عربي ودولي

الاتحاد

خبراء لـ «الاتحاد»: الحكومة الجديدة «مقاتلة» على جبهات متعددة

محمد عزالعرب (القاهرة) - تواجه الحكومة المصرية الجديدة برئاسة المهندس إبراهيم محلب، - المشكلة من 32 وزيراً- خلال المرحلة المقبلة، مجموعة من الملفات المضغوطة، التي تتمثل في تحسين الظروف المعيشية للمصريين ومواجهة التصاعد المستمر للمطالب الفئوية وتهيئة البيئة الداخلية للاستثمارات الاجنبية ودحر البؤر الإرهابية وهندسة عملية الانتخابات الرئاسية وربما البرلمانية، مع إدراك أن تغيير الحكومة لا يعني حل تلك المعضلات إلا إذا تجاوز هذا التغير في الأشخاص ليطول التغيير في الأفكار والسياسات، وإن كانت المؤشرات الأولية توحي بأن الحكومة سوف تتصرف باعتبارها حكومة تنفيذية وميدانية، وفقا لتصريحات رئيس الوزراء الجديد، عن ميلاد «وزراء الشارع».
ويأتي التوصيف الوظيفي للحكومة انطلاقاً من أن بعض هذه الملفات التي سوف تواجهها تمثل صدى لنفس الدعوات المرتبطة بتنفيذ متطلبات الثورة المصرية، سواء في 25 يناير أو 30 يونيو، في تحقيق العيش والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وهو ما يجعلها أقرب إلى حكومة حرب أو حكومة مقاتلين لاسيما وأن أجلها الزمني قصير، إذ لا تزيد مدتها على ثلاثة أو أربعة أشهر، بما يجعل التحديات التي تواجهها أكبر من عمرها، لاسيما وأن الدولة تخوض حرباً ضروساً في مواجهة الإرهاب. علاوة على أن أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الملايين إلى النزول أواخر حكم الرئيس السابق محمد مرسي والمتمثلة في انقطاع الكهرباء وطوابير البنزين وشح أنابيب البوتاجاز قد بدأت في الظهور نسبياً مرة ثانية، ولم تنجح الحكومات المتعاقبة «أحمد شفيق، وعصام شرف، وكمال الجنزوري، وهشام قنديل، وحازم الببلاوي» في مواجهتها أو حتى الحد منها.
ماكينة الحكومة
فقد شهدت مصر، منذ اندلاع ثورة 25 يناير، تشكيل تسع حكومات، بلغ متوسط عمرها ما بين ستة إلى ثمانية أشهر، وبلغ أطول الحكومات عمرا حكومة د.هاشم قنديل في ظل حكم الرئيس السابق محمد مرسي، وكانت أكثر من عشرة أشهر «أغسطس 2012- يوليو 2013»، في حين كانت حكومتي الفريق أحمد شفيق أقصرها عمراً بواقع 33 يوماً في التشكيلين، وهو ما يعكس إحجام الكثير من الشخصيات العامة ذات الكفاءة والمهنية عن المشاركة في حكومات قصيرة العمر ذات طبيعة انتقالية في توقيت مضطرب وسيولة سياسية غير مسبوقة ووسط مطالب فئوية واجتماعية متصاعدة ورأي عام نفذ صبره ولم يعد ينتظر كثيرا لتنفيذ مطالبه.
والملاحظ على التركيبة الحكومية الجديدة هو أن الحقائب الاقتصادية لم تشهد تغييراً بل سيتم الإبقاء على دمج التخطيط مع وزارة التعاون الدولي، والتجارة والاستثمار، حتى يتم البناء على ما سبق من مشروعات أو خطط أو الإسراع في انعكاس الرؤى على حياة الناس، فضلاً على دمج وزارات أخرى مثل التنمية الإدارية والتنمية المحلية، والشباب والرياضة، والتعليم والبحث العلمي، وهو ما يسير في الاتجاه العكسي لحكومة هشام قنديل التي شهدت فصلاً بين وزارتي التعليم والتعليم العالي. كما تم إنشاء وزارة دولة للشباب وأخرى لليراضة، وتم الفصل أيضاً بين وزارة الإسكان وبين وزارة لمرافق مياه الشرب والصرف الصحي.
