الاتحاد

دنيا

نعمات العبابسة·· أول كاتبة استدعاءات في الأردن


عمان - توفيق عابد:
لم تستسلم لتغير الحال وقسوة الظروف ولم تعش على أمجاد الماضي تندب حظها العاثر، بل شمرت عن ذراعيها لتعيل أسرة من خمسة أفراد غاب عائلها الثري وتفرق عنها القريب والصديق جراء توقف عطاياها وهباتها، 'الناس مع الواقف' وعندما يسقط تكثر سكاكينه·
كانت كالمغناطيس تجذب الجيران والأهل، ومعارف الأسرة يتحلقون حولها ويعودون إليها في كل صغيرة وكبيرة، لكن هذا العقد انفرط واللمة اختفت وأصبحت كما يقولون 'في خبر كان' والسبب خرق واسع في الجيب جراء تطورات سياسية معروفة·
هذا باختصار شديد ما حصل مع السيدة نعمات سليمان العبابسة التي كانت تعيش حياة رغيدة في الكويت، واضطرت بعد أن عانت من شظف العيش أن تعمل كاتبة استدعاءات أمام مجمع الدوائر الحكومية في الزرقاء حوالي 24كلم شرق عمان، لتسجل بذلك سبقا على بنات جنسها وتكون أول أردنية تطرق هذا المجال الذي كان طيلة سنوات انقضت مقصورا على الرجال·
قالت لـ'الاتحاد' قبل توثيق المقابلة: كنت أغير سيارتي كل شهر وأحيانا كل أسبوع والآن تراني في شقة متواضعة جدا في حي الغويرية بالزرقاء، أعيش حياة الكفاف وأصون أسرتي من التشرد، ولو على الحدود الدنيا من احتياجاتها المعاشية·
مشوار السيدة نعمات العبابسة جدير بالتسجيل والتقدير، فإرادتها وقدرتها على التحدي ونزع الأشواك من الطريق كامرأة هبطت من برجها العاجي وحياتها المخملية، ربما بسرعة البرق، فاقت أي امتحان وتصور ورغبة في تغيير الوضع الصعب، ووقف التدهور الذي يهدد أطفالها بالانضمام إلى أطفال الشوارع أو أصحاب السوابق·
فلم تقف على باب تتمنى هبة أو معونة؛ ولم تستجد أحدا ليرأف بحالها أو يشملها ضمن قوائمه الشهرية رحمة بأولادها، بل تمردت على ما يسمى ' ثقافةالعيب' ونزلت إلى العمل تقبض ما تيسر لتتجلب القوت لأسرتها وتقف على رجليها من جديد دون أن تنحني أمام محنتها·
البداية·· عاملة نظافة
؟ لماذا اخترت كتابة الاستدعاءات على غيرها من المهن؟
؟؟ ظروفي كانت في غاية الصعوبة والتعقيد؛ نظرت حولي فلم أجد أحدا، حتى أقرب الناس لي تفرقوا ولم أجد من أميل إليه أمام محنتي أو في لحظة ضيق بعد العودة من الكويت، فاشتغلت عاملة نظافة في دائرة الأراضي بالزرقاء لمدة ثلاث سنوات، وتقاضيت راتبا بسيطا لا يكفي أسرتي خبزا· أشار علي أحد الموظفين لأعمل كاتبة استدعاءات لمراجعي الدائرة وهم كثر·· وهنا لمعت الفكرة في رأسي وقلت 'اجت الفكرة وراحت الحيرة'·
وفي اليوم التالي راجعت محافظ الزرقاء السيد عبدالله السرحاني وطلبت منه موافقة خطية للبدء بممارسة العمل، لكنه رد عليّ بالقول: 'عمري ما أعطيت امرأة' لكن لا يوجد مانع، فأنت الأردنية الأولى التي تطلب تصريحا لممارسة العمل ككاتبة استدعاءات·
وقد وجدت كل مساندة ودعم من قبل جميع مدراء الدوائر في مدينة الزرقاء وأخص بالذكر الصحة والأمن وغرفة الصناعة والتجارة وغيرهم·· وبدأت العمل، وهو أفضل من عاملة نظافة في الكافتيريا وأفضل دخلا·
أناطح الرجال
؟ البداية تكون صعبة، فكيف وجدت هذا العمل الذي قادته إليك الصدفة؟
