بسبب أسعار الشقق المرتفعة ومصاعب إيجاد مصدر رزق· أغلبية هؤلاء المغادرين يمكن أن تبقى في المدينة لو قام أحد ما بالسعي إلى نفض الغبار عن كومة التقارير الحكومية الموضوعة منذ سنوات كحجر لا يمكن زحزحته ، واستخدامها لهذا الغرض· نسبة التكاثر لا يمكن تغييرها ربما، ولكن الحوافز الاقتصادية بروحية تلك التقارير من خلال هبات وقروض سكنية ومصادر تشغيل كانت ستقنع الكثير من هؤلاء الناس بالبقاء ·
ويقول: إذا كان الالتزام بالقدس الكاملة ليس فخراً كبيراً يوصى به، وإن كانت هناك حاجة بهذا القدر من اليأس لأغلبية يهودية قوية وراسخة، فمن الممكن القيام بعدة خطوات كانت مقبولة من حكومات إسرائيل إلى ما قبل سنوات غير بعيدة واعتبرت أخلاقية وشرعية· حكومة ليفي اشكول مثلاً استخدمت بعد حرب حزيران (يونيو) وحدة ايغوم التي اشترت الأراضي والعقارات من الفلسطينيين في القدس ومحيطها، وعملت على تشجيع هجرة الفلسطينيين طواعية من البلدة القديمة إلى خارج الأسوار مقابل ثمن مالي· صفقات مثل بيع عقارات باب الخليل لليهود من قبل البطريرك اليوناني الأرثوذكسي التي تثير الآن عاصفة كبيرة إلى هذا الحد، كانت تقابل حينئذ بصورة اعتيادية وتعتبر عملاً بديهياً يتساوق مع المصلحة اليهودية - الصهيونية وفي أية حال من الأفضل اللجوء إلى هذه الخطوات من أن يستخدم أسلوب المصادرة هكذا بلا سبب · وعلى حد تعبيره فإن ترسيخ الأغلبية اليهودية في القدس يجب أن يتم أيضاً بواسطة إزالة التفرقة ضد السكان العرب في المدينة في مجال الخدمات والبنى التحتية والتفرقة القائمة في مستوى الاستثمارات وإمكانيات البناء المنظم ليست طريقة شرعية لزيادة الأغلبية اليهودية، هذا ناهيك عن أن وراء هذه الخطوة حكمة صغيرة جداً، ذلك لأن الفراغ الكبير الذي خلفته إسرائيل في شرقي القدس خلال أربعة عقود يعباً من خلال السلطة الفلسطينية التي لم تتنازل عن محاولة تثبيت مواقعها في المدينة· عندما يجري الحديث عن غزة أو نابلس يمكن ربما تفهم الادعاء بأن من الأجدر الانسحاب ديمغرافياً والانكماش في حدود ملائمة أكثر لنا ، ولكن القدس مختلفة تماماً ·
ويقول: في القدس يحظر الفرار من الديمغرافيا بل يتوجب مواجهتها - أين إذا لم يكن في القدس وتفضيل الحلم وبلورة الواقع وفقاً له وعدم تركه يتغلب علينا ليعيد صياغة الحلم حسب هواه· تاريخ الاستيطان في أرض إسرائيل خلال القرن الأخير حافل بالتهديدات الديمغرافية من النوع الذي يطرحه الآن أنصار التقسيم في القدس· أغلبية هذه التهديدات تلاشت· البروفيسور عزرا زوهر الذي قام بجمع عدة نماذج مؤخراً للتوجه التشاؤمي قال مثلاً إن المؤرخ المعروف شمعون دوبنوف توجه إلى هرتسل في القرن الماضي وقال له محذراً أن لا إمكانية لنجاح مشروعه لأن عدد اليهود سيكون 500 ألف مقابل مليون عربي بعد عشرات السنين من ذلك التاريخ·
وكانت لجنة بريطانيا قد أرسلت لاستيضاح سبب أحداث 1929 أخطأت في البدائل الأربعة التي اقترحتها لزيادة عدد السكان· في عام 1967 توجه الوزير بنحاس سافير لرئيس الوزراء ليفي اشكول ومعه عدد من البروفيسورات واقترح عليه الانسحاب من المناطق (الضفة وغزة) لأن إسرائيل ستشهد أغلبية عربية بعد عشرين سنة· ديمغرافيون معروفون ادعوا قبل الهجرة الكبرى من روسيا أن يهود الاتحاد السوفيتي سيهاجرون إلى كندا وأميركا وليس إلى إسرائيل· بعد 38 سنة على تحرير القدس ومقدساتها ما زالت الأغلبية اليهودية في المدينة ملموسة ومن الممكن القيام بأمور كثيرة فيها لزيادة عددها بعد أن يتوجب مواصلة الكفاح ، ولكن ليس من خلال النصائح والكلام الفارغ بل بالأفعال ·

اقرأ أيضا