أرشيف دنيا

الاتحاد

«ذاكرة الجسد» يدخل الثورة الجزائرية إلى المشهد الدرامي العربي

غلاف الرواية

غلاف الرواية

أودعت الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي روايتها الأشهر “ذاكرة الجسد” بين يدي المخرج نجدة أنزور والسيناريست ريم حنا لتحويلها إلى مسلسل بدأ تصويره في العشرية الأولى من الشهر الجاري، وفق مدير شراء البرامج العربية والمشرف على إنتاج الدراما في شركة أبوظبي للإعلام، مفيد الرفاعي الذي بين أنه تم اختيار جبال في سوريا لتكون محطة التصوير الأولى بدلاً من منطقة الجبال في الجزائر نظراً لوعورتها وصعوبة التصوير فيها.

وقال الرفاعي، في اتصال هاتفي أجرته معه “الاتحاد” إن التصوير سيتم في أكثر من دولة حيث سينتقل من سوريا إلى الجزائر ثم باريس ثم إسبانيا لينتهي أواخر يوليو ببيروت. وبين أن عرض المسلسل حصري على قناة أبوظبي الأولى، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن الشركة تدرس عروضاً قدمتها دول عربية للدخول كشريك في الإنتاج والبث، بيد أنه أكد أن أي قرار لم يتخذ بعد بهذا الشأن.
وكشف عن أن المسلسل سيترجم إلى اللغات الفرنسية والإنجليزية والإسبانية تمهيداً لبيعه إلى العالم عقب انتهاء عرضه في رمضان.

وفي مؤتمر صحفي عقدته إدارة قناة أبوظبي الأولى، في العاصمة اللبنانية بيروت مطلع الأسبوع الماضي للكشف عن أبطال المسلسل، بدت مستغانمي متوجسة وهي تشهد ابتعاث شخصياتها درامياً وتحويل صراعاتهم المكتوبة إلى مشاهد بصرية على الشاشة الفضية. إلا أنها استعانت بقدرتها الأدبية لتخط نصاً خاطبت به الصحفيين الحاضرين سيما وأنها باتت “في متناول أضوائهم” بعد طول تجنب.

وقالت مستغانمي في كلمة مكتوبة :”استغرقت في كتابة “ذاكرة الجسد” أربع سنوات ويبدو أنني سأقضي ما بقي من عمري أدافع عنها(...) كلما تركتها خلفي وجدتها أمامي”، واصفة قرارها بالسماح لأنزور وحنا باخترق كنه روايتها “الضنينة” بأنه “ليس خيانة للنص الأصلي”. وتابعت: “حتى الترجمة ليست سوى عطر الورد وليست الورد ذاته”، ملقية بمهمة استخراج شذى “ذاكرة الجسد” على عاتق أنزور، وفيما يبدو وداعاً لتخيلاتها الذاتية لشخوص روايتها خالد وحياة وزياد، قالت مستغانمي: “تساءلت أين يمضي الأبطال بحيواتهم عندما تنتهي الرواية؟ (...) يبدو أنه على الروائيين أن ينصرفوا لابتكار أبطال جدد يعيشون معهم لبعض الوقت”.

وأبدت الكاتبة، الحائزة جائزة نجيب محفوظ عام 1998، سعادتها لتبني تلفزيون أبوظبي مبادرة التعريف بالتاريخ الكفاحي للجزائر من خلال رواية بنيت أحداثها على مفاصل تاريخية اختزلت مسارات الثورة ضد الاحتلال الفرنسي. وقالت :”ستدخل الجزائر إلى كل البيوت العربية على صهوة ذاكرة الجسد”. وانبرت مستغانمي تدافع عن “مجازفة” تحويل النص الروائي إلى مشهد درامي مصور؛ فأشارت إلى أن “الرواية تجاوزت سن الخطر ووصلت إلى بر الأمان، وتوفرت لها شروط النجاح”، محيلة التحدي إلى المخرج، حين قالت :”ما الرواية إلا رفع الكذب إلى مستوى الأدب، ويبقى على المخرج أن يقنعنا بأداء الشخوص على الشاشة، وسأكون أول من يدهش لدى رؤية المسلسل”. وفي محاولة لإبراز إيمانها بقدرات أنزور، قالت: “هو ليس مطالبا بأن يكون من فصيلة حبري”، مانحة إياه حق التصرف بالشخوص والبناء الدرامي البصري بعدما نعمت بنجاح “ذاكرة الجسد” التي رفضت تحويلها إلى فيلم سينمائي عام 2001.
وتلقى المخرج السوري أنزور المسؤولية بصدر رحب، مشيراً إلى أنه أمام مهمة كبيرة تستدعي تكثيف جهوده الإبداعية لصناعة مشهد بصري درامي استناداً إلى رواية أدبية نصية. وقال، في المؤتمر ذاته: “أعد بتقديم مسلسل تلفزيوني مختلف وجديد على صعيد الصورة والعلاقات الدرامية”.

ولأنزور تجربة سابقة في مجال تحويل الروايات إلى مسلسلات حين أخرج مطلع تسعينيات القرن الماضي رواية الكاتب الكبير حنا مينا “نهاية رجل شجاع” مسلسلاً حصد إعجاب نقاد اعتبروا العمل انقلابا على الموازين الكلاسيكية للإخراج التلفزيوني.

