الاتحاد

دنيا

تعليم الطفل المبادئ والقيم·· جهود تستحق العناء


إعداد- مريم أحمد:
لاشك في أن شغل الآباء والأمهات الشاغل هو تعليم الطفل المبادئ والقيم الأساسية في الحياة، كأن يتصرف بتهذيب، وأن يكون صادقا ولبقا في التعامل مع الآخرين· لكن ذلك قد يكون محبطا، ومخيبا لآمال العديد من الآباء والأمهات، لأن من الصعب تعويد الطفل على هذه الأمور بسهولة، فتراه يأخذ غرضا من غرفتك ويُقسم على خلاف ذلك، أو يضايق أحد الأصدقاء، أو ربما يقوم برمي الكتب حين يكون غاضبا· وفي الواقع، تشير نتائج إحدى الدراسات التي أجريت حديثا إلى أن حوالي 34 في المائة من الآباء والأمهات قد نجحوا فعلا في تعليم أطفالهم الانضباط، وكيفية التحكم في الذات·
وعلى هذا علقت ميشيل بوربا، ناصحة أسرية، بقولها: 'لا داعي للقلق بهذا الشأن، وذلك لأن الجانب الأخلاقي لدى الطفل يعتبر من العمليات التي تنمو وتتطور باستمرار· ومن الطبيعي أن يخطئ الطفل بين حين وآخر، فجميعنا يفعل، المهم في الأمر أن للأهل تأثيرا قويا وهائلا على أبنائهم'· ومن أجل تعليم الطفل القيم والجوانب الأخلاقية الصحيحة، وضمان النجاح في هذا الأمر، فإن من الضروري في البداية تحديد الصفات والقيم التي يحتاج الطفل فيها إلى إرشاد إضافي، ومن ثم إتباع الإرشادات والخطوات الهامة التي من شأنها أن ترسخ تلك القيم والمبادئ في ذهن الطفل، فلا ينساها أبدا:
التعاطف مع الآخرين:
قد لا يتمكن الطفل دائما من فهم مشاعر ومعاناة الآخرين، فقد يرى أحد الضيوف جالسا لوحده في حفلة ما لكنه لن يخمن أبدا أن هذا الشخص وحيد، وتم تجاهله· كما أن الطفل لا يفهم لغة الوجه، والتعبيرات التي قد تبدو عليه، وقد لا يميز نبرة الصوت الحزينة وما إلى ذلك·
ولمساعدته في التمييز بين كل هذه الأمور، يُنصح الوالدان بتعليمه كيفية تمييز مشاعره الخاصة ومراعاتها، وبالتالي مراعاة مشاعر الآخرين حوله· ومن المهم أيضا أن نعلمه كيفية فهم التلميحات اللغوية·· لكن كيف يتم ذلك عمليا؟
بالنسبة للأطفال ممن هم دون سن السادسة، فإنه يُنصح بنسخ الكلمات التي تعبر عن المشاعر والأحاسيس، أو لصق صور الوجوه المعبرة عن شخص حزين، أو سعيد، أو غاضب· ويمكننا أن نطلب من الطفل أن يتخيل ويتوقع نتيجة أي تصرف إيجابي، كأن نطلب منه التعبير عنها بطريقة غير مباشرة: 'كيف، برأيك، ستتصرف جدتك إذا وجدت هدية منك بانتظارها على سريرها؟'·
التحكم بالذات:
يشكو العديد من الآباء والأمهات من طباع أطفالهم ممن يغضبون بسرعة، أو يجدون صعوبة في التخلص من نوبات الغضب، أو ممن هم من عديمي الصبر الذين يقاطعون الكبار ولا ينتظرون دورهم في الكلام· ويذكر أنه يجب أن يتحلى الأهل بالصبر، ومراعاة أن من الصعب على الجميع التحكم بالذات، كما ينصح الأهل بتعليم الطفل كيف يميز مشاعر الغضب التي تعتريه، وعليهم كذلك تشجيعه على ما يعرف باسم ' التحدث مع الذات ' لتجنب الانفجار· وعلى سبيل المثال، نقول له: 'عندما تشعر بأنك غاضب، ذكّر نفسك بأن عليك التنفس بعمق ثلاث مرات حتى تهدأ'·
ومن الطرق العملية المفيدة، أن نطلب من الطفل إعداد لائحة بالأمور التي يجب عليه القيام بها ليتمكن من السيطرة على مشاعره، كترك الغرفة، أو العدّ حتى عشرة· كما يمكن للأهل البحث عن أمثلة حية لأشخاص يفقدون السيطرة على أنفسهم، وذلك من خلال شخصيات التلفزيون، أو شخصيات يحتك بها الطفل ويعرفها جيدا، ومن ثم مناقشته في تأثير مثل هذه الصفة السيئة على الآخرين من حوله·
الضمير الحي:
قد لا يتخيل الطفل الأذى النفسي الذي قد يسببه سلوكه السيئ على الآخرين، فتجده يلجأ إلى الغش أحيانا للفوز بلعبة ما· ليس هذا فحسب، بل يجد صعوبة في الاعتراف بخطئه، أو في تقبل الملامة الموجهة إليه·
