تقارير

الاتحاد

تحولات الهند تعرِّض النساء للمخاطر

ميراندا كنيدي
مؤلفة كتاب «نظرة جانبية من على مقعد دراجة بخارية... الحياة والحب في الهند»


على مدى عقدين ظل الغرب يشجع صعود الهند مدارج الرقي، بيد أن التغيرات الاقتصادية والسياسية التي حدثت في ذلك البلد، كانت سبباً في صدامات ثقافية جديدة، وهي دينامية ظهرت في أوضح صورها بعد الاختطاف والاغتصاب الوحشي لامرأة شابة في حافلة في نيودلهي الشهر الماضي.
من السهل إلقاء اللوم على الثقافة الرجعية المعادية للمرأة، لكن مما لا شك فيه أن التحولات السريعة جزء من القصة. ففي الهند الجديدة، والتي تغص بالحريات، ترك العديد من مواطنيها حياة القرية التقليدية، لكنهم لم يعثروا بعد على منظومة أخلاقية جديدة في المناطق الحضرية. وكنتيجة لذلك بات العنف الجنسي منتشراً على نطاق واسع.
وأنا واحدة من هؤلاء الغربيات المعجبات بالنمو السريع في الهند وحركيتها الاجتماعية النشطة. وقد عشت في نيودلهي عندما كنت أكتب تقارير صحيفة عن ذلك البلد وباقي بلاد جنوب آسيا خلال الفترة بين عامي 2002 و2007. خلال تلك الفترة كانت هناك المئات من حالات العنف غير الموثقة التي وقعت في العاصمة. وقد بينت الإحصائيات أن نيودلهي وحدها قد شهدت ربع حالات الاغتصاب التي سجلت في الهند خلال عام 2001 وفقاً للمكتب الوطني لسجلات الجريمة. وعندما كنت أعيش هناك كانت بعض السيدات الهنديات يأتين إلي ويحثنني بشكل متنظم على الانتقال بعيداً عن نيودلهي التي أطلقوا عليها عاصمة الاغتصاب في الهند، وكن يخبرنني عن قصص مروعة حول افتقاد المدينة للأمان.
وبالطبع لا يمتلك معظم سكان نيو دلهي رفاهية مغادرة المدينة، فضلا على أنهم لا يريدون ذلك في الأصل. ويشار هنا إلى أن عائلة ضحية الاغتصاب التي ماتت الأسبوع الماضي كانت قد انتقلت من قرية في ولاية «أوتار براديش»، وهي واحدة من أفقر الولايات في الهند، إلى العاصمة دلهي بحثاً عن حياة أفضل. وهذه العائلة المنكوبة وضعت آمالها في ابنتها وباعت أرضاً في القرية حتى تستكمل الفتاة تعليمها الجامعي في كلية الطب حيث تمكنت بجدها واجتهادها من التخرج والحصول على وظيفة أخصائية علاج طبيعي في مستشفى خاص في نيودلهي.
ودخول الهند للعالم الحديث أدى إلى نوع من اللبس والخلط حول الجنس والأخلاق والتقاليد، حيث يمكن القول إن كافة النظم والقوانين هناك باتت في حالة سيولة، وحيث لم يعد هناك أي أحد على يقين بشأن ما هو مقبول وما هو غير مقبول. فهناك المئات من قنوات التلفزيون، بعضها ديني يدعو إلى الفضائل والأخلاق، وبعضها متحرر يدعو إلى التحرر والانطلاق. وهذه القنوات تبث برامجها ليل نهار، وتؤثر على الناس بطرائق مختلفة. لم يكن هذا هو الواقع حتى جيل واحد سابق، حيث لم تكن هناك سوى قناة واحدة تابعة للحكومة، كما أن عدد الهنود الذين كانوا يسافرون خارج البلاد للسياحة أو العمل ويتفاعلون مع غير الهنود ويتأثرون بهم، أقل بكثير مما هو عليه الآن.
ومن سوء الحظ أن شرطة نيودلهي المشهورة بفسادها، سمحت بنمو وانتشار شعور مؤداه أن «كل شيء ممكن» في المدينة. وليس أدل على ذلك من الحافلة التي ظلت تسير في شوارع نيودلهي لمدة ساعة على الأقل، وظل الراكبون فيها يتناوبون على قيادتها حتى يتمكنوا من اغتصاب الفتاة المسكينة بالتناوب. والذي يدعو للدهشة البالغة أن تلك الحافلة مرت عبر عدة نقاط تفتيش للشرطة دون أن تلفت أوضاع من يستقلونها انتباه أحد.
ووفقاً للتحريات التي توصلت إليها الشرطة بشأن ما حدث في تلك الليلة، وحول المغتصبين، فإن الرجال الستة كانوا فقراء من المهاجرين إلى العاصمة نيودلهي من أقاليم هندية أخرى، ولم يكن أي منهم يمتلك سيارة بالطبع، وقد وجدوا فجأة حافلةً تحت إمرتهم يستطيعون التحرك بها بكل سهولة عبر شوارع العاصمة دون أن يعترضهم أحد.
وتشير الإحصائيات إلى أن جرائم الاغتصاب في الهند قد تضاعفت ست مرات، وهو معدل يفوق معدل زيادة أي نوع آخر من الجرائم في الهند وفقاً للمكتب الوطني لسجلات الجريمة. وبعض هذه الزيادة يرجع لحقيقة أن النساء بتن يشعرون بأنهن قد أصبحن أكثر تمكيناً مما كان عليه الحال من قبل، مما يجعلهن يتجرأن على الإبلاغ عن جرائم العنف الجنسي التي يتعرضن لها، رغم علمهن أن الاغتصاب يمكن أن يدمر فرصهن في الزواج ويلوث سمعة عائلاتهن.
وحتى رئيس الوزراء الهندي مان موهن سنج اعترف بالصراع بين عولمة الهند المتنامية بسرعة وبين ثقافتها التقليدية المتغيرة ببطء، قائلا إن «ظهور المرأة في الأماكن العامة الذي يعتبر جزءاً لا يتجزأ من عملية التحرر الاجتماعي، بات مصحوباً بتهديدات متنامية لسلامة النساء». ووعد «سنج» بالنظر إلى احتجاجات الشوارع التي وقعت منذ الهجوم على الفتاة الشابة على أنه يمثل دليلا «على أن الهند الفتية تستحق تغييراً حقيقياً».
وهناك تغيير واحد على الأقل سوف يأخذ مجراه بسرعة جراء هذا الحادث، ويتمثل في أنه قد تقررت محاكمة المغتصبين في محكمة شؤون مستعجلة جديدة تم تأسيسها خصيصاً لمعاجلة الجرائم التي تقع ضد النساء. ومن المأمول أن تتلو ذلك تغيرات أخرى وبنفس السرعة، دون أن يتطلب الأمر التضحية بواحدة أخرى من «بنات الهند»، وهو الاسم الذي ستعرف به دائماً الفتاة الشابة التي تعرضت للاغتصاب الجماعي منذ الآن.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا