معتز الشامي (سيدني) لم يكن يتوقع أشد المتشائمين أن تكون هكذا هي المسيرة الأخيرة لـ«جيل الذهب»، الذي طالما صال وجال منذ مرحلة الناشئين، وضم مواهب الكرة الإماراتية الأبرز من حيث المهارة الفنية والتفاهم والقدرات، ولم يكن ينتظر أن يصل المنتخب لمرحلة يقف فيها على باب الخروج الرسمي والمباشر من التأهل لمونديال موسكو، ليتبخر حلم شعب، وأمل أمة، علقت آمالاً على المنتخب الذي طالما أسعدها لفترات طويلة وعلى جيل من اللاعبين، وجد من الاهتمام والرعاية والتكريم، ما لم يجده جيل آخر في تاريخ الكرة الإماراتية. وربما يرى بعض المتفائلين بقعة ضوء «ضئيلة» في نهاية النفق المظلم، ولكنها تحتاج إلى «معجزة» من أجل التحقق، ألا وهي إعادة إحياء الأمل، بعد تمكن المنتخب من لملمة أوراقه، خلال فترة وجيزة، وتحقيق الفوز في المباريات الـ3 المتبقية في التصفيات، أمام العراق وتايلاند والسعودية، على أن يخسر المنتخب الأسترالي من اليابان والسعودية ويتعادل مع تايلاند، وذلك لنتمكن من التأهل كثالث، ونواجه ثالث المجموعة الأولى في مباراتين، لنرى ما إذا كنا سنصل للملحق القاري مع ثالث المجموعة الأولى، ثم مع بطل الكونكاكاف. رقمياً، هو أمر وارد الحدوث بالفعل، لكن منطقياً، وعلى ضوء المعطيات المتوفرة حالياً، هو أمر يحتاج لمعجزة حقيقية، ولقرارات حاسمة أبرزها ضرورة التعاقد مع مدرب يعرف قدرات لاعبي دورينا ليقود الفريق خلال المباريات الثلاث المقبلة من مشوار التصفيات لضمان حصد الـ9 نقاط الأخيرة. رفض الاستقالة بعيداً عن الحسابات والأمنيات، بات رصد أهم الأسباب التي وقفت وراء وصول المنتخب لهذه المرحلة، أمراً لا مفر منه، خاصة أن بعضاً من تلك الأسباب، كان إدارياً، والبعض الآخر ما بين فني ونفسي، ولكن قبلها لا يمكن لأحد أن ينكر حجم وقيمة ما قدمه المهندس مهدي علي خلال مسيرته مع الكرة الإماراتية. ويمكننا تخليصها في 6 أسباب رئيسية أوصلت المنتخب والفريق ككل إلى مرحلة الهبوط الحاد، والتراجع «المخيف»، وهو ما ظهر على الأداء الفني للأبيض في آخر مباراتين. أول تلك الأسباب، كان برفض استقالة مهدي علي التي تقدم بها الرجل مرتين، الأولى عندما شعر بعدم قدرته على الاستمرار لأسباب كثيرة، عقب الهزيمة أمام الأخضر السعودي أكتوبر الماضي، ولكن تردد الاتحاد في قبول الاستقالة، وتمسك بمهدي علي، والثانية عندما قررها عقب مباراة العراق، وأسر بها للاعبين الذين استقبلوها بالتصفيق، ما كان يعتبر مؤشراً كافياً أمام الاتحاد لضرورة القيام بالتغيير، ولكن مرة ثانية تم رفض طلب المهندس مهدي علي، حيث كان الوقت كافياً للتعاقد مع مدرب أجنبي يعيد حيوية الفريق، ويجدد أداءه. ثاني أسباب التراجع، كان في عدم التزام بعض اللاعبين، لاسيما خارج تجمعات المنتخب، هذا من جانب، فضلاً عن توتر علاقة البعض الآخر منهم، بمهدي علي، حتى ولو لم يعلنوا ذلك، في ظل استمرار الرجل في مهمته، ولكن كانت لهم مواقف وتصرفات، تؤدي لشق الصف بشكل داخلي، حتى ولو لم تحدث مواجهة مع المدير الفني. الإصابات والمعسكر ثالث الأسباب كان مرتبطاً بالإصابات التي ضربت عناصر مؤثرة في المنتخب الوطني، في مرحلة حاسمة وحساسة من التجمع، قبل مواجهة اليابان، حيث غاب أحمد خليل لأكثر من 3 أسابيع محلياً، وتعرض إسماعيل أحمد للإصابة قبل المباراة، وعودة أكثر من 12 لاعباً من مباريات دوري أبطال آسيا يومي 13و14 مارس مع أنديتهم، وهم يشكون إصابات مختلفة، ما بين إرهاق وشد عضلي وكدمات. حيث عادة ما يعتبر الأداء البدني لدورينا، أضعف وأقل كثيراً من الأداء البدني المطلوب للمباريات الدولية، وهو ما كان يدفع الجهاز الفني سابقاً لجمع اللاعبين في معسكرات طويلة لرفع الكفاءة البدنية والوصول للفورمة المطلوبة، لاسيما قبل المباريات الحاسمة، وهذا ما لم يتحقق، حيث صبت قلة زمن معسكر الإعداد لمباراتي اليابان وأستراليا في الهبوط الفني للأداء، وغياب المستوى