واعتبرت السينارسيت ريم حنا إقدامها على تحويل متن “ذاكرة الجسد” إلى حوارات درامية “تجربة خطيرة”، غير أنها بررت موافقتها على الخوض فيها بذيوع صيت الرواية الذي أغواها بالإقدام، فضلاً عن إيمانها بقدرات الحامل الرئيسي للأحداث الممثل السوري جمال سليمان، الذي سيلعب دور بطل الرواية خالد بن طوبال.
ومضت إلى أنها ستغرف من “كنز لغة الرواية” لتحويلها إلى صراعات تلفزيونية مكتوبة بلغة عربية فصحى بعيدة عن التقعير، ومعشقة بمفردات جزائرية محكية وصفتها بـ”الحنونة”، محاولة تفصيل لغة على قياس تناقضات شخوص الرواية وتغيرات أحوالهم. ولم تخف حنا خشيتها من طرح عمل حديث يتناول شخصيات معاصرة تتحدث الفصحى غير أنها أوكلت الأمر لقدرة الممثلين ورؤية المخرج على جعل اللغة “غلالة شفافة” يرى من خلالها المتلقي تفاعلات الأحداث وصيروراتها دون توقف طويل عند لغة صانعيها.

وأثنى سليمان على انتقاء “العربية” لغة لحوار المسلسل، معتبراً أنه “خيار ذكي”. ومضى أنه ليس من الحكمة نقل النص المكتوب بالفصحى إلى لهجة محكية، مبرراً أن ذلك سينقص من قيمة الرواية الأدبية فضلاً عن أن اشتراك ممثلين من مختلف الجنسيات في العمل يحتم اختيار لغة يتقن الجميع لفظها. ولعل الأمر يحاكي مشهداً خطته مستغانمي في روايتها حين بررت حياة بطلة الرواية لبن طوبال استخدامها اللغة العربية في كتابة قصصها رغم أنها تعيش في باريس، قائلة: “العربية لغة قلبي، نحن نكتب باللغة التي نحس بها الأشياء”. ويشار إلى أن هذا العمل سيكون الرابع الذي يجمع سليمان وحنا إذ سبق وعملا معاً في ثلاثة أعمال درامية هي “الفصول الأربعة”، و”ذكريات الزمن القادم”، و”أحلام مؤجلة”.

وبين أنه انتظر طويلاً المشاركة في عمل بقامة “ذاكرة الجسد”، مشيراً إلى أن تميزها يخرج من عباءة الأدب ليحط في فضاء تقصي سيكولوجية رجل في منتصف العمر يمر بأزمة عاطفية، والإطلال من خلالها على دهاليز الثورة الجزائرية. ورأى سليمان أن الرواية لا تقف عند حدود علاقة الحب التي جمعت بين بطل الرواية وابنة مثله الجهادي الأعلى بل تتخطاها لتشرح مسار حرب التحرير وتداعيات كفاحها، منوهاً أن الرواية تحكي ظاهرياً سيرة أشخاص، ولكنها تنبش باطنياً في سيرة وطن.

والتقط سليمان، الذي اعتاد المشاركة بأعمال عربية آخرها المسلسل المصري “أفراح إبليس”، فكرة قولبة شخصية خالد الروائية في مواصفات محددة تمثل ذاته، معتبراً أنها “الصدمة” الأشد وقعاً على المشاهدين الذين طالما رسموا صورا مختلفة لأبطال رواية بيع منها نحو ثلاثة ملايين نسخة. ويبدو التحدي الأكبر في تجسيد شخصية خالد في كونه مبتور الذراع، وفي هذا السياق، قال الرفاعي إن خبراء في مجال الماكيير من كل من إيران وإنجلترا يعملون مع سليمان لإقناع المشاهد بإعاقته.

ووصفت الجزائرية أمل بشوشة، التي ستلعب دور حياة في المسلسل اختيارها للمشاركة بأنه فخر لها، واعدة المشاهدين ببذل قصارى جهدها لتكون على قدر المسؤولية سيما أنها تقف أمام “عمالقة” في عالم التمثيل.
وبينت أنها تحس برهبة كبيرة لخوضها التجربة, لكنها في الوقت ذاته مستعدة لذلك خصوصاً أنها راغبة في طرح قضية نضالية مغيبة عن الذاكرة العربية التلفزيونية وهي كفاح الشعب الجزائري لنيل استقلاله.
وكشفت بشوشة أن مستغانمي هي التي انتقتها لتمثيل حياة، بسبب “عدة نقاط تقاطع بين شخصيتها وشخصية حياة من بينها التاريخ الجهادي لعائلة بشوشة”. واستكمالاً لأجواء العمل الدرامي سيطعم المسلسل بمقاطع غنائية بصوت الفنانة جاهدة وهبي وألحان الموسيقى شربل روحانا الذي وضع موسيقى الشارة.

من جهته، تحفظ المدير التنفيذي للإذاعة والتلفزيون في شركة أبوظبي للإعلام كريم سركيس على ذكر رقم محدد لميزانية إنتاج العمل، مبينا أن المال ليس شرطا لتحقيق النجاح، لافتاً في الوقت نفسه إلى حيازة فيلم “خزانة الألم” على ست جوائز أوسكار رغم أن ميزانية إنتاجه، التي وصلت إلى 11 مليون دولار، تعد متواضعة جداً وفقاً لمعايير هوليوود خصوصا وأنه تفوق على “آفاتار” الفيلم المنافس الذي يعتبر أكثر الأفلام كلفة في تاريخ السينما حيث قدرت ميزانيته بنصف مليار دولار خصص منها 300 مليون للإنتاج، فيما أنفق الباقي على التسويق. وبين سركيس أن المسلسل سيصور بمشاركة طاقم كبير من الممثلين العرب في الأماكن الحقيقية لمجريات الرواية ومنها مدينتا قسنطينة والجزائر العاصمة، وغرناطة الإسبانية، وفرنسا، وبيروت، وتونس، وسوريا.

اقرأ أيضا