أرشيف دنيا

الاتحاد

المظبي والمندي .. من موائد الأثرياء إلى المطاعم الشعبية

المندي جاهز للتقديم

المندي جاهز للتقديم

هما وجبتان عرفتا في جنوب شبه الجزيرة العربية منذ القدم، ولا يعرف أحد تاريخاً محدداً لظهورهما، لكن المؤكد أن جذورهما ضاربة في أعماق التاريخ وكانتا من رموز التكريم والترحيب بالشخصيات الكبرى، ولا يعرفهما سوى علية القوم والأشراف كما يؤكد الكثيرون، ثم انتشرتا بمرور الوقت بين العامة وسرعان ما أصبحتا من أهم الوجبات التي يحرص الناس على تناولها، ثم ظهرت لهما مطاعم متخصصة محتفظة بسر المهنة ولا تقدم سوى المندي والمظبي بطعم ما زال سره حكراً عليها، كما يقال إن المندي أكلة يمنية اختص بها أهالي حضرموت فقط، أما المظبي فهي”يمنيه حجازية”، منتشرة في المناطق البدوية، وهي وجبه من الأرز مع اللحم، أما المظبي فيطبخ الأرز وحده، واللحم كان يتم شويه على الحجر.


البداية كانت في المطاعم الشعبية القديمة. سالم عمر، مدير أحد المطاعم التي تضع المندي والمظبي على رأس قائمة الأطعمة لديها، يقول: يرجع أصلهما ربما إلى مئات السنين في جنوب اليمن، حيث البداية كانت في أحد المطاعم الشعبية القديمة، إلا أنهما لم يعودا حكراً عليها كما كان في الماضي، بل انتشرا في أنحاء اليمن، ومن ثم في كافة دول الخليج العربي بعد ذلك، حيث إن طريقة الطهي “بالتنور” تكسب اللحم طعماً مميزاً فضلاً عن كونه يصفي النسبة العظمى من الدهون، الأمر الذي يجعله صحياً بشكل كبير.
ويضيف سالم عمر: الفترة التي يستغرقها المظبي أو المندي في الإعداد داخل التنور وقبل أن يقدما للجمهور قد تتجاوز 3 ساعات حسب نوع اللحم المطلوب، كما أن الأسماك غير لحم البقر أو الغنم، ولكلٍ منها الوقت الذي يتناسب معه، وهو يعلق على أسياخ حديدية دائرية الشكل تسمى “المشخل” لكي تتناسب مع الشكل الأسطواني للتنور، ومن ثم يتم وضعها به بعد أن يكون الحطب قد أشعل بداخله مسبقاً، ثم يغطى التنور”وهو أسطوانة من الحديد على شكل حفرة يصل عمقها لقرابة المترين”، وتغطى بغطاء معدني محكم حتى تتم عملية “التطييب”.

أجود أنواع اللحم
ويؤكد أن اللحم الذي يجهز منه المظبي، وهو لحم الغنم، لا بد أن يكون “جزيري” من الجزيرة العربية، حتى يضمن أن الذبح حديث، وحيث هو الأفضل للمظبي، ومنه يحصلون على الطعم المثالي الذي يشتهر به ويميزه من اعتادوا على تناوله، وعلى العكس تماماً من المندي، والذي من الممكن أن تستعمل فيه اللحوم المستوردة، وإن كانت مذبوحة منذ فترة، فهي تؤدي النتيجة نفسها والمذاق نفسه.

طريقة متوارثة
المندي والمظبي، وإن كان أحد لا يعرف تحديداً التاريخ الذي ظهرا فيه كضيف أساسي على المائدة اليمنية في فترة من الفترات، إلا أن الكثير من المختصين من اليمنيين يقرون بأنهم توارثوا طريقة إعدادهما عن الأجداد، ولا يعرف تحديداً أول من قدمه على المائدة اليمنية، وهما يحتاجان إلى مهارة كبيرة في الطهي ومتابعة مراحل التسوية داخل التنور، حيث إنَّ الوقت لو قل عن المعدل، فمن المحتمل أن يكون اللحم غير ناضج، ولو زاد فإنه قد يتفحم، وهو يوضع على ارتفاع مقداره 10 سم تقريباً من مستوى الفحم، ولم تتغير طريقة صنعهما المعتادة كثيراً، إلا أن المظبي في البداية كان لا بد له أن يطهى على الحجر، أما الآن فهو يطهى على الحطب.

