الاتحاد

ثقافة

«النائم الحجري» يستعيد مئات السنين من الحضارة

الغلاف

الغلاف

قليلة هي التجارب الشعرية التي وصلتنا من أوروبا “الشرقية”، على ما كانت تسمى قبل سقوط الاتحاد السوفييتي، ومن بين هذه التجارب القليلة برزت مؤخرا تجربة الشاعر ماك دزدار في مجموعة شعرية بعنوان “النائم الحجري”، صدرت في الكويت ضمن إصدارات مؤسسة جائزة عبد العزيز البابطين للإبداع الشعري، وترجمها عن الإنجليزية القاص والروائي الأردني إلياس فركوح.
في تصدير المجموعة يقدم عبد العزيز البابطين الشاعر ماك دزدار (1917- 1971) بوصفه “الشاعر البوسنوي الكبير الذي عرف بلقب (ماك)، الاسم الذي استخدمه للتمويه ليتفادى المخاطر المحدقة به أثناء الغزو الذي تعرضت له بلاده، نظم العديد من القصائد والمجموعات الشعرية التي ينادي فيها بالحرية لوطنه”.
الياس فركوح يتحدث عن مشكلة الترجمة عن وسيط، وعن شعر تتصف لغته بالغموض وبالتباس تراكيبها، وحول عنوان الكتاب “النائم الحجري” أو “نائم الحجر” يقول إنه مستل من الموضوعة الرئيسة للكتاب التي تشير إلى “أن ضحايا وموتى الاضطهاد الديني الراقدين تحت شواهد القبور، سوف يُبعثون من جديد هازئين بقاتليهم قضاة محاكم التفتيش، وبالتالي فهم ليسوا نياما تحجروا (الحجارة ميتة إلى الأبد)، بل النيام تحت الحجارة وبينها ينتظرون ساعة قيامتهم ليستيقظوا”.
كتاب “النائم الحجري”، كما يرى بعض النقاد، شكل نقطة تحول في الشعر البوسني وجنوب السلاف في القرن العشرين، ظهرت الطبعة الأولى منه عام 1966، وقبل رحيل الشاعر قدم دزدار لإحدى دور النشر مخطوطة قصائد جديدة.
وعودة إلى “النائم الحجري” فهو يعالج حالة رجل مسيحي مؤمن بالكنيسة البوسنية المنشقة في العصور الوسطى، ففي هذا العمل يستعيد الشاعر صوت البوسنة عبر مئات السنين. الصوت الذي حُجب بالرموز المقدسة المنحوتة والمدونة في القرارات وسجلات التاريخ التي نجت من جميع محاولات تدميرها. لقد أُرسل صيادو المهرطقين والمنشقين لملاحقة هذا “الكريستياني” من قبل مؤسسة الكنيسة.
كما أن حارقي الكتب في زماننا هذا ليسوا وحدهم قوى الظلام ممن حاولوا خنق هذا الصوت. ولعلها ليست مصادفة أن يكون ماك، اسم دزدار الأدبي، يعني “الخشخاش”، رمز الأرض والنوم والموت، وحين نعكس حروف الاسم تصبح (كام) بمعنى حجر بلغة العصور الوسطى.
من قصائد الشاعر قصيدة بعنوان “المحارب بلا رغبة” يقول فيها:
عاش هذا الرأس العجوز عابرا حروبا كثيرة
من مرتفعات الشمال إلى شاطئ بحر الجنوب
والمجد كلله في كل مكان
إلى البوق ودوي الموسيقى الحربية
في معركة واحدة أصبت بجرحين
لكنهم عالجوا جروحي بعصارة الورد
إلى أن فقدت يدي اليمنى في معركة أخيرة
فتلاشت جميع أمجادي
والإطراءات علي في أيام دموية

اقرأ أيضا

«العرجون القديم» أطياف موازية للشخصيات