الاتحاد

تقارير

اقتصاد الصين.. وتوقع المستحيل في 2017

في شهر ديسمبر من كل عام، يلتقي قادة الصين لوضع أجندتهم الاقتصادية للعام المقبل. وفي هذا الشهر ينصت مراقبو الصين لكل كلمة يتفوه بها هؤلاء القادة، كما كان مراقبو الكرملين أثناء الحرب الباردة. ويذكرنا ذلك بأن هذه التصريحات في مثل هذه اللقاءات قلّما يمكن التنبؤ بها، وبأن أفضل مصدر للتكهن بالاقتصاد الصيني ليس له علاقة عادة بهذا الاجتماع.
وفيما يلي بعض النقاط التي ينبغي أخذها في الحسبان العام المقبل، وأولها: مراقبة البيانات وليست قرارات نهاية العام.
خلال العام الماضي، كان قادة الصين يتحدثون عن خطط لخفض الإقراض وإصلاح كفة العرض والطلب. والعام الجاري يتحدثون عن مزيد من الخطط للقيام بالشيء ذاته. وفي هذه الأثناء، ارتفع إجمالي الإقراض من 246? من إجمالي الناتج المحلي إلى زهاء 265?، بحسب الخبير الاقتصادي لدى «بلومبيرج» «توم أورليك».
ورغم أن كبح جماح الإقراض محوري لمعالجة كثير من المشكلات الاقتصادية في الصين، إلا أن الحكومة لا تزال تستهدف 6.5? نمواً خلال العام المقبل، وسيعتمد قدر كبير من هذا النمو على مزيد من الديون. لذا، لابد من عدم الاكتراث كثيراً بالتصريحات، والتركيز أكثر على البيانات، خصوصاً المؤشرات، مثل نمو الإقراض، وأسعار العقارات.
ثانياً: اقتفاء أثر «مجلس الاحتياطي الاتحادي» (البنك المركزي الأميركي)، إذ لا تزال الصين، شاءت أم أبت، مرتبطة بالاقتصاد الأميركي، ولسوء الحظ ليس كل شيء جيد بالنسبة لواشنطن هو في الوقت ذاته جيد بالنسبة لبكين. وفي ظل إحكام سوق العمل في الولايات المتحدة، ووعد الرئيس المنتخب دونالد ترامب بتحفيز اقتصادي قدره تريليون دولار، يبدو مؤكداً أن المركزي الأميركي سيرفع أسعار الفائدة في 2017.
وقد يكون لذلك بعض التأثيرات الإيجابية على الاقتصاد الفعلي في الصين، لكنه سيضع بعض الضغوط على «بنك الصين الشعبي» (المركزي الصيني) لزيادة أسعار الفائدة أيضاً، ومن ثم يكسر الارتباط الهش لليوان بالدولار الأميركي. وبالمقابل، سيزيد ارتفاع أسعار الفائدة تكاليف الإقراض أمام الشركات الصينية المثقلة بالديون بالفعل، وقد ينتهي مآل كثير من هذه الشركات بالإفلاس. ويعني ذلك أن مدى سرعة نمو الاقتصاد الأميركي، وعدد مرات رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، سيكون لهما تأثير كبير على الاقتصاد الصيني خلال العام الجديد.
ثالثاً: تنطوي الأوضاع السياسية على أهمية كبيرة، وبالنسبة لدولة تقدر الاستقرار بشدة، تواجه الصين قدراً كبيراً من الاضطرابات السياسية المتوقعة خلال العام الجديد. وثمة تساؤل مهم حول ما إذا كان رئيس الوزراء «لي كيجيانج» سيبقى في منصبه لفترة ثانية مدتها خمسة أعوام، بعد المؤتمر العام التاسع عشر، والذي من المتوقع أن يتقاعد خلاله معظم أعضاء اللجنة الدائمة للمكتب السياسي. ولطالما كان من المتوقع أن «لي»، الذي يلعب دوراً محورياً في صنع السياسات الاقتصادية، سيظل مرتبطاً بالرئيس «شي جينبينج» حتى عام 2022.
بيد أن بكين تعج في الوقت الراهن بالحديث عن استبدال «لي». وسيعني ذلك القضاء على إصلاحات السوق الحرة التي دافع عنها «لي»، مثل إصلاح الشركات المملوكة للدولة، وسيشي ذلك بأن «نهج المركزية» الذي يحابيه «شي» سيسود. وسيدلل ذهاب أو بقاء «لي» على أمور كثيرة بشأن مستقبل الاقتصاد الصيني.
رابعاً: قد يكون العلاج أسوأ من المرض، فرفع أسعار الأصول في الصين ساعد على صعود كل شيء، من شركات الفحم والحديد إلى معنويات المستهلكين. لكن في ظل احتمالات تزايد الفقاعات في كل القطاعات، يبدو أن الحكومة تمهد للإصلاح. ويعني ذلك رفع أسعار الفائدة، وتطبيق قيود جديدة على التجارة، أو تقييد قوانين أخرى.
غير أنه لابد من تذكر أن هذه التدابير، رغم أهميتها، تنطوي على مخاطر حقيقية. فعلى سبيل المثال، في حين أن الصين تواجه أغلى أسعار إسكان مقارنة بالدخل، فإن خفض الإقراض قد يسفر عن انهيار في أسعار العقارات، ومن ثم احتمال سقوط شركات التطوير المدينة، وسيحدث ذلك بالتأكيد اضطرابات في أسواق السندات واليوان.
وأخيراً: توقع ما لا يمكن توقعه: فالصين لطالما منيت بضعف جودة البيانات، لدرجة أن القيادات العليا ذاتها تعرب دوماً عن إحباطها بسبب عدم دقة المعلومات من الأقاليم. وتجعل البيانات غير الموثوقة من المستحيل تقريباً تقييم المخاطر بدقة، وهو ما يثير احتمالية وقوع صدمة داخلية. ومن الممكن أن تنتج عن سوق منتجات إدارة الثروات، التي تقدر بزهاء 4 تريليونات دولار. وقد تنتج الصدمة المرتبطة بارتفاع معدلات البطالة عن زعزعة الاستقرار الاجتماعي، أو عن شيء غير متوقع تماماً، وهو حدوث اضطراب في سوق السندات، نتيجة مخاوف بشأن السيولة وزيادة معدلات العجز عن سداد الديون. وفي مثل هذه الحالات من الممكن أن يتجسد الرعب في طرق شتى.
وفي ظل هذه الظروف، سيكون أكبر خطأ هو الاعتماد على افتراضات سابقة للتكهن بالمستقبل!

*أستاذ مساعد للاقتصاد لدى كلية «أتش أس بي سي» في شينزين
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا