صحيفة الاتحاد

تقارير

بلجيكا وقانون منع إيواء المهاجرين

يحدث هذا كل يوم في قلب العاصمة البلجيكية بروكسل حيث تُبذل جهود جبارة من طرف المواطنين البلجيكيين لمساعدة المهاجرين. وتبدأ قصة كل يوم برقصة معقدة في إحدى الحدائق الكبرى. وعندما يقترب المساء، يظهر المتطوعون في «حديقة مكسيميليان» القريبة من مركز المدينة، التي أصبحت ملتقى مزدحماً باللاجئين الأجانب. ويبدأ المتطوعون عملهم بتقديم أقداح ساخنة من الشاي المغربي المُطيَّب بالنعناع، لأنهم يعلمون أن الكثير من المهاجرين جاؤوا من تخوم الصحراء الأفريقية الكبرى، وهم يتحادثون فيما بينهم بمزيج من اللغات العربية والسواحلية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية. ويتناوب المتطوعون بعد ذلك على تقديم الأغطية والمواد الغذائية لهم.
وبهذه الطريقة، يقدم المواطنون البلجيكيون المساعدة لأكثر من 500 مهاجر حتى يتمكنوا من إيجاد المأوى المناسب كل ليلة، ومعظم هؤلاء المتطوعين يمثلون الخط المعارض لسياسة حكومتهم المضادة للهجرة.
ويبدو الآن أن السلطات البلجيكية تسعى لمراقبة هذا العمل التطوعي ووضع من يقومون به تحت المسؤولية القضائية لو خالفوا القوانين والإجراءات المعمول بها في هذا الشأن. وحتى أواسط العام الماضي، كانت دوريات الشرطة البلجيكية تداهم حدائق بروكسل بين الحين والآخر عندما كان المتطوعون يعرضون على المهاجرين إيواءهم في بيوتهم، وبما تسبب بحدوث مواجهات بين الطرفين.
والآن، تقدم «ثيو فرانكين» وزير اللجوء والهجرة في الحكومة البلجيكية، بمشروع قانون يسمح للشرطة وبأمر من القضاة بدهم البيوت الخاصة لاعتقال وترحيل المهاجرين المختبئين فيها، والذين سبق للسلطات أن رفضت طلباتهم للجوء. ويُعد هذا الاقتراح شبيهاً بذلك الذي تتبناه فرنسا لمعاقبة مواطنيها الذين يساعدون المهاجرين على الاختباء. ويحدث كل هذا بالرغم من أن السلطات البلجيكية أعلنت أنها لا تستهدف بهذه الإجراءات أولئك الذين يقدمون المساعدات للمهاجرين.
وقال رئيس الوزراء البلجيكي تشارلز ميشيل في مجلس النواب مؤخراً: «إن الأمر يتعلق بالنظام العام والأمن. وفي العديد من الحالات نجد أن بعض المهاجرين الذين لا يرغبون في الحصول على حق اللجوء السياسي يتم إيواؤهم من قبل المواطنين. وفي حالات أخرى، يتعلق الأمر بمهاجرين تم رفض طلباتهم للجوء».
ومنذ وقت طويل والمتطوعون البلجيكيون لا يتوقفون عن مهمة تقديم المساعدات للمهاجرين. وقال «مهدي كاسو» وعمره 34 عاماً، والذي تخلى عن عمله في التسويق حتى يتفرغ لمساعدة المهاجرين: «نحن نسعى لخلق نموذج يُحتذى به من خلال إقامة مركز إنساني يمكنه أن يساعد المهاجرين». وبينت إحصائيات أن جماعة المتطوعين حققت 55 ألف ليلة استضافة للمهاجرين منذ الصيف الماضي. وفاق عدد المشاركين في صفحة الجماعة على موقع «فيسبوك» 36 ألفاً.
وأقام منسقو مجموعات المساعدة شراكات تعاون مع منظمات محلية وعالمية لتقديم الرعاية الطبية والنفسية للمهاجرين، بالإضافة لمساعدتهم على فهم القوانين النافذة وتقديم الخدمات المختلفة لهم على مدار اليوم. ويقول المنظمون إن جهودهم وفرت على المهاجرين صعوبات النوم في العراء. ولو تم تبني هذا النظام في البلدان الأخرى التي تؤوي المهاجرين، لأدى ذلك إلى اختفاء الخيام ذات المنظر البشع التي تقام في ضواحي المدن.
ويأمل معظم المهاجرين الذين يتلقون المساعدات في بلجيكا مواصلة رحلة الهجرة إلى بريطانيا، لأنهم يعتقدون أن ذلك يحقق لهم فرصة الحصول على عمل بأجور جيدة. ولهذا السبب، فإن القليلين منهم تقدموا بطلبات اللجوء السياسي في بلجيكا لأن التقدم بهذه الطلبات يقيّد حركتهم، ويمنعهم من السفر.
وقال مهاجر ليبي اسمه إبراهيم، عندما كان ينتظر في محطة مترو «حديقة ماكسيميليان» للعودة إلى المخيم، وقد رفض التصريح بلقبه خوفاً من ملاحقة الشرطة له: «أنوي الرحيل إلى المملكة المتحدة»، وأضاف أن له أقارب في بريطانيا وسبق له أن مرّ بإيطاليا وفرنسا في رحلته الشاقة نحو الشمال. وقال إنه يقضي أحياناً بضع ليالٍ في ضيافة عائلة بلجيكية واحدة، ولكنه يتنقل في معظم الأيام من عائلة مضيفة إلى أخرى. وأما الملاذ المؤقت له فهو المخيم. وقال إنه كان سيقضي معظم الليالي منذ وصوله إلى بلجيكا في شهر أكتوبر في الشوارع لولا المساعدات التي تلقاها من المتطوعين.
وقال مهاجر ليبي آخر يدعى يوسف عندما كان يتحدث عن الظروف القاسية التي مر بها: «البلجيكيون قوم طيبون». وأشار إلى أنه قرر الرحيل عن وطنه بسبب العنف الذي شهدته ليبيا منذ عام 2011 عندما بدأ «الربيع العربي». وتحدث لنا اثنان من المتطوعين عن مدى سهولة أن يشارك المرء في حملة مساعدة المهاجرين، وقالوا إن معظم عملهم يتم عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي والهاتف الخليوي، وخاصة على موقع «فيسبوك».
وقال سامويل بايليت وعمره 28 عاماً، والذي يعمل في قسم المساعدات الإنسانية التابع للبرلمان الأوروبي: «إن مهمتنا سهلة وعمليّة». وهو يمارس هذا العمل الإنساني برفقة زوجته المهندسة، حيث خصصا غرفة نوم في شقتهما لإيواء المهاجرين بالتبادل منذ شهر نوفمبر الماضي. وقال بايليت: «بالمقارنة مع ما يقدمه بقية المتطوعين، نحن لا نقدم إلا القليل، ولكننا نشعر بالسعادة بسبب ما نقوم به».

*محللان سياسيان أميركيان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»av