؟؟ بصراحة البداية كانت صعبة، فالرجال يستغربون جلوسي تحت مظلة بسيطة وأمامي طاولة عليها مجموعة أوراق، فأنا أناطح الرجال في موقع اقتصر عليهم فقط ولا غير؛ بعضهم وجه انتقادات ليّ وقال: 'هذا غير مناسب لك'، وكنت أرد عليهم من موقف قوي وأقول: 'العمل ليس عيبا بل هو شريف والعيب أن أمد يدي للآخرين أستجديهم وأتذلل لهم ليجودوا بما يخرج من نفوسهم'·
بعضهم قال ليّ: مكانك البيت وليس هنا، لأجيب: ومن يصرف على أولادي الخمسة، خاصة أن أربعة منهم يحملون الجنسية المصرية وأنا مضطرة للعمل للإنفاق عليهم وحمايتهم من الانضمام إلى أطفال الشوارع ·
ورغم أن الرجال لم يتقبلوا الفكرة منذ البداية، إلا أن التعامل معهم أفضل من النساء، ومعظم زبائني المراجعين لدائرة الأراضي هم من الرجال· ومع الوقت وحسن المعاملة، تفهموا وضعي ولم يعودوا يكررون: 'انت ست لازم تقعدي في البيت'·
هذا التفهم تعكره منغصات في أوقات، فاليوم وقبل أن تحضر بقليل جاءني رجل ووقف أمامي وقال بصوت عال: 'ليش بتنافسوا الرجال في أعمالهم'، فقلت له: 'هذه أرزاق وكل واحد ياخذ نصيبه'، ولم يعد هناك أعمال خاصة بالرجل وأخرى محصورة بالمرأة 'نحن معا في كل ميدان ومجال والحياة بمجملها مشتركة لا انفصام بها·
أما النساء اللاتي يراجعن فمعاملاتهن تقتصر على طلب مساعدات من التنمية الاجتماعية أو العلاج المجاني، وهن من العائلات الفقيرة التي تعاني من صعوبة في الحياة ولا تستطيع العلاج في القطاع الخاص·
عملي مع النساء على وجه الخصوص لا يقتصر على مساعدتهن على كتابة الاستمارة المطلوبة بشكل دقيق، بل استمع إلى مشاكلهن بطريقة أفضل وأوجههن إلى الطريق الصحيح·
مستورة ·· والحمد لله
؟ بصراحة·· هل يدر عليك هذا العمل دخلا مناسبا أم أن الحال لم يتغير؟
؟؟ وتجيب السيدة نعمات العبابسة: الحمد لله مستورة، فنحن نتقاضى بين 30-50 قرشا أردنيا، أي ما يوازي درهم ونصف ودرهمين ونصف إماراتي على أي استدعاء يتعلق بالعمل أو الأراضي·
أما الصحة، فنتقاضى بين عشرة قروش وخمسة عشر قرشا أردنيا فقط عن الاستدعاء الواحد في حين لا نتقاضى أية أجور على طلبات التنمية المتعلقة بالفقر والمساعدات؛ وفي المتوسط لا يتجاوز الدخل الشهري 150 دينارا أردنيا·
بنت عز
؟ ترى كيف ينظر إليك الناس الذين كانوا يعرفونك من قبل؟
؟؟ بصراحة ووضوح، الناس ينظرون لي بعين الشفقة والرحمة لأنني كنت 'بنت عز' في الكويت ولدي خدم، وأسبوعيا أبدل سيارة؛ هوايتي السيارات والذهب، 'عيشة الكويت كانت حلوة' وبعض الناس كانوا يحسدونني على 'عزي وغناي'·
وفي حرب الخليج، وأعني احتلال العراق للكويت، خسرت وزوجي جميع أموالنا البالغة حوالي 186الف دينار كويتي، وكنت أسكن في فيلا قرب قصر دوسمان·
سواقة أجرة
؟ علمت من مصادر خاصة أنك اشتغلت سواقة على سيارة أجرة بين الزرقاء ودمشق؟
؟؟ نعم المعلومات صحيحة 100% فقد عملت سائقة سفريات بين الزرقاء والشام لمدة شهر فقد أجريت سبع رحلات لكن لم أستمر لأنني لا أستطيع المبيت خارج البيت حفاظا على أسرتي والسيارة ليست ملكي فالمرابح تذهب الى مالك السيارة ·
