الإثنين 26 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم

«شهارة» جسر يمني معلق بين جبلين منذ 400 عام

«شهارة» جسر يمني معلق بين جبلين منذ 400 عام
3 يونيو 2009 01:00
مازال جسر «شهارة» في جبال شهارة شمال صنعاء يسلب العقول التي احتارت في التعرف إلى ذلك العقل الذي شيده في منطقة وعرة، وبات يجتذب السائحين المحبين لمشاهدة المناظر الطبيعية الخلابة والعبور فوق الجسر الذي يعتبر إنجازاً معمارياً يحسب لمن قام ببنائه بإمكانات متواضعة، لكن بمهارة فائقة استوعبت الهندسة المعمارية وتحدت قسوة الحياة، ليبرز الجسر بمتانته وصلابته معْلماً متفرداً في المنطقة. لوحة حجرية يكفي بانيه من العبقرية أنه استطاع في هذا الفجّ الفاصل بين الجبلين أن يرسم لوحة حجرية بديعة، وكأنه نظر إلى الفج من منظور فلسفي واستنتج أن هذا التباعد نتج عن خصام أزلي بين جبل «شهارة الأمير» وجبل «شهارة الفيش»، فقرر بناء هذا الجسر الذي وفق بينهما وجعلهما يصافحان بعضهما البعض في حميمية وروعة لم يخطرا في بال الكاميرا التي تعجز عن استيعاب كل هذا الجمال. بنى هذا الجسر العجيب رجل يسمى «عم صالح»، فهذا الاسم غير المكتمل هو ما عرفه الناس وتردد على ألسنتهم وأسماعهم. وقيل «لما انتهى من بناء هذا الجسر أُصيب بانفصام الشخصية وكان يحاور نفسه كأنه يحاور شخصاً آخر نتيجة لعدم تصديقه أنه هو الذي بنى الجسر»! بينما تذكر المصادر التاريخية «أن الجسر أُقيم في الأساس لاختصار الطريق من خلال وصل الجبلين وتوفير الكثير من الجهد والوقت على السكان في الجانبين الذين كانوا يضطرون للنزول إلى الوادي الذي يفصل الجبلين ثم يصعدون إلى الجبل الآخر، وكان يتعذر عليهم نقل الكثير من الأشياء، فجاء بناء هذا الجسر للوصل بين السكان الموزعين على ضفتي الجبلين ويوحد المدينة بقسميها قبل أن يتحول إلى معْلم سياحي، فهو أشهر قناة برية معلقة وتحفة استثنائية تمتاز بطابع معماري فريد على مستوى الجزيرة العربية». معجزة هندسية تتناقل الناس وكذلك السياح فيما بينهم الإعجاب بالجسر والأحاديث عنه، خاصة طريق عبوره الملتوي الذي يوصل إلى قمة الجبل. يقول عبد الرحمن الأشموري- معلم: «يعتبر الجسر معجزة في المعمار البسيط، فالبناء في شكله الهندسي معجزة نادرة وبني بتكاليف ومستلزمات محلية بسيطة غير مستوردة، لا مواد إسمنتية ولا غيرها، فالأحجار كلها من المنطقة نفسها، وكذلك الأخشاب التي تربط بين الأحجار أو ما يسمى «البسط» التي تمنع انفصال الجسر وتفككه». فيما تقول ماريا أنجليك - سائحة: «أُقيم في اليمن منذ 4 سنوات، وأجد الجسر أحد الأماكن التي اعتبرها الأكثر تأثيراً علي وتحقيقاً للدهشة بين جميع الأماكن التي شاهدتها في اليمن». تسترسل موضحة «أعني أن الصعود إلى الجبل يستحق العناء لأنه جدير بالزيارة بسبب الطريق الصاعد إلى الأعلى، وأيضاً الشديد الانحدار، وبمقدور المرء أن يرى سكان القرية في هذه المنطقة المرتفعة، وبعدها يمكن مشاهدة الجسر الرائع». تأثير كبير بني الجسر للربط بين السكان في القرى النائية على جانبي الجبلين ولتيسير عملية نقل البضائع والأغذية بين القرى التي يسكن فيها الآن نحو ألفي فرد -بحسب فهد العمراني- ويضيف: «رؤية هذا الجسر تشكل تأثيراً طاغياً على الزوار والسياح، كما أنه يقوم بدور الشاهد على فترة أكثر ازدهاراً في تاريخ أهالي البلاد الذين يعيشون حالة اضطراب سياسي واقتصادي منذ عقود». ويؤكد هذا الرأي عبد الكافي يوسف- باحث اقتصادي، إذ يرى أنه يفترض بالجسر أن يحفز اليمنيين على العمل من أجل تحسين مستقبلهم. ويضيف: «لعل الجسر يذكرنا بالإمكانات الكامنة داخلنا، بحيث نستطيع عمل منجزات كثيرة، حيث تمنح رؤية الجسر والعديد من المنجزات المعمارية الأثرية دعماً وحافزاً للشعب اليمني لأن يأخذ أموره بيده ويحل المشاكل الموجودة حالياً خاصة المشاكل الاقتصادية وغيرها، فالأجداد صنعوا هذه الإنجازات وهم أقل بكثير من اليمنيين الذين يعيشون اليوم. لذلك أتمنى أن يدرسوا التاريخ، ليعلموا أي إرادة كانت هنا». الحركة السياحية ساهم تنفيذ عدد من مشروعات البنى التحتية في مجالات المياه والكهرباء والاتصالات والطرق، في زيادة تدفق حركة السياحة الدولية لهذه المدينة التاريخية التي أخرجتها شهرة جسرها من حالة العزلة التي عاشتها بحكم موقعها الطبيعي وجعلتها حاضرة في أجندة السياح العرب والأجانب. وازداد بذلك عدد السياح الذين يقصدون شهارة سنوياً، مما جعل من السياحة نشاطا اقتصاديا آخر لسكان المدينة الذين يعتمدون على الزراعة كنشاط أساسي. كما تم تحويل عدد من المباني الأثرية إلى استراحات وفنادق تستضيف السياح وتقدم لهم الوجبات الشعبية الشهية، وتهيئ لهم أيضاً فرصة التعرف إلى العادات والتقاليد الاجتماعية من خلال تنظيم زيارات لبعض الأسر والاختلاط بالناس في حوار ثقافي حميم، كما قامت إلى جوار الجسر العديد من المتاجر والمحال التي توفر متطلبات الزوار من التحف والحلي الشعبية والمقتنيات الأخرى. وتتميز المنطقة التي يقع فيها الجسر بمقومات سياحية أخرى، مثل: سور المدينة المزود بحصون دفاعية وسبعة أبواب رئيسية تفتح في الصباح وتغلق في المساء، بحيث لا يستطيع أحد الدخول إلى المدينة أو الخروج منها في فترة إغلاق الأبواب (وهي تقاليد تعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي)، إضافة الى ذلك هناك عدد من المساجد والقلاع التاريخية التي تضم آلاف المخطوطات القديمة.
المصدر: صنعاء
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©