أرشيف دنيا

الاتحاد

ساقية أبوشعرة قرية مصرية تغزو أميركا وأوروبا بالسجاد

عمال في إحدى ورش تصنيع السجاد

عمال في إحدى ورش تصنيع السجاد

انتقلت صناعة السجاد اليدوي من أقصى جنوب مصر إلى الدلتا وبالتحديد في قرية “ساقية أبوشعرة” في محافظة المنوفية فلا تخلو غرفة بهذه القرية من نول لصناعة السجاد اليدوي وكل الأسر تقريباً تعمل بهذه الصناعة منذ زمن بعيد. لكن سجاد “ساقية أبوشعرة” تجاوز القرية بل تجاوز حدود مصر كلها ويتم تصديره لينافس السجاد الإيراني الشهير في الأسواق العالمية.

عرفت مصر صناعة السجاد اليدوي منذ عهد الفراعنة وظلت مدينة أخميم بسوهاج في صعيد مصر هي المنطقة الأشهر في هذه الصناعة حتى وقت قريب. والمعروف أن اسم أخميم فرعوني شأنه شأن أسماء معظم القرى والمدن المصرية وأصله “خيمين” ومازالت الأنوال اليدوية القديمة موجودة في المتاحف حتى اليوم شاهدة على عراقة هذه الصناعة المصرية الأصيلة التي ذاع صيتها مؤخراً في قرية “ساقية أبو شعرة”.

النول الذهبي
في قرية “ساقية أبو شعرة” الكل يعمل في هذه الحرفة بشكل دائم أو في أوقات الفراغ كمصدر دخل إضافي للأسرة لذا باتت “ساقية أبو شعرة” في السنوات الأخيرة مركزاً مهماً لصناعة السجاد اليدوي وتنتج منه قرابة 7 آلاف متر سنوياً يتم تصدير معظمها إلى أسواق أوروبا وأميركا بما قيمته 300 مليون دولار سنوياً ما جعل القرية محط أنظار تجار ورجال أعمال كثر لاستثمار أموالهم في تلك الحرفة.
الحاج سمير الشورى (52 سنة) ارتبط بهذه المهنة قبل أربعه عقود حيث كان والده يغزل على نول خشبي سجادة رائعة من الحرير فأحب أن يطور الصنعة بما يناسب ذوق العصر وحصد نجاحاً كبيراً. وفضل الشورى العمل الحر وتفرغ فور حصوله على الثانوية العامة لمشروعه واشترى عدة أنوال وتولى تدريب عدد من أطفال وشباب القرية ثم توسع بتخصيص ورشة مستقلة إلى جوار منزله في مبنى أقرب إلى مصنع صغير لصناعة السجاد اليدوي من الحرير والصوف والكليم.

والشورى حالياً عضو المجلس المحلي ورئيس لجنة الصناعات الصغيرة بالقرية ويقول: أهل القرية يدينون لتلك الحرفة بالكثير فقد أغنتنا وكفتنا شر الفقر والحاجة ونحن نورثها لأبنائنا. ويضيف:”كنت في طفولتي أعود من المدرسة لأجلس على”النول الخشبي” لمساعدة والدي في العمل، أوصل الخيط بالخيط واللون باللون إلى أن تكتمل السجادة وتصبح لوحة فنية بديعة فنبيعها للتجار في القاهرة والإسكندرية ونشتري خامات جديدة ويتواصل العمل. ومن العوامل التي ساعدت على انتشار تلك المهنة بين أبناء “ساقية أبو شعرة” إنها مهنة عائلية لا تحتاج إلى عمالة غريبة أو إلى حيز واسع ففي أي ركن من أركان المنزل يمكن وضع نول أو أكثر والطفل يولد ويكبر وهو يرى والديه وأخوته يعملون بهدوء على النول بالساعات فيتعلم المهنة ويورثها لأولاده. ويشير إلى أن السجادة المتوسطة الحجم بمساحة “مترين في ثلاثة” قد تستغرق من خمسة إلى ستة أشهر للانتهاء منها وهناك سجادة قد تستغرق عاماً كاملاً وتتراوح تكلفة المتر الواحد بين 3000 إلى 4000 جنيه مصري ويقوم التاجر ببيعها بأضعاف ذلك في الأسواق والمعارض الدولية.

