تقارير

الاتحاد

في عهد «بانيتا»: الـ «سي.آي.إيه» عدائية!

في عملية من العمليات المعتادة في الحرب التي تشنها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ضد المتطرفين في باكستان والتي تستخدم القوات الأميركية فيها طائرات "بريداتور"من دون طيار لمهاجمة رجال "طالبان" و"القاعدة"، تمت مراقبة مجمع سكني كان من المتوقع أن يصل إليه زعيم "طالبان" خلال وقت قصير، غرض العملية كان إطلاق صاروخ بمجرد ظهور زعيم "طالبان" للقضاء عليه.

ففي صباح الخامس من أغسطس الماضي، تلقى "ليون بانيتا" مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إشارة مؤداها أن "بيت الله محسود" زعيم "طالبان" في باكستان كان على وشك الوصول إلى منزل صهره وأنه من المتوقع أن يجلس في الهواء الطلق بسبب حرارة الجو، وهو ما سيقلل من خطر سقوط مدنيين أثناء تنفيذ العملية. وبناء على هذه المعلومات، أصدر "بانيتا" أوامره بالمضي قدماً في تنفيذ الضربة - وفقا لضابط كبير من الاستخبارات قام بوصف تسلسل أحداث تلك العملية منذ بدايتها. بعد ذلك بساعات تعرف بعض موظفي "سي.آي.إيه" في مقر الوكالة في"لانجلي" على شخصية محسود في فيلم ملتقط بكاميرا طائرة "بريداتور"، ظهر فيه محسود جالساً على سطح منزل صهره قد تم توصيل جهاز حقن بجسمه للتخفيف من مشكلة في الكُلية كان معروفاً أنه يعاني منها.

اضطر "بانيتا"، الذي كان يحضر اجتماعاً في البيت الأبيض في ذلك الوقت إلى الانسحاب من ذلك الاجتماع عندما أخبره بعض مسؤولي الوكالة أن هناك أمراً مهماً ينبغي إحاطته علما به، وهو أن محسود ليس وحده على ظهر ذلك المنزل، بل معه زوجته أيضاً التي تقوم بتدليك جسمه. ونظراً لأن محسود المتورط في عدد من التفجيرات الانتحارية منها عملية اغتيال بينظير بوتو، كان هدفاً رئيسياً لا ينبغي تركه يفلت بحال، فإن "بانيتا" أصدر أوامره بالمضي قدماً في العملية وإطلاق النار عليه، وهو ما تم بالفعل، وترتب عليه قتل محسود وزوجته.

كان اختيار أوباما لبانيتا - وهو عضو كونجرس سابق، يتمتع بشخصية تلقائية ممتزجة بنوع من الذكاء الواشنطوني المصقول بدقة - لشغل منصب رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، مفاجئاً بالنسبة للكثيرين. ولكن الرجل خيب ظن الكثير من المتشككين، وقاد خلال الثلاثة عشر شهراً التي مضت على اختياره، وبلا هوادة سلسلة من الهجمات على ناشطي "القاعدة" و"طالبان، تنفيذاً لوعد أوباما باستهداف هؤلاء الناشطين على نحو أكثر جرأة وصرامة. فباستثناء الفترة القصيرة، التي قضاها "بانيتا" في خدمة الاستخبارات في ستينيات القرن الماضي، هناك القليل في سجل سيرته الشخصية مما يمكن أن يبرر اختياره، كي يكون المدير التاسع عشر لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. ومع ذلك ما حدث أن الرجل بفضل ما يتمتع به من إرادة، تمكن من كسب تأييد المتشككين داخل الوكالة وفي كابيتول هيل. ويعلق مسؤول كبير سابق في الوكالة على أسلوب عمل "بانيتا" في إدارة الوكالة بقوله:"لم أحس أبداً في أي وقت أنه يتهرب من المسؤولية أو يتجنبها".

وتوجيه ضربات كثيرة بطائرات من دون طيار، ومعارضة "بانيتا" للكشف عن المعلومات المتعلقة بالكيفية التي تمارس بها الوكالة استجواب المتهمين، ورفضه خضوع الوكالة لقدر أكبر من الإشراف من جانب مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، كانت جميعاً سبباً في انتقادات متكرره للرجل تتهمه بأنه خاضع للحرس القديم في الوكالة. وفي نفس الوقت، بدأت هجمات الطائرات من دون طيار تلقى المزيد من التدقيق والمراجعة، خصوصاً مع مطالبة جماعات الرصد والمراقبة بمعرفة المزيد من المعلومات عن الطرق، التي يتم بها تنفيذ تلك العمليات، والمنطق القانوني الذي تستند إليه.

في مقابلة أجريت معه خلال الآونة الأخيرة بمقر قيادة الوكالة، رفض "بانيتا" أن يتناول بشكل مباشر ضربات طائرات "بريداتور" تمشياً مع التقليد الذي تتبعه الوكالة، وهو حجب العمليات التي تقوم بها في باكستان عن أنظار الرأي العام، ولكنه أكد مع ذلك أن سياسات الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب في ذلك البلد قانونية وشديدة الفعالية، وأنه يعرف تماماً مدى جسامة مسؤولية بعض القرارات الملقاة على كاهله.
عقب قتل محسود تعهد أنصاره وحلفاؤهم التابعون لتنظيم "القاعدة" بالانتقام له. وخلال شهور وضعوا خطة نتج عنها في الثلاثين من ديسمبر الماضي تنفيذ عملية انتحارية، أدت إلى مقتل سبعة من ضباط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، بالإضافة لضابط استخبارات أردني وسائق أفغاني، وجرح عدد من الأفراد الآخرين وذلك في قاعدة تقع شرق أفغانستان.

أجرى "بانيتا" مراجعة داخلية للحادثة التي علق عليها السيناتور "ديان فينشتاين (ديمقراطي من كاليفورنيا) رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ الأميركي بقوله: "من الواضح أن الأصول المهنية السليمة لم تتبع وهو ما أتاح للمهاجمين تنفيذ تلك العملية"، وقال "فينشتاين" إن تقريراً مفصلاً سوف يصدر حول العملية.
وفي يوم الاثنين التالي لتنفيذ تلك العملية، بدأ الاجتماع المعتاد لأعضاء هيئة أركان "سي. آي. إيه"، والذي يبدأ في الثامنة والنصف صباحاً في مقر الوكالة بالوقوف دقيقة حداداً ترحماً على أرواح القتلى. وبعدها ألقى رئيس الوكالة "بانيتا" كلمة قال فيها وفقاً لأحد المشاركين في ذلك الاجتماع: نحن في حرب، وليس في مقدورنا أن نتردد. والحقيقة أننا نفعل الشيء الصائب، وأسلوبي في العمل خلال المرحلة القادمة هو المضي قدماً في تنفيذ تلك العمليات بشكل أكثر قوة وصرامة، حتى نتمكن من إلحاق الهزيمة بهؤلاء الأوغاد".

وعلق "جون أو برينيان" كبير مستشاري أوباما لشؤون مكافحة الإرهاب على الحادث وما قام به بانيتا، يحدث أن يتلقى العاملون في مكان ما ضربة مثل هذه في المعدة، قد تؤثر عليهم وعلى روحهم المعنوية، ولكن من المؤكد أن "بانيتا" قد أظهر قدرته القيادية من خلال مشاركته للعاملين في الوكالة وأسرهم في مصابهم عقب العملية ثم قيامه شخصياً بالإشراف على إجراءات الحداد".



بيتر فين وجوبي واريك
محللان سياسيان أميركيان

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست»

اقرأ أيضا