ولمساعدة الطفل على التخلص من هذا الطبع، يتوجب على الأهل تذكير الطفل بالتأثير السلبي لسلوكه وتصرفاته على الآخرين من حوله· وعلى سبيل المثال، لو قام ابنك بكسر مسجل صديقه ولم يعترف، هنا يمكننا أن نبين له الآتي: 'لأنك لم تعترف بفعلتك، فإن والدة صديقك ظنت أن ابنها هو من كسر المسجلة، وعاقبته على ذنب لم يقترفه·· أنظر إلى ما فعلت'· كما أن من المهم أن نوضح له أن الأمر يحتاج إلى إصلاح، وتعويض- مما يعني أن نقول له، بناءً على الموقف السابق: 'لا يمكنك إرجاع الزمن، لكن ما يمكنك فعله هو مساعدة صديقك'· وإذا ما تصرف الطفل في الموقف السابق، وأصلح خطئه، فإن من المهم والضروري جدا الثناء عليه عندما يعترف بخطئه، أو يعتذر عن أي تصرف خاطئ·
أضِف إلى ذلك، يمكننا أن نلعب معه لعبة تبديل الأدوار، وذلك يقتضي أن يتخيل الطفل نفسه في محل الضحية: 'تخيل أنك سائق باص، ويتوجب عليك تنظيف الباص بعد توصيل كل الطلاب، فما سيكون شعورك لو وجدت الباص قذرا، ومليئا بالعلكة الملقاة والملصقة في كل زواياه؟'· ومن المفيد أيضا مناقشة التصرفات والقيم الأخلاقية التي قد تذكر كلما قرأت كتابا، أو شاهدت برنامجا تلفزيونيا مع طفلك·
الاحترام:
كثيرون هم الأطفال الذين يجيبون على ذويهم بفظاظة وقلة احترام، أو يضايقون أصدقائهم، أو يتدخلون في الحديث ويتكلمون بدون أن يطلب منهم ذلك· ولأن تلك صفات مزعجة في الطفل، فإن من المهم جدا الإسراع في تعليم الطفل مبادئ احترام الآخرين·
ومن الأمور الهامة أيضا تعليم الطفل احترام الضيوف، ومبادئ الضيافة والكرم، ويجب أيضا تعليمه كيفية استقبالهم، والرد على الهاتف· ويفضل التركيز على سلوك خاطئ معين يرتكبه الطفل، وتذكيره باستمرار بالتصرف بشكل لائق· ولا ننسى ضرورة تعليمه الرفض، وعدم الاتفاق في الرأي بأدب وتهذيب·
التسامح:
والمقصود منه في هذا المقام، تقبل الآخرين من الشعوب الأخرى، وعدم السخرية من أصولهم، أو أعراقهم· وهذا بحد ذاته مبدأ إسلامي دعا إليه نبينا الكريم عليه أفضل الصلوات والسلام· وجميعنا على دراية بالتأثير الذي قد يُحْدِثه أصدقاء الطفل، وقد يكون هذا التأثير سلبيا أو إيجابيا· ومن هذا المنطلق، قد تجد أن الطفل يبدأ بالسخرية ممن يختلفون عنه، أو يتلفظ بتعليقات عنصرية جارحة لزملائه··
هنا يجب على الأهل توضيح أن مثل تلك التعليقات مرفوضة، وغير لائقة، ومؤذية لمشاعر الآخرين· ولكي نضمن عدم وقوع الطفل في شرك التمييز بدون قصد، يجب أن نوفر له الفرص التي تساعده على مقابلة أطفال وأشخاص من ثقافات، وأعمار، وديانات مختلفة· كما أن من المهم أن نجيب على أسئلته عن هذا الموضوع بكل صدق وأمانة، وببساطة شديدة تناسب عمر الطفل، ونورد مثالا على ذلك: 'محمد لا يتكلم العربية جيدا مثلنا لأنها ليست لغته الأم، ولكنه يتعلمها'·
العدل وعدم التحيز:
يميل الأطفال عادة إلى لوم الآخرين، وعدم تقبل المشاركة والتسويات السلمية، وقد يقوم بتغيير وتعديل القوانين الموضوعة بما يخدم مصالحه المتعلقة بالفوز في الألعاب· ولأن الأهل هم بمثابة القدوة الأساسية للصغار، فإن من الضروري جدا أن يطبقوا مبدأ العدل في البيت، وبدون تحيّز إلى طرف معين، كما يجب وضع قانون يقضي بحل مشاكل العائلة بالحوار والاستماع إلى كل الأطراف المتنازعة بلا استثناء، ولاشك في أن المشاركة ضرورية بين أفراد العائلة الواحدة·
ولإفهام الطفل معنى العدل وعدم التحيز، فإنه لابد من سؤاله عن حادثة أو موقف شعر فيه بالظلم، ومن ثم سؤاله عن شعوره آنذاك· وهذا من شأنه أن يساعده على إدراك سوء نتائج الظلم، وبالتالي يبتعد قدر الإمكان عن مثل هذه الصفة·

اقرأ أيضا