أرشيف دنيا

الاتحاد

فرنسا تقود حملة «الاستثناء الثقافي» في وجه الزحف الرقمي

أوريللي فيليباتي (الصورة نقلا عن flickr.com/photos/actualitte)

أوريللي فيليباتي (الصورة نقلا عن flickr.com/photos/actualitte)

أبوظبي (الاتحاد) - يطرح اختلاف التنظيمات والتشريعات المنظمة لقطاعات الأعمال الثقافية والإعلامية والإبداعية، تحديات عابرة للحدود، وخاصة بعد الثورة الرقمية، وتمدد كبريات شركات الإنترنت والمنتجات الرقمية، التي تستخدم أو تتاجر أو تنتج أحياناً مثل هذه الأعمال. وبينما تعتمد معظم الدول قوانين السوق والعرض والطلب في جميع القطاعات، تتمايز قوانين بعض الدول لجهة منح الأعمال الثقافية والإعلامية الإبداعية، بما فيها محتويات الإنترنت، إجراءات تشجيع وحماية ضمن ما يعرف بالوضعية الخاصة للثقافة وأوعيتها، وهو ما يعرف في فرنسا بـ «الاستثناء الثقافي».
التجارة والثقافة
في وقت تستمر فيه شركات الإنترنت الأميركية بالتوسع العالمي، تخشى فرنسا، وقلة من الدول الأوروبية، من تداعيات هذا التوسع على سياساتها المعتمدة في دعم الأعمال الإبداعية الوطنية الثقافية والإعلامية، ولاسيما في مجال الإعلام المرئي والمسموع. وغالباً ما يعتبر «الاستثناء الثقافي» الوجه الدبلوماسي لمناصري الحفاظ على الخصوصية اللغوية والثقافية والتعدد الحضاري، في مواجهة الهيمنة المحتملة لأحادية ثقافية.
وكانت باريس هددت بعرقلة مفاوضات التجارة الحرة بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي رافعة حجة «الاستثناء الثقافي»، إن لم يتم الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الهوية والثقافة الفرنسية، أمام التدفق الثقافي الأميركي الكاسح، لاسيما لناحية المنتوجات السمعية البصرية ووسائل الإعلام الرقمية، وتمسكت ببقاء هذا القطاع خارج طاولة التفاوض.
ونالت باريس دعماً من بعض كبريات الشركات الإعلامية والإنتاجية، فانضمت عشر شركات عاملة في قطاع السينما والتلفزيون إلى التحرك الفرنسي، وقدمت التماساً للمفوضية الأوروبية وإلى المشرفين على التفاوض مع الولايات المتحدة، لاستثناء قطاع المرئيات والسمعيات من تلك المفاوضات. واعتبرت هذه الشركات أن عدم الاستثناء يمثل خطراً حقيقياً يهدد قدرة أوروبا على التحول إلى الاقتصاد الرقمي، وسوق الإنترنت الذي تسيطر عليه شركات أميركية.
وجاء سحب الموضوع من التفاوض حتى الآن، رغم موقف دول أوروبية داع لإبداء المرونة اللازمة في التفاوض مع أميركا، والتي ترى أن الاتفاق سيمكن من إحداث أكبر منطقة للتجارة الحرة في العالم تضم أكثر من 800 مليون شخص، وتعتبر واعدة لخلق وظائف جديدة في أوروبا.
وفي تحصين لموقفها، تسعى فرنسا إلى التقريب بين الرؤى الأوروبية، حيث ينعقد في العاصمة باريس، يومي 4 و5 أبريل المقبل، ملتقى يضم الوزراء والمسؤولين المعنيين وممثلي الاتحادات المهنية والشركات المعنية بالإنتاج الثقافي والإعلامي، إلى جانب مسؤولين فيدراليين أوروبيين وعدد من عمالقة الشركات الرقمية الأميركية.