حكومة تكنوقراط
وما يفاقم من تحديات الحكومة الجديدة أنه لا يوجد ظهير شعبي مساند أو دعم حزبي رافع لها، باعتبارها حكومة «تكنوقراط»، وفقاً للعناصر القادمة إلى التشكيل الجديد أو العناصر الباقية من التشكيل السابق، ويخلو تشكيلها من الانتماء للأحزاب السياسية باستثناء منير فخري عبدالنور وزير التجارة الخارجية. لذا، فمن المتوقع أن تواجه حكومة محلب هجوماً واسعاً من قبل وسائل الإعلام وقوى الثورة وجماعة الإخوان، وبدأت أول الفصول مع الترويج لتلك الحكومة بأنها «حكومة فلول» تنتمي لنظام حكم مبارك نظراً لعضوية إبراهيم محلب في أمانة السياسات، التي كان يترأسها ابن الرئيس الأسبق جمال مبارك.
التحدي المزدوج
وبناء عليه، فإن هذه الحكومة تواجه تحدياً مزدوجاً: الأول خاص بتحقيق أهداف الثورة من ناحية والحفاظ على رسوخ مؤسسات الدولة من ناحية أخرى، عبر إشرافها على إجراء الانتخابات الرئاسية في أجواء يغلب عليها النزاهة والشفافية، وإقناع الرأي العام في الداخل والخارج بأنها تعكس الإرادة الشعبية. وفي حال إخفاقها في تحقيق هذا الهدف فسيؤثر ذلك على مسار المرحلة الانتقالية، وسيبدأ العد التنازلي لتعثر إن لم يكن انهيار خارطة الطريق، وهو ما يجعل طريقة الأداء هو المحدد الرئيسي لنجاحها. وهنا، قال د.أسامة الغزالي حرب - رئيس مجلس أمناء حزب المصريين الأحرار- أن الحكومة الجديدة سوف تواجه نفس المشكلات التي واجهتها الحكومة السابقة، غير أن الفارق بينهما يعود إلى أن د.الببلاوي كان أسيراً لمكتبه، في حين سيختار محلب العمل الميداني المباشر مع الناس، بحيث يستشعرون الإنجاز الفعلي المتحقق.
مشكلات هيكلية
وقال محمد عبدالله يونس - مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة والمتخصص في الدراسات المصرية- إن الحكومة المصرية الجديدة تواجه عدة تحديات هيكلية، أولها يتمثل في ضغوط ضيق المساحة الزمنية المتاحة لعملها كونها تسبق مباشرة انتخابات الرئاسة التي ستتمخض عن ترتيبات جديدة لبنية الحكم في مصر، في حين يتمثل التحدي الثاني في استعادة الثقة الشعبية المتآكلة في مؤسسات الحكم منذ ثورة 25 يناير من خلال انجازات حقيقية تتسق مع ثورة الآمال والتوقعات لدي قطاعات عريضة من الشعب المصري.
أما التحدي الثالث والأهم، وفقا لعبدالله يونس، فهو التحدي الاقتصادي فعلي الرغم من الدعم الخارجي غير المسبوق للحكومة فإنها لم تتمكن من تحقيق طفرة في معدلات النمو أو تحفيز الاقتصاد مما أجج الاحتجاجات الفئوية بتصاعد إضراب قطاعات مهمة في الدولة مثل مصلحة الشهر العقاري وهيئة النقل العام وهيئة البريد والأطباء والصيادلة بسبب تعثر خطط الحكومة السابقة في تطبيق الحد الأدنى للأجور، ويظل التحدي الأمني الأهم نتيجة تصاعد العمليات الإرهابية وانتشارها من الأطراف الحدودية لمختلف المحافظات المصرية مع تتابع التفجيرات والاغتيالات، والتحول إلى نمط الإرهاب الاقتصادي باستهداف السياحة وشبكات نقل الغاز وأبراج الضغط العالي وشبكات الكهرباء وخطوط كهرباء مترو الأنفاق.