لقد شجع زملائي السواقون كفاحي وجلدي وصبري ونضالي من أجل أسرتي ولكن كان علي صعبا الاستمرار ولو بامكاني امتلاك سيارة أو حافلة صغيرة لعملت على خط دمشق فورا او أي خط خارجي بما في ذلك بغداد ·
برنسيسة
؟ وبعد عودتك إلى الأردن، ماذا فعلت لتجاوز المحنة؟
؟؟ بدأت من جديد ولم أكن أنظر إلى الخلف 'ضميت أبنائي ليّ'، والذي ساعدني على ذلك أثناء وجودي في الكويت كنت أحب أن أتعلم وأتثقف، 'حب استطلاع'، وأزاحم الرجال في موقعهم، حيث كنت أعيش برنسيسة·
ومن أجل التخفيف من وطأة الظروف، أعمل حاليا في صالة الزرقاء للأفراح وصالة 'صب لبن'، مسؤولة عن قسم السيدات ومصورة فيديو أحيانا أخرى 'سبع صنايع والبخت ضايع' وذلك لأؤمن مستقبلا لأبنائي، لكنني أصطدم الآن بتوفير تصاريح عمل لأبنائي، لأن أربعة منهم يحملون الجنسية المصرية·
وقد قدمت إلى رئاسة الوزراء طلبات لحصول أبنائي على الجنسية الأردنية وفقا للقانون الذي تم إقراره مؤخرا، لأنني أخاف على أبنائي أن تلقي الشرطة القبض عليهم وتسفرهم إلى مصر·
وتضيف: تعبت من العمل فلا أستطيع التغيب عن عملي·· مريضة وأعمل واليوم الذي يمضي يذهب من عمري·
جريئة كرجل
؟ بلا إحراج·· ماذا استفدت من فترة عملك ككاتبة استدعاءات؟
؟؟ سؤال جميل لذا أقول: عرفت الصاحب من العدو والأخ من المستفيد ولا ينفع الإنسان في هذه الأيام سوى عبادته وقرشه وعمله؛ ولا أخاف من أي شيء سوى الله تعالى 'جريئة' وأشعر وكأنني رجل أتحدث مع الناس بحرية وطلاقة، وكل ما أفكر فيه هو عملي وعبادتي، 'شخصيتي أصبحت قوية جدا' بعد أن كنت في الماضي أصرف بالهبل دون أن أعرف قيمة القرش 'عشت مع زوجي أسعد أيام حياتي'·
؟ قلت إنك تعملين في صالة أفراح في منطقة شعبية تقريبا، فهل هناك بذخ؟
؟؟ نعم·· هناك بذخ حسب مستوى الناس والطبقة التي ينتمون إليها يتمثل في اللباس والذهب والأكل والمظاهر الأخرى وهذا كله على حساب العريس الذي يجد نفسه تحت وطأة الديون؛ كما اطلعت على الكثير من المشاكل والخلافات التي تقع في صالات الأفراح بعضها كان يؤدي إلى الطلاق واستبدال العروسة لأسباب واهية جدا ولدي الكثير من الأسرار لا يجوز الخوض فيها لأنها تخص آخرين·
أرفض التسول
؟ ترى ماذا تقولين لبنات جنسك اللاتي قد يجدن أنفسهن في مأزق مماثل في المستقبل؟
؟؟ أمشي في الشارع فأشاهد صبايا يتسولن·· لا أشجعن بل أطلب منهن العمل حتى في البيوت فهو أفضل من مد الأيدي إلى الناس؛ وأتمنى على كل امرأة أن تحافظ على بيتها وأسرتها ومساعدة الزوج على تحمل أعباء الحياة·
وأشجع أية سيدة تعاني من ظروف مشابهة أن تعمل وتدخل معترك الرجال وتزاحمهم في عملهم وتربي أبناءها بـ'قرش نظيف' ولا تمد يدها وتتسول سواء من الشوارع أو هيئات حكومية·
ومن يقول بأنه لا توجد فرص عمل، فهو كاذب فهناك الصوف وتنقية العدس، فقد كنت أعمل حلويات في البيت وأبيعها إلى عائلات قبل نزولي إلى معترك الحياة ··أحترم المرأة العاملة التي تصون شرفها وكرامتها في سبيل تربية أبنائها·
أنا أطبق شعارا من ثلاث كلمات هي الله وأولادي وعملي لأن عملي يحافظ على أولادي وحكمتي في الحياة ' أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وأعمل لآخرتك كأنك تموت غدا'·

اقرأ أيضا