كبار الزوار
ويقول عمر، هناك العديد من الشخصيات العامة والاعتبارية التي كنا نتفاجأ بوجودها لدينا لطلب المندي أو المظبي، وهي شخصيات لها ثقلها في المجتمع الإماراتي، ويضحك قائلاً لا أرغب في ذكر أسماء، لكن هناك العديد من الشخصيات المجتمعية في دول أخرى حلت ضيوفاً علينا، وكلهم جاءوا خصيصاً لطلب المندي والمظبي.
من المفاجآت الجميلة التي مررنا بها أيضاً زيارة أطول رجل في العالم لنا منذ فترة قريبة، وقد كانت مفاجأة سارة لنا جميعاً، كما أذكر أنه زارنا سائح إيطالي، ولديه مرشد هندي، أخبراني أنهما قادمان من دبي خصيصاً لتناول المندي فجهزنا له وجبة، ثم تفاجأنا به يعود بعد فترة فقدمنا له هدية رمزية تقديراً لاحترامه لمطبخنا.

سر المهنة
من جهته يشير الطاهي ناصر أبو علم إلى أن الأرز المستخدم مع الوجبة لا يقتصر على نوع معين، إلا أنه من الأفضل أن يكون أرز “بسمتي”، حيث هو الأفضل مع هاتين الوجبتين، وقد تعود الرواد على شكل وطعم معين، وهما العامل الأبرز والأهم في جذب الجمهور، وسرنا الذي لا نبوح به أبداً فهو سر المهنة كما يقال. كما أننا في الاحتفالات الكبيرة التي تستخدم فيها الذبائح الكبيرة، لدينا تنور كبير يستوعب أكبر الذبائح، وننزلها برافعة معينة داخل التنور حتى لا تتلوث أو تفقد التتبيل الذي نضعه عليها قبل تلك المرحلة، وطريقة التعامل مع “التنور” ليست بالبسيطة ولا السهلة، بل يلزمها حرفية عالية لأنها متعلقة بحدود الوقت والخبرة بنوعية اللحم الذي يستخدم، فالوقت الذي يلزم نوعاً معين من اللحم ليس بالضرورة أن يناسب نوعاً آخر، وهي مسألة حسابات وتقديرات نسبية حسب شكل وتقدير عمر الذبيحة بناء على خبرة الطاهي نفسه.

زيادة التكاليف
حول ارتفاع الأسعار وتأثيرها على سعر المندي والمظبي يقول أبو علم: كان سعر الذبيحة “الخروف” قبل 30 سنة تقريباً حوالي 20 درهماً، أما الآن فنبيعها بأكثر من 700 درهم أحياناً، وسعر الحطب الآن أكثر من 2000 درهم لحمولة ثلاثة أطنان، أما في السابق فقد كان سعر الحمولة دراهم معدودة، وكذلك الأرز زاد سعره بأضعاف كثيرة حتى وصل لقرابة 1000درهم للطن الواحد، وشأنهما في ذلك شأن العديد من السلع التي زادت أسعارها بنسب كبيرة، وبناء على ذلك ارتفع سعر المندي والمظبي من دراهم معدودة قبل عقود إلى ما هو عليه الآن.

جمهورنا محافظ وله ذائقة
يضيف محدثنا: لكل منا مذاقه والمطبخ الذي يهوى أكلاته، إلا أن للمندي والمظبي عشاقهما من بلاد لها مطابخها الشهيرة، فهذا إماراتي وهذا يمني وغيرهما لبناني أو مصري وآخر آسيوي، استهوته طريقة تحضير المندي والمظبي والتي لا تتدخل فيها أي أيدٍ بشرية بعد وضعها في التنور، وهذا من الأمور المميزة التي تشتهر بهما الوجبتان، على العكس من الوجبات السريعة التي ملأت مدننا والتي تلاقي رواجاً بين أبنائنا وشبابنا على الرغم من كم الدهون التي تحتوي عليها، ويضيف، طيلة عمري لم أتناول ولا مرة واحدة منها، كما أن انتشارها بجوار مطاعمنا لا تقلقني، ولا أظن أنها تقلق أحداً ممن يقدمون الوجبات الشعبية، حيث إن لنا جمهورنا المحافظ الذي له ذائقة خاصة، ولا يتنازل عن مطبخنا، ولذلك نجد أن المندي والمظبي أصبحت لهما أماكن في وجهات كثيرة خارج شبه الجيرة العربية، في مصر والأردن بل وحتى في الصين.

اقرأ أيضا