وأوضح د. مبارك زرنوقة -أستاذ العلوم السياسية بجامعة 6 أكتوبر والخبير بالمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية- أنه يكمن التحدى الأساسى الذى يواجه حكومة المهندس إبراهيم محلب فى كيفية الانتقال من حالة الثورة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، لاسيما وأن ثمة تنوعاً فى المشكلات التى تواجه الحكومة الجديدة على المستويين الداخلى والخارجى. فعلى المستوى الداخلى، هناك أزمات الارهاب والاقتصاد والطاقة والبطالة، وترهل الجهاز الإدارى للدولة. أما على المستوى الخارجى، فهناك تداعيات بناء سد النهضة على الأمن المائى المصري، وإعادة تقييم العلاقات المصرية الأمريكية بعد ثورة 30 يونيو.
أما د. محمد السعيد إدريس- رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام- يرى أن التحديات الرئيسية التي تواجهها الحكومة الجديدة تتمثل في تحقيق الرضاء الشعبي بعد استفحال اليأس في أوساط قطاعات عريضة من المصريين، نظراً لغلاء الأسعار وتهديدات الأمن وعدم الشعور باليقين، وهي نفس التوجهات المجتمعية السائدة إزاء حكومات ما قبل الثورة، على نحو يتطلب بلورة مؤشرات بأن ثمة رغبة حكومية لحل مشكلات المجتمع بدلاً من فكرة «العصابة» التي تتوارث الحكم باعتباره «غنيمة» عبر تغيير الوجوه، التي مازالت باقية في مواقعها.
ويتمثل التحدي الثاني في استكمال الاستحقاقات السياسية لخريطة الطريق وخاصة الانتخابات الرئاسية، لاسيما مع تحالف الكتلة الصلبة في التيار السلفي مع الإخوان المسلمين، وبقاء الجزء الأصغر من التيار السلفي المتمثل في حزب النور أو بالأحرى جماعتا الإسكندرية والبحيرة مع استكمال متطلبات المرحلة. وهنا، سوف يحاول هذا التحالف الاندماجي إعاقة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشكيك في نوايا الحكم الجديد باعتباره «انقلاباً عسكرياً». أما التحدي الثالث فيكمن في تحقيق العدالة الاجتماعية المتلازمة مع وضع وتطبيق الحدين الأدنى والأقصى للأجور، وتواز السيولة النقدية مع القوى الشرائية في أيدى الناس وانهاء أباطرة الاحتكار في السوق الاقتصادي المصري.
آليات الاحتواء
وفيما يتعلق بالمواجهة فيراهن عبدالله يونس على أن تتبع الحكومة سياسة واقعية تقوم علي الشفافية في عرض التحديات علي الرأي العام وتبني خيارات قابلة للتطبيق في حدود الفترة الزمنية المؤقتة والموارد المتاحة، وثاني تلك الآليات يتمثل في اعتبار قضايا الفقر والبطالة وتحسين مستوي الخدمات العامة وتحفيز الاستثمار أولوية قومية تستحق تخصيص الجانب الأكبر من الموارد، بينما تتمثل الآلية الثالثة في تبني ممارسات ونماذج الحكم الرشيد Good Governance في إدارة المؤسسات الحكومية لتحقيق الكفاءة والإنجاز وفق معايير الإدارة في القطاع الخاص، وتتمثل الآلية الرابعة في التخطيط لمواجهة الخيارات الصعبة غير القابلة للتأجيل مثل ضبط دعم الطاقة، الذي يستنزف الموازنة العامة ومواجهة حالة الفوضى المجتمعية والانفلات الأمني، أما الآلية الخامسة فترتبط برفع كفاءة مؤسسة الشرطة باعتبارها أحد أهم ركائز استعادة الأمن والانضباط وصياغة إستراتيجية أمنية شاملة تقوم علي تحديد تراتبية التهديدات وكيفية احتوائها وتحجيم تصاعدها وضبط الحدود المصرية كأولوية للحفاظ علي الاستقرار الداخلي.
