عبير زيتون (دبي)

أكد الدكتور حيدر قاسم مطر جابر التميمي أهمية جائزة الشيخ زايد للكتاب في دعم جهود الباحثين الشباب، خاصة في الدول العربية التي تعاني ويلات الحروب مثل العراق، مشدداً على دورها المعنوي المهم في إلهام طاقاتهم وحفز روح المثابرة والنهوض بقدراتهم العلمية والبحثية، لما تتمتع به الجائزة من سمعة علمية وحيادية وموضوعية تجعلها متفردة في رعايتها للطاقات الشبابية الزاخرة في العالم العربي.

المستشرقون وتاريخنا
وعن كتابه البحثي «علم الكلام الإسلامي في دراسات المستشرقين الألمان: يوسف فان أس أنموذجاً» المرشح ضمن القائمة القصيرة للجائزة - فرع المؤلف الشاب، قال د. حيدر قاسم رئيس قسم الدراسات التاريخية ونائب رئيس مجلس أمناء بيت الحكمة لشؤون البحث العلمي في العراق: حينما نتكلم بصورةٍ عامة حول الصفة الرئيسة التي اتسمت بها الدراسات الاستشراقية لموضوعات الإسلام والحضارة العربية المختلفة والمتنوعة، يمكن لنا القول إنَّ المستشرقين لطالما لفتوا انتباهنا إلى اهتمامهم الواضح بأدق مفاصل هذا التاريخ الطويل والمتشعب للأمة العربية الإسلامية، دارسين وباحثين في ثنايا موضوعاتهِ المختلفة، منقبين في صغائر الأمور قبل كبائرها، محاولين من خلال بحثهم الدؤوب هذا التوصل إلى نتائج، لطالما خفيت عن معظم علمائنا ومفكرينا في العالم العربي بصورةٍ عامة.
وبالتالي فإن موضوع علم الكلام الإسلامي الذي عبَّر إلى حدٍّ كبير عن أصالة المفكرين الإسلاميين، كان في مقدمة الموضوعات التي أثارت، وما زالت تثير انتباه الباحثين الغربيين، المتشوقين للتعرف على أسرار، وغوامض الدين الإسلامي بالنسبة إليهم. وخير مثالٍ على ذلك، البروفيسور «فان أس - Josef van Ess» في موسوعته التي كرسها لموضوعة علم الكلام الإسلامي، وما جاء فيها من قضايا وأحداثٍ هامة تصب في هذا المجال، على العكس مما نراه لدى الباحث العربي أو المسلم، الذي عدَّ هذهِ الموضوعات من المسلَّمات في دينه وعقيدتهِ التي تربى ونشأ عليها. من هنا تأتي أهمية هذه الدراسة البحثية العلمية المتخصصة.

علم الكلام والتجديد
وحول أهمية علم الكلام الإسلامي اليوم، كفرع من فروع المعرفة في تجديد الثقافة والفكرالإسلامي؟ أجاب: نعم، لأن علم الكلام الإسلامي، يعد المُعبِّر إلى حدٍّ كبير عن أصالة المفكرين الإسلاميين، وهو العِلمُ الأعلى، إذ تنتهي إليهِ العلوم الشرعيَّة كلَّها، ففي محاولةٍ للتحرّرِ من سطوة الطبيعيات والرؤية القديمة للعالَم، من خلال توظيف مكاسب العلوم والدراسات الإنسانية والرؤية الجديدة للعالم، وتبعاً لذلك يتحوّل منهجُ علم الكلام وبنيتُه، وتتبدّل كثيرٌ من مسائله، بل يحدث تحوّلٌ في طبيعة وظيفته، فبدلاً من انشغالِه في الدفاع عن العقائد، تصبح وظيفته الجديدة شرح وبيان وتحليل المعتقدات، والكشفُ عن بواعث الحاجة للدين، ومختلف الآثارالعملية لتمثلاته وتحولاته في حياة الفرد والجماعة، تبعاً لأنماط الثقافةِ وطبيعةِ العمران والاجتماعِ البشري.
وأضاف: بتعبير آخر، تنتقل مهمةُ علم الكلام من كونها أيديولوجية، تنطلق من مسلّماتٍ ثابتة، لا غرضَ لها سوى التدليلِ على المعتقدات، ونقضِ حجج الخصوم، إلى مهمةٍ معرفية لا تنشغل بنقض حجج الخصوم، بل يتمحور غرضُها حول تعريفِ المعتقدات وتوصيفِها وتحليلِها، بالاعتماد على الفلسفة والعلوم والمعارف الجديدة، والتعرّف على منابعِ إلهامِ المعتقدات، ومجالاتِ اشتغالها، وأشكالِ فعلها في سلوك الفرد والجماعة.

دواعي الدراسة
تثير دراسة علم الكلام الكثير من الأسئلة، ولكل باحث في اشتغاله على هذا العلم رسالة ما، وبسؤال صاحب كتابي «العلويون في المشرق الإسلامي - وبيت الحكمة العباسي» عن طبيعة الرسالة الفكرية التي يبحث وراءها أوضح:
نحاول في دراستنا هذهِ التعرض للتساؤل الذي طالما قُدِّم حول ماهيَّة الجدوى من متابعةِ الأبحاث في الاستشراق والاستشراق الألماني بخاصة ودراستهما، في الوقت الذي تعالت فيه بعض أصوات المُستشرقين ودارسي الاستشراق وما فتئت تؤكِّد نهاية هذا الحقل المعرفي المخصوص من المعرفةِ في العلوم الإنسانية والإجتماعية. رغم أنَّ دواعي متابعة هذهِ الدراسة وتلك الأبحاث ضمن هذهِ العلوم لم تنتفِ أبداً، بل على العكس من ذلك، فالحاجة إليها ما زالت قائمة، بقدر تنامي تمثُّلات الشرق العربي الإسلامي الغربية في الإصدارات الاستشراقية التي ما زالت تتوالى إلى حدِّ اليوم، مشكِّلةً بذلك التعرف الغربي الإنشائي إلى هذا الشرق أو خطابهِ عنه، الأمر الذي يستدعي ضرورة إعمال النظر النقدي في تاريخ الرؤية الغربية ومكوِّناتها الناظمة لها وفي ثوابتها، وكذا في أُسس منهج إنتاجها وآلياته المختلفة.

الكتاب: رحلة علمية متخصصة في الاستشراق الألماني
كتاب «علم الكلام الإسلامي في دراسات المستشرقين الألمان: يوسف فان أس أنموذجاً»، رحلة علمية متخصصة في علم الكلام الإسلامي ومفهوم الاستشراق يستعرض في المقدمة تعريفاً بكل منهما، وأهم التعاريف الخاصة بهما، بهدف الخروج إلى التعريف الأمثل مما اتفق عليه العلماء والمختصون في مجال عنصريْ الدراسة.
ويتكون الكتاب من أربعة فصول وملحقين وخاتمة، ولائحةٍ بالمصادر والمراجع المختلفة. وفصله الأول مخصص لدراسة علم الكلام الإسلامي، هذهِ الحركة الفكرية التي نشأت مع بدايات التاريخ الإسلامي، ومع نشوء الفِرَق الإسلامية واكتمال بناء آرائها العَقَدية التي ميَّزت الواحدة منها عن الأخرى. مع تبيان الأهمية التي يحتلها علم الكلام في الحياة الفكرية - العلمية الإسلامية. أمَّا الفصل الثاني، فينقسم إلى مبحثين: الأول محاولة لاستعراض أهمِّ محطَّات التطور الفكري في ألمانيا وأبرزها على مرِّ تاريخها الوسيط والحديث، هذهِ المسيرة العلمية - الفلسفية التي أنتجت لنا الفكر الاستشراقي لهذهِ المدرسة الرائدة. أمَّا المبحث الثاني، فيدرس الاستشراق الألماني وبداياتهِ وروافده ودور وأثر هذه البدايات والروافد الحاسم في تكوُّن تَصَوُّرات هذا الاستشراق عن الإسلام والمسلمين، وفي استمرارها ودَيمُومتها.
وخصص الباحث الفصل الثالث لبيان الجهود الكبيرة التي بذلها المُستشرقون الألمان في دراسة علم الكلام الإسلامي وأبرز ملامح المناهج العلمية التي اتبعوها في دراستهم الدين الإسلامي، لأهميتها في تقرير النتائج النهائية التي توصل إليها الباحثون في الدين الإسلامي من المُستشرقين. وذلك بعد أن أخضع الباحث آراء المُستشرقين الألمان للبحث والتحليل والموازنة بما جاء بهِ نظراؤهم من المدارس الاستشراقية الأخرى. أمَّا الفصل الرابع، والأخير، فقد كُرِّس للأنموذج الذي اعتمده الباحث والمؤلف في دراسته عن مدرسة الاستشراق الألمانية، وهو البروفيسور يوسف فان أس Josef van Ess، حيث استعرض آراءه في موضوع علم الكلام الإسلامي، وما جاء بهِ، في مؤلَّفاته العديدة، ومعالجته الفلسفية لكلٍّ من هذهِ الآراء وعمله على دراستها وتحليلها وفق القواعد المنهجية التي أرست أُسسها المدرسة التاريخية الألمانية، هذهِ المدرسة التاريخية العريقة التي تحظى بمكانةٍ مرموقة في الدراسات العربية - الإسلامية.

وظيفة جديدة
يرى الباحث الشاب د. حيدر قاسم التميمي أنه من خلال توظيف مكاسب العلوم والدراسات الإنسانية والرؤية الجديدة للعالم، يمكن أن يحدث تحوّلٌ في طبيعة وظيفة علم الكلام، وتنتقل مهمته من كونها أيديولوجية، لا غرض لها سوى التدليلِ على المعتقدات، ونقض حجج الخصوم، إلى مهمةٍ معرفية يتمحور غرضُها حول تعريفِ المعتقدات وتوصيفِها وتحليلِها.