أرشيف دنيا

الاتحاد

باتريشيا ريسو تعرض دور المسلمين في تاريخ الملاحة البحرية بالمحيط الهندي

أحد مساجد الهند المطلة على المحيط حيث برع المسلمون في الملاحة

أحد مساجد الهند المطلة على المحيط حيث برع المسلمون في الملاحة

يركز كتاب “التجار والإيمان : ثقافة المسلمين وتجارتهم في المحيط الهندي”، للمؤلفة باتريشيا ريسو بشكل أساسي على نقاط التماس والالتقاء التي شهدها التاريخ الإسلامي وتاريخ المحيط الهندي. وأهم ما يتناوله الكتاب محاولة فهم الدور الذي لعبه المسلمون في تاريخ الملاحة البحرية في المحيط الهندي، وأثر ذلك على واقع القوى الإسلامية السياسية في المناطق غير الساحلية.


يبني كتاب “التجار والإيمان: ثقافة المسلمين وتجارتهم في المحيط الهندي”، للمؤلفة باتريشيا ريسو محاوره من خلال الإجابة على عدة تساؤلات تطرحها المؤلفة وتجيب عنها من خلال المناقشة والتحليل والتفسير والتنظير في أبواب الكتاب المختلفة، ومن هذه التساؤلات:
ما هي العلاقات التي كانت قائمة بين كل من آسيا الساحلية والامبراطوريات القائمة على أراضيها؟ وكيف يمكن شرحها بطريقة سليمة الدور الذي لعبه الأوروبيون الغربيون في منطقة المحيط الهندي، وخصوصاً ما يتعلق بالمسلمين، وما الأثر الذي تركه التاجر المسلم؟

نظرة دنيوية
على الرغم من التركيز التي أولته ريسو لتاريخ الملاحة البحرية في المحيط الهندي، إلا أن هناك عدداً من القضايا المهمة تناولتها صفحات الكتاب بالتحليل والتفسير، والمتعلقة في مجملها بدراسة العلاقة القائمة بين المسلمين والعرب والأوروبيين أيديولوجياً وثقافياً واقتصادياً.
تقول ريسو إن المؤرخين اختلفوا منذ زمن طويل حول إمكانية اشتراك المناطق التي سبق وأن قطنتها غالبية مسلمة بالموروث الحضاري بحيث يمكن إطلاق صفة “إسلامية” عليها، كما دار الجدل بينهم أيضاً حول استخدام اصطلاح “الحضارة الإسلامية” بطريقة سطحية كتفسير للأنماط والنماذج التاريخية.
وفي حين يستمر الجدل يمكن القول إن كثيراً من المراقبين على امتداد التاريخ، قد رأوا أن الإسلام الصحيح يحمل كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية، وانطلاقاً من هذه الرؤية المثالية فإن الإسلام يقدم رؤية شاملة للحياة تتضمن بسهولة ويسر كل المكونات المختلفة لتأريخ الملاحة البحرية.
وتشير ريسو إلى أن هذه النظرية الدنيوية قد تبدو غريبة لمن لا يعرف طبيعة الدين الإسلامي، خاصة وأن المفهوم أو التصور المسيحي للذات يتجسد في كل جانب من جوانب الحياة، لكن في إطار عقائدي يتم فيه المحافظة على التفريق والتمييز بين ما هو روحاني وما هو دنيوي.
ولا تتطلب المحافظة على هذا التفريق والتمييز سلوكاً أخلاقياً دنيوياً فحسب، كما هو الحال في الإسلام، بل يتطلب ذلك أيضاً قدراً من العزلة والانقطاع عن الحياة، والتي لا يقرها الإسلام باستثناء ما يظهر على ممارسات بعض الجماعات الصوفية.