ويأتي هذا الملتقى، وهو الأول من نوعه، بدعوة من وزيرة الثقافة والاتصال الفرنسية، أوريللي فيليباتي، قبل أسابيع من الانتخابات الأوروبية المتوقعة نهاية مايو. ومن المتوقع أن يتخلله اجتماع لوزراء الثقافة ووزراء الشؤون الخارجية في دول الاتحاد الأوروبي، يخصص لبحث قضية السياسات الثقافية في هذه الدول، على أن تتقدم قضيتا الاستثناء الثقافي والتحول الرقمي برنامج أعمال الاجتماع. كما تتخلل الملتقى جلسات نقاش بين مسؤولين كبار بينهم رئيس البرلمان الأوروبي، مارتين شولز ورجال فكر وثقافة ومبدعون وجامعيون.
سوق الإبداع والإعلام
دحضاً لمقولات المعارضين الأوروبيين الذين يتهمون «الاستثناء الثقافي» بعدم الجدوى الاقتصادية والهدر المالي، أشارت إحصاءات حديثة إلى أن اقتصاد الثقافة في فرنسا يمثل 57 ملياراً و800 مليون يورو أي ما نسبته 3,2 الاقتصاد الوطني الفرنسي، وهو يشغل 670 ألف وظيفة. وفي المملكة المتحدة تبلغ القيمة الاقتصادية والمالية لـ «المصانع الإبداعية» 71 مليارا و400 مليون جنيه إسترليني (نحو 86,3 مليار يورو) و1,7 مليون وظيفة.
وفي ألمانيا تعتبر الثقافة ثاني أكبر قطاع بعد السيارات، ما يشكل دافعاً قوياً للسياسيين قبل أن يفكروا في التفريط بهذه القطاعات، أو يسمحوا بتهديدها بجعل السوق الأوروبية مفتوحة أمام الشركات الأميركية العملاقة.
ويشار إلى أن قوى اليمين واليسار الفرنسيين تجمع على اعتبار الاستثناء الثقافي من الثوابت الوطنية، التي يجب التمسك بها. كما إن هناك من يعتبر هذه المعركة الثقافية في عصر الإنترنت حصاناً رابحاً لفرنسا في أوساط الاتحاد الأوروبي. وزاد من حماس المسؤولين الفرنسيين التأييد المتزايد من المشغلين والعاملين في سوق المنتجات المرئية والمسموعة وجوانبها المتعلقة بتطور التقنيات الرقمية.
وما يؤكد ذلك، أن مجموعات إعلامية وروابط تمثل العاملين في القطاعات المعنية تشاركت في تمويل ملتقى أبريل المقبل، والذي ذكر أن تكلفته تتراوح بين 400 و500 ألف يورو. والجهات الممولة هي مجموعة «فيفاندي» وشركة «أروانج»، إلى جانب كل من جمعية المؤلفين والمعدين الدراميين، وجمعية «سكام» لمؤلفي الوسائط المتعددة (الملتيميديا)، التي أنشأها المؤلفون للدفاع عن حقوقهم، وهي تضم المخرجين وصحفيي المقابلات والمعلقين والكتاب والمترجمين والصحفيين، وجمعية «ساكيم»، التي تضم المؤلفين والموسيقيين والناشرين الموسيقيين، والتي تهتم بحقوق الملكية الفكرية والمادية للعاملين في القطاع.
وكان كبار المسؤولين في قنوات تلفزيونية رئيسة طلبوا مؤخرا من الوزيرة الفرنسية فيليباتي استحداث تعديلات تنظيمية في قطاع الإعلام المرئي والمسموع، حتى تتمكّن من منافسة عمالقة الإنترنت الأميركيين، وهو وصول لم يتم تنظيمه بعد. وجاء ذلك في رسالة مشتركة وجهها رؤساء تلفزيونات «تي أف 1» و«أم 6» و«كانال+» لفيليباتي، التي دعتهم إلى عقد اجتماع قريب بهذا الشأن.


حشد الشركاء
تلقى وزيرة الثقافة والاتصال الفرنسية، أوريللي فيليباتي دعما قويا من الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند. ونقلت صحف فرنسية عن فيليباتي قولها إن «هدف تجمعنا غير المسبوق هو حشد شركائنا لتحقيق تقدم في هذه الملفات بوتيرة أسرع». وأوضحت أن فرنسا تأمل من هذه الاجتماعات تعزيز الوعي الأوروبي بأهمية الثقافة والثقل الذي تمثله في الاقتصادات الوطنية لدول الاتحاد، إلى جانب تأكيد أهمية «الاستثناء الثقافي»، الذي أخذ يظهر أكثر فأكثر لدى جيرانها الأوروبيين، إنما ببطء.

اقرأ أيضا