هل من علاقة عضوية بين الثقافة والإعلام؟ علامة استفهام تطرح ذاتها بقوة في الحال، وتلقي بأثرها على الاستقبال، لا سيما وأن المفهومين قريبان، وعند البعض متلاصقان وأحيانا متشابهان، غير أن واقع الحال يشير إلى وجود هامش من الاختلافات طبقا لطبيعة كل منهما، ومنشئه ووجوده وتاريخه. في مسألة السبق، يمكننا القطع بأن الثقافة هي المعين الأكبر والأعمق لكافة وسائل الإعلام، والتأصيل لكلمة ثقافة يقودنا إلى فهم إدراكي حقيقي لماهيتها ودورها في الحياة العامة. عند أصحاب اللغة العربية جاءت كلمة ثقافة من "ثقف"، ويقال "ثقف الرمح" أي سواه وقومه، وجعله صالحاً للاستعمال، وفي اللغات الأجنبية يبقى الأصل اللاتيني للكلمة هو: kulture أي إصلاح الشيء وتهذيبه، ومن هنا جاء فعل"يزرع" agriculture أي إصلاح الأرض وزراعتها. يعني هذا أن فعل الثقافة، قائم في جميع مناحي الحياة من قيم وعادات، أخلاق وتقاليد، لغات وأفكار، وعليه يرى علماء الاجتماع أن الثقافة حقا تجول من حولنا ونحن في وسطها، فآداب المائدة ضرب من ضروب الثقافة، وأخلاق الاستهلاك والادخار ثقافة، والمذاهب الإيمانية والعقائد الروحية ثقافة، كذا الموسيقى والشعر، وكل ما يتصل بحياة الإنسان من أدوات تعينه على العيش هي ثقافات شعوب، عرفت بها، وحاولت في بعض الأوقات تصديرها للعالم. نخلص من هذا التعريف المختصر إلى أن فعل الثقافة بطيء ولكنه مستمر ومتطور، بل ومتحول من جيل إلى جيل، ومن أمة لأخرى، بفعل تطور الحياة وأساليبها، ومبتكرات الإنسان وأدواته. على أن الإعلام لم يكن بعيدا عن الثقافة، ذلك أنه القناة التي يعبر بها عن فحوى ومضمون الرسالة الثقافية بدءا من العصور الأولى، وصولا إلى انفجار وسائل الإعلام المختلفة، ووسائط الاتصال الاجتماعي الحديثة، والإعلام إيقاع سريع، وأدواته أكثر سرعة ومواكبة للتكنولوجيا فما بين زمن اكتشاف التلغراف إلى أوان الفيس بوك والانستغرام جسر واسع من التطورات والتغيرات، باتت تطرح تساؤلا مثيرا من يقود الآخر اليوم: "هل التوجهات الثقافية والمنحنيات الفكرية هي التي تمسك بقبضة الإعلام وآلياته، أم أن وسائل الإعلام هي التي باتت تشكل النخب الثقافية، وترسم المنحنيات الفكرية، وتعمق الجذور الرؤيوية للقضايا الفكرية أو تسطحها؟ يبدو أن علامة الاستفهام المتقدمة قد داعبت عقول كثيرين حول العالم، وشغلت تفكير المؤسسات الثقافية الدولية لاسيما "اليونسكو"، وعليه فقد قام المؤتمر العالمي بشأن السياسات الثقافية والذي دعت إليه منظمة اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) عام 1982 في المكسيك واشتركت فيه غالبية الدول العربية بتحديد طبيعة الصلة بين الإعلام والثقافة كما يلي: "الاتصال هو أحد العناصر المكونة للثقافة لأنه مصدر تكوينها وعامل من عوامل اكتسابها وتراثها، وانه يساعد على التعبير عنها ونشرها". في ظل هذا التعريف يمكن القول إنه لا يمكن تصور قيام ثقافة من دون قدرة على التعبير عن مكنوناتها وفحواها، والإبلاغ عنها، بمعنى إيصالها للناس، إذ لا حظَّ لأي ثقافة عند أي شعب من الشعوب إذا لم تكن هناك أجهزة إعلام تؤازر جهودها وتدعم روادها وتشيع أفكارها. جدلية وتبادلية العلاقة تتبدى كذلك على الجانب الآخر، أي حاجة وسائل الإعلام للثقافة والمثقفين، بمعنى أنه حال خلت الساحة الإنسانية من صناع الأفكار، ومن الطروحات الفكرية العميقة، بل حتى من الجدالات الرؤيوية والاستشرافية المستقبلية، لأصبحت وسائل الإعلام "نحاسا يطنّ أو صنجا يرنّ"، فالثقافة العميقة والرصينة، هي الزاد الذي يشد الجمهور إليها، وحال غيابها يفرغ مضمونها مما هو نافع ومفيد. رأس المال الثقافي هل أفاد الإعلام من الثقافة؟ كثيرا جدا، ذلك أن كافة الآليات الإعلامية والأدوات المستخدمة فيها، سمعية أم بصرية أم مقروءة، فضلاً عن الوسائل التي تحفز على التفكير والتدبير وإعمال الخيال وتجويد القريحة وخلق الابتكارات، كلها أو جميعها من أدوات الثقافة ومن إنتاجها. وحال أردنا تقييما موضوعيا ذا مصداقية للعلاقة بين الثقافة والإعلام يتوجب علينا أن نعكس علامة الاستفهام المتقدمة لتضحي: هل أفادت الثقافة من الإعلام؟ بالطبع، فلا انتشار للأفكار الثقافية الخلاقة إلا عبر وسائط الإعلام، فهي العامل الذي يساعد الثقافات على التلاحق، بل على الملاقحة مع العقول والأشخاص، وعليه فهي الوسيط بين عالم الأفكار وعالم البشر، الإعلام يعطي الثقافة الشكل والوسيط، والثقافة تعطيه المعنى والروح، وهنا يضحي الفعل الثقافي هو الجوهر الذي تحويه وسائل الإعلام والاتصال مع الجماهير، والتي هي مطالبة في ذات الوقت بهدف سام آخر وهو وقاية الثقافات من العواصف الهوجاء، ومجابهة التيارات الفكرية الهدامة. غير أن الثقافة تمتاز عن الإعلام في مسألة التراكم، وما يعرف برأس المال الثقافي، والذي يتجاوز القيمة المضافة للإعلام، إن استخدمنا لغة الاقتصاد ومفرداته... ماذا يعني هذا الحديث؟ يعني في ما يعنيه أن "رأس المال الاقتصادي"، رغم أهميته الفائقة، ليس الثروة الوحيدة للأمم والشعوب، وأن الثقافة - أيضاً - "رأس مال" وهي قيمة مضافة حقيقية للأمم والشعوب، فالموارد الثقافية رصيد يتصل بالإرث القبلي الأبوي البطريركي، ويتعاطى مع المواريث العقائدية والدينية، ويصل حد الشهادات العلمية التي يتحصل عليها الفرد، وهذا جميعه إرث تراكمي يصلنا من الأولين ونتركه للقادمين، إنه نوع من أنواع إعادة الإنتاج إن جاز التعبير للحياة في شكلها الأدبي، يتطور بالتراكم وبزيادة الخبرات والإضافات. أما الإعلام، في هذا الحال، فهو دالة وتابع لرأس المال الثقافي يزداد ويعلو شأنه إن صحت حالته ويضعف ويخبو بريقه حال تعرضه للموات الأدبي. غير أن ذلك لا يقلل من شأن الإعلام، فقد بات الآخر "سيد المشهد" باقتدار، لا سيما في العقود الأخيرة، ذلك أنه "الكفيل" الحقيقي لانتقال المعلومات والأفكار، وكذا لرسم الاتجاهات أو العواطف من شخص أو جماعة أو وسيلة إعلام إلى شخص آخر، من خلال الرموز. علاقة اشتباك يتماس الإعلام عادة مع سياقات الحياة السياسية أكثر من الثقافة، فالمثقف يستطيع العيش في برجه العاجي لينسج منظومات فكرية، أدبية أو سياسية، اجتماعية أو روائية، بينما وسائل الإعلام عادة ما تكون معبرة عن النظم القائمة، غير أن هذا لا ينفي الدور الجوهري الذي تلعبه فهي قادرة على إثراء الجماهير أو إفقارها، لاسيما فيما يتصل بالنقطة السابقة أي "رأس المال الثقافي"... ماذا يعني ذلك؟ في واقع الأمر يمكن وصف "الإعلام" بأنه "إعلام ثقافي"، حينما يقدم مضمونا ثقافيا، أو رسالة فكرية ذات جذور تراثية، وترمي إلى استشرافات مستقبلية تغير الواقع للأفضل. والإعلام أيضا كفيل بأن يكون رافدا جيدا لإعلاء الثقافة والعلم والمعرفة بما يتدفق عبر قنواته ومساربه من معلومات، وقادرا على إيصال الرسالة الثقافية لقطاع واسع من المتلقين، لم يكن لهم أن يتحصلوا عليها حال غيابه، وهنا للإعلام ميزة نسبية، إذ أن الجهد الذي يحتاجه لنشر الأفكار أقل كثيرا مما تحتاجه الثقافة لنشر أعمالها، وفي كل الأحوال لا يمكن للإعلام أن يكون إحلالا محل الثقافة أو فعلا من أفعال الهيمنة... هل من رؤية لفض الاشتباك في الحال بين الثقافة والإعلام؟ يمكن القول إن وسائل الإعلام هي أدوات ثقافية حال أحسن استخدامها، تساعد على تخليق الوعي الجمعي لملايين البشر، وتنظم الذاكرة الأممية، وتعالج استخدام المعلومات المستخلصة من المعين الحضاري الأوسع الذي هو الثقافة بمعناها الشامل، فالثقافة والإعلام إذن يعملان معا وبجهود تكاملية من أجل النهوض بالمجتمع. خطورة الإعلام الإعلام ربما يكون أداة سلبية تختصم كثيرا جدا من المساحة الثقافية البناءة للأمم والشعوب... كيف ذلك؟ لعل ذاكرة القارئ تحتفظ بالمقولة المهمة: "من يعطي الخبر يعطي الشريعة"، كانت هذه العبارة سائدة ورائجة في زمن الامبراطورية الرومانية، غير أن المكافئ الموضوعي لها في القرن الحادي والعشرين هي أن من يتحكم في وسائل الإعلام وتوجيه الجماهير هو الذي يعطي الشريعة، كما أن نفوذ وسائل الإعلام يفوق بكثير وبسرعة آليات الثقافة... هل لنا أن نقترب قليلا من حال الإعلام والثقافة في العالم العربي؟ الجواب يحتاج إلى مراجعات عميقة ، لكن باختصار غير مخل، نشير إلى حالة الانفجار الإعلامي التي جرت بها المقادير عربياً، خاصة بعد انتشار الفضائيات، والبرامج الحوارية المفرغة من المضمون الثقافي، هذه كانت وبالا ًعلى العرب في الحاضر، وتهدد بتسطيح أفكار الأجيال اللاحقة، فالمنتج الثقافي المتميز لا قيمة له إن لم يجد من يروج له ترويجاً راقياً في الشكل والمضمون، ويضمن انتشاره بشكل فاعل يرجع بالأثر المطلوب، ويحقق الهدف المرسوم. والحديث عن العلاقة بين الإعلام والثقافة في عالمنا العربي يستدعي إشكالية أخرى، إشكالية الإعلام الماضي قدما في (التغريب - westernization) بمعنى التقليد الأعمى لشكل الإعلام الغربي، دون مراعاة للخصوصيات الأثينية، أو للمعطيات التاريخية، تلك التي تقدم في أجواءها المواد الإعلامية، وجل همّ القائمين على هذه البرامج، هو المحاكاة السطحية لما يقدم في الغرب، ناسين أو متناسين أن ما يطرح هناك يتسق وأجواء أخرى ثقافية، تخلو منها الساحات العربية، وعليه تتحول وسائل الإعلام من قيمة مضافة لرأس المال الثقافي إلى قيمة مختصمة أو مختزلة من الرصيد الحضاري للعالم العربي. تدعونا السطور السابقة لاستعادة والتأمل مليا وجليا فيما قاله عالم الاجتماع العربي الكبير"ابن خلدون" ذات مرة في مقدمته الشهيرة من أن:" المغلوب مولع دوما بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"، وهو ما يمكن ان نشخصه بلغة العصر في الظاهرة المعروفة ب"ستوكهولم سندروم" أي أن الأسير يقع في حب آسره، وهذه إشكالية كارثية عربية معاصرة. لن يمكننا بحال من الأحوال فصل العلاقة ما بين الثقافة والإعلام، فهي متداخلة ومتلاصقة، كلاهما يبث بالآخر، ويتمزج بنسيجه، وإن كان التطور الذي طالهما تبعا لتطور الحياة أدى بالضرورة إلى التباين والخصوصية في وسائل كل منهما، وهو تباين يتعمق ويترسخ في المستقبل، وبخاصة بعدما بدأ الاهتمام حول العالم يتزايد بمفهوم القوة الناعمة، التي تشكلها ثقافات الأمم والشعوب ولعل أقرب وأكبر مثال لأهمية الثقافات كأداة من أدوات المنتصر الذي عادة ما يكتب التاريخ، ما يجري في الولايات المتحدة الأميركية من حوار فكري عالي المستوى حول أي قوة ينبغي لواشنطن أن تقود بها العالم... هل عليها أن تذهب بعيدا معتمدة على قوتها العسكرية، أم أنها لابد أن تعود إلى المفاهيم الثقافية الخلاقة التي قامت على أركانها أميركا وفي المقدمة فيها مسألة القدر الواضح، أي اختيار الأقدار لأمريكا كقائدة للحرية في العالم؟ كان البروفيسور الأميركي الشهير"جوزيف ناي" هو من أطلق شرارة هذا الديالكتيك الفكري عبر كتابه العمدة "القوة الناعمة"، ومن بعده بات الكثيرون ينظرون إلى الثقافات بوصفها أداة مهمة وفاعلة في إدارة الصراعات حول العالم، وليس قوة السيف فقط ... ثم ماذا عن الغد؟ سيظل الاعتماد والتأثير المتبادل بين الثقافة والإعلام قائما، والاشتباك أيضا محتدما، فوسائل الإعلام ستظل تقدم دورا مهما ورئيسيا في نشر الثقافات المختلفة، وفي ذات الوقت تعطي نظريات الإعلام المختلفة ولاسيما نظريات التدفق الدولي للمعلومات، أهمية كبرى للعوامل والعلاقات الثقافية.