حملات تبشيرية
تلفت ريسو إلى أن الدين يقدم كلاً من الحافز الضروري والشعور بالهوية للأوروبيين في آسيا، غير أن نقاشاً حول وضع المسيحيين على وجه التحديد في منطقة المحيط الهندي سوف يتمحور حول التجمعات السكانية الصغيرة، والتي بدأت عن طريق الحملات التبشيرية الأوروبية المتخصصة، ولن يكون لهذا النقاش أي ارتباط بالتجارة. ولم تكن مصالح المبشرين في الحقيقة تختلف عن مصالح الشركات التجارية الأوروبية فحسب، بل كانت تتعارض معها. وحاولت الجهة التي كانت لها صلاحيات الحكم والسيطرة جاهدة استبعاد المبشرين من الهند، لأنهم كانوا يمثلون جهة لا تحظى بالترحاب والقبول كونها تعمل على تصعيد التصادم الثقافي. أما على الصعيد الإسلامي فقد كان التجار بمثابة دعاة إلى الدين أو أنهم كانوا يصطحبون معهم دعاة ووعاظاً.
وفي ذات السياق كان للتجار المتميزين وعائلاتهم الدور الأكبر في تأسيس الحكومات الساحلية في جنوب آسيا وجنوب شرق ؟؟؟ وفي شرق أفريقيا، وكان يطلق على هذه الحكومات على الأقل صفة “إسلامية” ولو بشكل صوري، لأنها كانت تقوم بممارسات اعتيادية مخالفة لقواعد ومبادئ الإسلام، ومع ذلك فإن التوسع الإسلامي أدى في مرحلته الأولى إلى جلب وتكريس الثقافة الإسلامية السامية وزرع بذور التحول إلى الإسلام (الأسلمة)، حيث أدت هذه العملية إلى الربط بين الهوية الإسلامية والتجارة.

إمارة “السونج”
تعرج المؤلفة على توسع المسلمين في آسيا خلال القرنين السابع والثامن عشر، وهي الفترة التي شهدت بدء ظهور الإسلام وتطوره وتوسع رقعته قائلة: إن القرون الإسلامية الأولى في الفترة من القرن الثامن إلى الحادي عشر تمثل العصر الذهبي للإسلام، كما أن لكل من عاملي التوسع والتجارة أهمية كبيرة في بروز الصورة المشرقة، ولم يكن للمسلمين أثر بالغ على الأرض الواسعة التي يسيطرون عليها فحسب، بل تعدى ذلك إلى حوض البحر المتوسط وعلى امتداد سواحل المحيط الهندي.
وتؤكد أن هناك عوامل من خارج نطاق العالم الإسلامي أدت إلى خلق فرص عديدة ساعدت على شرح هذه الظاهرة المرتبطة بالمحيطات والبحار، فعلى سبيل المثال نجد أن التوسع الاقتصادي للصين خلال عهد إمارة السونج (SONG) قد وصل أثرها إلى منطقة الشرق الأوسط، لكن هناك عوامل داخلية مرتبطة بالعالم الإسلامي قد أسهمت في نجاح المسلمين على امتداد البحار والمحيطات، وهو ما يستدعي النظر بتمعن وروية إلى نشأة وتطور وتوسع الإسلام.
ثم تنتقل ريسو إلى فترة بالغة الأهمية في تاريخ الملاحة البحرية الخاص بالمسلمين وهي الممتدة من القرن الحادي عشر وحتى الخامس عشر، مشيرة إلى أن هذا التاريخ يبدو للوهلة الأولى وكأنه يتحدى التاريخ السياسي المرتبط بشكل كبير باليابسة، ذلك لأن خرائط ورسومات الامبراطوريات عبر التاريخ تبين أمرين بارزين وهما: قلة الاهتمام بشؤون الملاحة البحرية والترابط المهم بين البحر واليابسة. على الجانب الآخر بدا لافتاً توسع المسلمين في تجارتهم البحرية ومجتمعهم في آسيا ونتج ذلك من خلال عدد من الطرق وهي:
1 - التجار المسلمون الأجانب حصلوا على امتيازات في موانئ الصين تحت حكم العهد الأول لمملكة ياون.
2 - تغيير التجار المشتغلين لمواقعهم حيث ابتعدوا مسافات بعيدة عن مراكز النفوذ الإسلامية وأسسوا شبكاتهم التجارية فيما بينهم.
3 - مدن الموانئ التي كانت تقع تحت سيطرة المسلمين، وضعت سياسات كان الهدف منها تشجيع التجارة الإقليمية والسيطرة عليها.