ويرتبط العنصر الحاسم فى آليات مواجهة التحديات السابقة داخلياً، وفقا لرؤية زرنوقة، فى الاستمرار فى تنفيذ استحقاقات خارطة الطريق، حتى يتسنى نقل السلطة بمستوياتها المختلفة واستكمال البناء المؤسسى للدولة، والتى بلاشك ستسعى لترجمة أهداف الثورتين فى برامج عمل تحقق شعاراتهما فى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية فضلاً على استقلالية القرار الوطنى، فضلاً على ضرورة إعطاء فرصة لتمكين الشباب داخل مؤسسات الدولة لأنهم الأجدر على العمل والعطاء. أما على المستوى الخارجى فثمة حاجة ماسة إلى تفعيل الشراكة المصرية مع الدول الخليجية الداعمة لمصر بعد 30 يونيو «السعودية، الإمارات، الكويت، البحرين» عبر تعاون مؤسسى متين. أما على مستوى تحدي الأمن المائي فيقترح زرنوقة تشكيل مفوضية مصرية لمياه النيل تضم خبراء فنيين وقانونيين وسياسيين وأمنيين وشخصيات عامة تتولى ملف نهر النيل كاملاً وتضع آليات التحرك إزاء تداعيات بناء سد النهضة الإثيوبي على الأمن المائي المصري، وتعطي المفوضية صلاحيات كاملة للتدرج فى استخدام الوسائل بدءاً من عرض التعاون المائى على إثيوبيا عبر شراكة حقيقية لمصر والسوان فى بناء السد ومعرفة تفاصيل إنشائه ومصادر التمويل الحقيقية، مروراً بالتصعيد إلى التحكيم الدولى فى ظل قوة الموقف القانوني المصري المستند على اتفاقيات دولية تنظم توزيع الحصص المائية في هذا المجرى المائي الدولي، ووصولاً للتلويح باستخدام القوة العسكرية، وهي آخر ورقة يمكن اللجوء إليها.
إدارة النتائج
وقد أشارت د.ليلى البرادعي - عميد كلية الشئون الدولية والسياسات العامة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة- إلى تراجع أداء وفعالية الحكومة المصرية خلال عامي 2012 و2013 في التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأمنية والمواصلات، وهو ما تشير إليه تقارير التنافسية العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي، على نحو يسجل تراجعا في ثقة الشعب في الحكومة، مطالبة بتطبيق نظام إدارة أداء حكومي شامل في الجمهورية المصرية الجديدة فيما يعرف بـ «إدارة النتائج»، لأن ثمة إدراكاً عالمياً بأن سبيل التقدم يتمثل في الابتعاد عن البيروقراطية والتركيز على تنفيذ السياسات القابلة للتطبيق وخضوع المسئولين الحكوميين للمحاسبة على النتائج التي تحققت، وهو ما خبرته دول عديدة مثل الهند وجنوب افريقيا وكينيا، حيث أقرت الأخيرة في العام 2006 قانون الأداء لقياس أداء الوزارات الحكومية المختلفة وفق أهداف الأداء، التي جرى التفاوض والاتفاق بشأنها. وفي العام 2013، أعلن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات، عن تدشين نظام إدارة وطني أطلق عليه أسم «أداء» بهدف تحقيق تطوير متواصل في جودة الخدمات، التي تقدمها المؤسسات الحكومية الفيدرالية، وهو ما يجب أن تأخذه الحكومة المصرية في اعتبارها.
أما د.نيفين مسعد - مدير معهد البحوث والدراسات العربية- فترى أن المهمة الرئيسية للحكومة المصرية المقبلة تتمثل في ضرورة تناغم الرؤى للوزراء، لأن الحكومات السابقة كانت عبارة عن «مجموعة من الوزراء»، وهو ما يعكس عدم التنسيق بينها بحيث يتخذ كل وزير القرارات الخاصة بمجال عمله دون ارتباط بسياسة عامة للحكومة أو تبصر بأثر قراراته على القطاعات والمجالات الأخرى، على نحو يقترب من وضع المريض، الذي يتناول أدوية مختلفة ترتب آثاراً متناقضة وأعراضاً جانبية ضارة على جسدة في غياب التشاور بين فريق الأطباء المعالج بحيث يطيب عضو ويصيب آخر.

اقرأ أيضا

«منظمة الصحة» تحذر من الرضا بعد تراجع حالات كورونا