انعدام الفوارق
المتأمل لأحوال تلك القرية يلاحظ أن غالبية سكانها البالغ عددهم 24 ألف نسمة يعملون في تلك المهنة بلا فوارق طبقية فعلى النول الواحد تجد خريج جامعة إلى جوار من لم تطأ قدماه مدرسة ابتدائية يوماً ومع ذلك هناك لغة حب وتفاهم بينهم. ويقول محمد خليل (31 سنة) ليسانس آداب تاريخ إن تلك المهنة جذبت أهل القرية بمختلف ثقافاتهم ومؤهلاتهم و خريجي الجامعات الذين لم تتوافر لهم فرصة العمل الحكومي وأحبوا هذه المهنة ونافسوا غيرهم خاصة في اختيار الألوان والأذواق والتفاهم مع السياح الأجانب الذين يترددون إلى القرية لشراء السجاد وإدخال رسوم جديدة على نوعيات السجاد تلائم أذواق المستهلك الغربي الذي يحرص على طلب سجاد ساقية أبوشعرة بالاسم في المعارض الدولية كمعرض هانوفر بألمانيا وفلادلفيا بالولايات المتحدة ولعب عدد من رجال الأعمال المصريين دور الوسيط بين أهل القرية والأسواق والمعارض الدولية حيث يشترون منتجاتنا ويتولون تسويقها ويحققون أرباحاً طائلة.
ولا تقتصر حرفة السجاد اليدوي في ساقية أبو شعرة على الذكور بل تعمل الفتيات بها أيضاً من أعمار مختلفة ومنهن رانيا خليل (14 سنة) التي أوضحت أنها لا تزال تتلقى تعليمها بالصف الثاني الإعدادي وبدأت العمل أمام النول منذ 7سنوات في الإجازة المدرسية وبعد إتقانها العمل باتت تعمل أيضاً عقب عودتها من المدرسة 5 ساعات يومياً وتحصل على مقابل مادي 12 جنيهاً تعطيها لأمها.
ويقول علي عبدالله (29 سنة) إن النساج قبل أن يكون صنعة وحرفة فهو موهبة ومقدرة على تذوق الفن وتداخل الألوان وهناك لغة حب متبادلة بين النساج وخيوط الصوف أو الحرير. وهناك خطوات يحرص الصانع على الإلمام بها جيداً كي تخرج السجادة إلى النور وتبدأ بتثبيت الخيوط على النول وفقاً لمقاييس السجادة المطلوبة ثم اختيار التصميم المناسب سواء أكان رسوماً طبيعية أم هندسية أو حروفاً ًأو كلمات كآية قرآنية أو بيت شعر حسب رغبة الزبون أو التاجر ونبدأ تفريغ هذا الرسم إلى ألوان على ورق الرسم البياني لنسير عليه خلال عملية النسيج والتي قد تمتد بالنسبة للصانع الماهر من 4 - 6 شهور في المتوسط، لافتاً إلى أن مهنة السجاد تحتاج إلى صبر وهدوء وراحة بال.
ويقول: “إذا كان ذهن الصانع مشغولاً فإن الخيوط سوف تتوه بين يديه ويخطئ في وضع الخيط بمكانه الصحيح وعندما يكتشف ذلك يبدأ فك ما قام به وفى ذلك إهدار للوقت والجهد والدرس الذي نتعلمه في سنوات طفولتنا الأولى هو حب النول لكي يحبنا”. ويضيف: “بعد الانتهاء من مرحلة النسيج نبدأ مرحلة غسل وكي السجادة وتغليفها لكي تكون معدة للبيع.

مهنة مربحة
يقول عطية خميس، مدير التنمية الصناعية بمدينة اشمون التي تتبعها قرية “ساقية أبوشعرة” إدارياً، إن هذه المهنة مربحة للعاملين بها لدرجة أن من أبناء القرية من توسع بإقامة ورش لإنتاج كميات كبيرة من السجاد واستعان بعمالة أخرى إلى جانب أبنائه وأقاربه ويتم منح هؤلاء أجراً يصل إلى نحو 50 جنيهاً عن اليوم الواحد للعامل المحترف وهو ما جعل الكثير من الأطفال والشباب من ساقية “أبو شعرة” والقرى المجاورة يقبلون على المهنة”.

ويوضح أن الأطفال في عمر ست سنوات ممن يتم تعليمهم المهنة يحصلون على أجر يومي يبدأ بخمس جنيهات ويزيد كل فترة وفقاً لإتقانهم المسافة بين العقدة والأخرى ووضع الألوان في مكانها الصحيح، مشيراً إلى أن تمويل صناعة السجاد بالقرية وإمداد أهلها بالمال اللازم تتم من خلال عدة جهات منها مشروع الأسر المنتجة حيث تستفيد منه 1000 أسرة إلى جانب تمويل الصندوق الاجتماعي في حدود 5 آلاف جنيه للشاب لشراء نول أو اثنين ومن عائد البيع يتم سداد القروض والجهات الحكومية في مصر انتبهت منذ سنوات إلى الدور الحيوي الذي تقوم به القرية في صناعة النسيج اليدوي فتم تذليل الصعاب التي تواجه المهنة وفي مقدمتها تسويق المنتجات عن طريق توفير منافذ وتيسير المشاركة في المعارض الدولية وإقامة معارض محلية قرب المزارات السياحية بالأقصر وأسوان وسيناء والقاهرة.


سجادة مصرية في قصر الإليزيه

يقول سمير الشورى إن الرئيس حسني مبارك شاهد في إحدى زياراته للعاصمة الفرنسية باريس سجادة معلقة على حائط بقصر الإليزيه وعليها عبارة نسجت في “ساقية أبو شعرة “ بمحافظة المنوفية والزوار يلتفون حولها في إعجاب وانبهار فأسعده ذلك واتجه فور عودته إلى مصر لزيارة القرية وأمضى يوماً بين أبنائها وأثنى على إبداعاتهم ومن بينهم الشورى الذي يفتخر بصورة جمعته بالرئيس مبارك في ذلك اليوم.

اقرأ أيضا