المعروف عن «الأبيض». السبب الرابع، كان مرتبطاً بما سبق، ولكن يتحمله الاتحاد الآسيوي نفسه، ويتعلق بسوء جدولة روزنامة التصفيات مع مباريات دوري الأبطال، صحيح أن الأمر ينطبق على باقي فرق مجموعة القارة، ولكن أغلب تلك الفرق تعتمد على محترفين أجانب، لاسيما اليابان وأستراليا، كما لا يمكن مقارنة مستوى دورينا بالمستويات الفنية في الدوري السعودي. وكان أيضاً هذان السببان، تحديداً، هما الأكثر تأثيراً بنسبة 50% تقريباً، من تراجع الأداء أمام اليابان وأستراليا، حيث لم يؤد منتخبنا تدريباً واحداً مكتمل الصفوف سوى بعد الوصول إلى سيدني، وحتى هنا في سيدني، تعرض وليد عباس ومحمد عجب لوعكة صحية، وغاب ماجد ناصر لظروف طارئة أيضاً. والشواهد تؤكد أن مهدي لا يصل بفورمة أداء المنتخب للمرحلة المطلوبة، إلا بتجمع لا يقل عن 12 يوماً إلى أسبوعين، يخوض خلاله مباراة دولية ودية، وهذا لم يحدث، إما بسبب روزنامة التصفيات ودوري الأبطال، أو لفشل محاولات الحصول على مساحة، لأداء مباريات دولية ودية قبل التجمع الأخير نفسه. فاتورة غالية ومن خلال المتابعة، نجد أن هناك أسباباً يمكن تحميلها للجهاز الفني، وتتلخص في السبب الخامس الذي يقف وراء ما حدث، على الأقل في المباراة الأولى، والتي شهدت اختلافاً في وجهات النظر «الفنية» حولها، حيث كان يفرض المنطق، وظروف المنتخب، على الجهاز الفني، ضرورة أن يلعب مباراة دفاعية بحتة أمام اليابان، في ظل الغيابات والإصابات وعدم الجاهزية والتدريب الكافي وخوض أي وديات قبلها، وأن يسعى للخروج ولو بنقطة، ولكن هذا لم يحدث، ولعب «الأبيض» مباراة مفتوحة محاولاً مجاراة «الساموراي»، فخسر الفريق بهدفين من أخطاء فردية، وارتبك الدفاع والأداء الفني، لعدم القدرة على مجاراة السرعة اليابانية، فضلاً عن تباري لاعبي الأبيض في إضاعة الفرص التي أتيحت، والتي لو سجلت، لتغير الوضع تماماً عما نحن فيه الآن، ما أدى لضياع نصف الأمل وتأثر اللاعبين نفسياً بقوة قبل السفر إلى سيدني. وفي أستراليا، كان المطلوب أيضاً هو عدم الخسارة أمام «الكنجارو»، ورأى أصحاب الرأي الفني والمراقبون، أن الجهاز الفني يتحمل فاتورة الخسارة أمام أستراليا، في ظل التشكيل «غير المناسب» للمباراة، من وجهة نظرهم، خاصة مع الإصرار بالبدء بأحمد خليل الغائب منذ شهر عن المباريات، وعدم تأمين الوسط بـ3 مدافعين، لغلق الملعب أمام أصحابه، ودفعهم للتوتر وربما ارتكاب أخطاء دفاعية يمكن استغلالها بتسجيل هدف أو الخروج بتعادل سلبي، وهي أمور كان يمكن أن تحدث لتبقي آمالنا قائمة. وبناء على هذين الخطأين وفق مراقبين، بات الجهاز الفني يتحمل جزءاً كبيراً من أسباب الخروج والتراجع، حتى لو كانت هناك أسباب هي بالفعل خارجة عن إرادة الجميع. مواهب جديدة بعض الآراء ذهبت لوجود سبب سادس، يمكنه أن يلخص جزءاً من الأسباب التي وقفت وراء اقتراب حلم المونديال من التبخر، وهو عدم ضم أسماء بعينها، رغم تألقها اللافت محلياً، وعلى المستوى القاري مع أنديتها، فلاعب مثل سالمين خميس، قلب دفاع الأهلي، كان يستحق فرصة كافية، في ظل تراجع بعض عناصر الدفاع، أو عدم قناعة الكثيرين بأن يلعب حمدان الكمالي مباراة اليابان، والمثير في الأمر، أن بعض أفراد جهاز المنتخب نفسه، يؤكدون أن سالمين بالفعل يستحق الانضمام للمنتخب، بينما يصر مهدي على استبعاده، بحجة أن اللاعب عصبي المزاج ولا يمكن السيطرة عليه وقد يسبب مشكلات مستقبلاً، وهو أمر يدعو للدهشة، لو كان صحيحاً. وسواء حمل البعض المسؤولية كاملة للجهاز الفني أو اتحاد الكرة، فلا خلاف على أن مسيرة مهدي علي كمدرب وطني، تستحق التقدير، وهو له ما له وعليه ما عليه، ولكنه في النهاية تحلى بالشجاعة وقرر مرتين الانسحاب، وتم رفض تلك الرغبة ومطالبته بالاستمرار، بينما الثالثة، أعلنها صراحة وقرر الرحيل وترك الأبيض، بعد رحلة حفلت بالعديد من النجاحات، حتى ولو لم تكلل بالوصول للمونديال.