تأثيرات ثانوية
تعرض ريسو العلاقة الأيديولوجية بين المسلمين العرب والآسيويين والأوروبيين في الفترة من 1500 وحتى 1880 تقريباً، حيث أثارت فترة التاريخ الآسيوي في تلك الحقبة جدلاً مثيراً للاهتمام يتركز معظمه حول مسألة الأيديولوجيا، وفي ذات الوقت بدأ الأوروبيون في الظهور ولكن قبل أن يشتد عودهم ويقوى نفوذهم. وهذا الجدل الأيديولوجي لعب دوراً في الوصول إلى النتيجة الطيبة المتمثلة في طرح بعض القضايا وتدوين بعض المعلومات القيمة والتي ما كانت لتظهر لو لم يتم ذلك الجدل والنقاش. ولا يوجه عادة هذا الجدل والنقاش نحو آسيا بالتحديد، لكنه يشمل المسلمين ويستوعبهم في سياق بالغ الأهمية بالنسبة لهم.
ولذلك تسعى ريسو إلى معرفة الإسهامات والمخرجات التي ستنبثق عن مثل هذه النقاشات العملية المنهجية، وهذا بدوره سوف يعزز من فهم دور المسلمين في تاريخ المحيط الهندي.
وفي هذا الإطار، تستند المؤلفة في دراستها إلى إحدى الكتب التي صدرت عام 1974 بعنوان “ثورة التجارة الآسيوية في القرن السابع عشر : شركات الهند الشرعية وسقوط طرق القوافل التجارية” للكاتب الدنماركي ستينسجا آرد.
والكتاب يمثل مرحلة تاريخية مهمة، وهي بالتحديد مرحلة الوجود الأوروبي في التجارة الآسيوية والتي يمكن اعتبارها حدثاً كبيراً بدأ في الظهور أوائل القرن السادس عشر (1620)، حيث تبنت الشركات الإنجليزية والهولندية في الهند الشرقية طرقاً ونظماً إدارية فاعلة مكنتها من جذب قدر كاف من التجارة وتحويلها إلى البحر بدلاً من البر، وأدى هذا إلى تعطيل التجارة الآسيوية من المناطق البعيدة عبر الطرق البحرية بشكل كبير مع وجود تأثيرات ثانوية على الطرق المحلية والإقليمية.

حروب الإسلام
تتناول ريسو تأثير الإمبراطوريات الحديثة الناشئة في تلك الفترة الزمنية على الوضع الملاحي الآسيوي، ومن هذه الامبراطوريات؛ العثمانيون - الصفويون (الذين تولدوا من رحم الدولة التركية العسكرية التي سادت الشمال الغربي لإيران في نهاية القرن السادس عشر) - المغول (الذين ظهروا في شمال الهند في الفترة من 1526 و 1556) - الصين، وهي إحدى الإمبراطوريات المهمة التي لها علاقة بالملاحة البحرية خلال هذا العهد، حيث عمدت هذه الإمبراطورية إلى مواجهة وتحدي الصورة الانعزالية المرسومة في أذهان الآخرين عنها.

وتعود المؤلفة لتلقي نظرة عامة على تجارة المسلمين والآسيويين في تلك الفترة، مشيرة إلى أن هناك ثمة دليل على وجود تجارة متقدمة متنامية كانت سائدة من خلال وجود أنواع مختلفة من الشراكة التجارية والأوراق التجارية (الكمبيالات) والتي أوجدت طرقاً معينة للائتمان، حيث تحايل الصرافون أو المقرضون المسلمون على القيود المفروضة شرعاً على الفائدة واستمروا في تقديم خدمات مصرفية، كما كان سائداً منذ العهود الإسلامية الأولى.
وخلال هذا العهد حدث وأن توسع المسلمون سياسياً، ما ربط بعض مناطق الإنتاج وضرائب المحاصيل الزراعية بشركات الملاحة البحرية، وفي عام 1605 اعتنق الإسلام حكام ميناء ماكاسار الواقع بالقرب من الطرف الجنوبي الغربي لجزيرة سيليبس الكبرى، ثم شرعوا في حملات بحرية متفرقة خلال خمس وثلاثين سنة، حيث سميت هذه الفترة بـ”حروب الإسلام”. كما أن ثمة مجالاً للنقاش والجدل يرتبط تحديداً بدور الإسلام في التجارة البحرية الآسيوية تخلص منه الكاتبة إلى أن مجموعات التجارة الإسلامية الناشئة على السواحل الآسيوية كان لها دور إيجابي وآخر سلبي، فعلى الرغم من حالة الرواج التجاري والازدهار التي أحدثوها في تلك المناطق، إلا أن هناك جانباً سلبياً ظهر في بعض الوقائع، خاصة عبر الصراعات والمواجهات بين المسلمين والهندوس.

رؤى متباينة
تدلف ريسو إلى تناول وجود الأوروبيون في آسيا والذي بدأ في نهاية القرن السادس عشر، حيث كانت هناك أربعة أنظمة للحكم قوية وباسطة نفوذها على المناطق الداخلية بعيداً عن السواحل في آسيا وهي المينح في الصين، المغول في الهند، الصفويون في إيران، وأخيراً الإمبراطورية العثمانية، علماً بأن الأنظمة الثلاثة الأخيرة كانت غالبيتها مسلمة، وكان الأوروبيون يرون أن التوسع العثماني الإسلامي الذي تحركه العاطفة الدينية يشكل تهديداً عسكرياً وثقافياً لقلب أوروبا، وكان للإيبيريين ذكريات وتاريخ مع الغزو الإسلامي واحتلاله الذي ظل لقرون طويلة انتهى في عام 1492، وقد صبغ هذا التصور حول المسلمين وشكل وجهة نظر الأوروبيين الذين أبحروا باتجاه المياه الآسيوية.

وبحلول منتصف القرن التاسع عشر كانت الرؤى والتصورات متباينة بشكل كبير، فقد أجبر الكينج - خلفاء مملكة المينج الصينية - على فتح العديد من موانئهم أمام التجارة الغربية، ثم بدأ الأوروبيون بعد ذلك في التأثير الاقتصادي والثقافي على بعض المناطق الساحلية الصينية، وكان الصفويون قد ولّوا وانتهى عهدهم منذ أمد بعيد وخلفهم بعد ذلك نظام حكم القاجار. وكان آخر شاه مغولي صوري قد فقد حقوق التقاعد التي كان يتقاضها من شركة الهند الشرقية في عام 1885.

أما الإمارات الصغيرة، فكانت غير قادرة على مقاومة ورفض ضمها إلى الهند البريطانية، وكان العثمانيون يمثلون آخر امبراطورية إسلامية متماسكة، ومع ذلك، فإن عام 1850 يحمل ظهوراً لافتاً للقوة العسكرية السياسية للأوروبيين وباتت تشكل تهديداً واضحاً، وكان نظام عالمي اقتصادي ينطلق من أوروبا في ذلك الوقت أمراً دقيقاً رائعاً، لكنه كان يمثل تحدياً جسيماً وعميقاً. ومع الوجود الأوروبي المتزايد في السواحل الآسيوية، تنتقل بنا الكاتبة عبر الأوجه المختلفة لهذا الوجود، إلى أن تعود بنا مرة أخرى في نهاية الكتاب لمناقشة التفسيرات المختلفة للعهد الإسلامي في المحيط الهندي، ومنه علاقة المسلمين هناك بالقوى الأوروبية الوافدة، كما تتحدث عن الفرق أو الأثر الذي تركه التاجر المسلم في تلك المناطق، وكذا الدور الذي لعبه الإسلام حين كانت الملاحة البحرية في أوج قوتها؟ وعلام استند تفوق المسلمين في مجال الملاحة البحرية الذي ترك أثراً واضحاً في تاريخ هذا المكان من العالم.

مكانة مرموقة
“لقد اكتسب البحارة المسلمون مكانة مرموقة في الهند الغربية خلال القرن الحادي عشر وحتى الخامس عشر، ولم تتم ولم تزدد مجتمعات وتجمعات التجار المسلمين من خلال التكاثر الطبيعي، أو أعداد المعتنقين للإسلام أو حتى عن طريق الهجرات الجديدة فحسب، بل إن هذه المجتمعات نفسها شاركت أيضاً في عملية التوسع داخل شرق أفريقيا وجنوب غرب آسيا. وبقيت هذه المجتمعات محتفظة بخصوصيتها الثقافية والسياسية في نطاق سلطنة دلهي”.

الأسطورة والوهم
لقد رأى أحد علماء تاريخ جنوب شرق آسيا أن الصراعات والتنافس بين الموانئ الإسلامية تشير إلى أن مفهوم التضامن الإسلامي في مجال التجارة هو مجرد أسطورة ووهم. ومثّل لذلك بالعداء الذي كان قائماً بين الموانئ الإسلامية في القرن السادس عشر، كالذي حدث بين مينائي آتشيه (إندونيسيا) وجوهور (ماليزيا). وهناك أمر لا يمكن إغفاله في خضم هذا الجدل يتمثل في أن الفائز أو الرابح كان دائماً طرفاً مسلماً، وحتى الخاسر فقد ظل جزءاً من شبكة التجارة الإسلامية. فعندما فازت آتشيه وتفوقت إقليمياً بعد سقوط ملاكا على أيدي البرتغاليين في 1511، كان بإمكان أي تاجر بمفرده أن يمكث في إحدى الموانئ الثانوية مثل جوهور أو الانتقال إلى آتشيه.

اقرأ أيضا