الاتحاد

ألوان

المسلمون فـــي الغرب.. سفراء فوق العادة

حسام محمد (القاهرة)

في ظل تنامي ظاهرة العمليات الإرهابية في الغرب، وانضمام عشرات الشباب المسلمين للجماعات التكفيرية والإرهابية، توجهت أصابع الاتهام الغربية إلى الأقليات المسلمة في الغرب بأنها أصبحت مفرخة للتطرف والتشدد والإرهاب، وهو ما جعل علماء الدين يطالبون الجاليات المسلمة بالعمل على تسريع وتيرة الإندماج الواعي أو الذكي في المجتمعات التي يعيشون فيها ويكونون سفراء فوق العادة، يقدمون الصورة الصحيحة عن الدين الحنيف وحتى لا يتم اتهامهم بالتشدد وحتى لا ينشأ الشباب المسلم المولود في الغرب على الانعزالية والانغلاق ما يؤدي إلى الوقوع في براثن جماعات العنف.
يقول د. حامد أبو طالب، العميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر: إن شريعة الإسلام جاءت حاكمة ومنظمة لحياة المسلمين في كل ظرف زماني ومكاني وفي كل الأحوال التي يكونون عليها والأقليات المسلمة في المجتمعات غير المسلمة يكون أمامها إما الذوبان والانصهار في تلك المجتمعات، وذلك بأن تفقد هويتها، وتصبح جزءاً من نسيج الدولة التي عاشت فيها، وهذا طبعاً مرفوض، والخيار الثاني هو أن تقوم بالتقوقع والانكفاء على الذات وتبالغ في العزلة عما حولها، وهو أمر يرفضه الإسلام، خاصة أنه دين حث على التعارف، حيث يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، «سورة الحجرات: الآية 13»، وهو ما يعني أن المسلم والجاليات في بلاد الغرب والبلاد غير المسلمة بشكل عام عليهم التعايش مع المجتمعات التي يعيشون فيها والاندماج الواعي، وهذا هو الخيار السليم والصحيح، والتأكيد أن من الضروري أن يكون تعايشاً واندماجاً واعياً بحيث يفهم المسلم الذي يعيش في دولة غير مسلمة أنه مواطن في تلك الدولة له حقوق وعليه واجبات، ومن مكارم الدين الإسلامي أنه حث المسلم على التعاون مع غيره سواء كان مسلماً أو غير مسلم.
ويؤكد د. أبو طالب: من الممكن أن يندمج المسلم في المجتمع الغربي بشكل منضبط من خلال تشكيل جمعيات ومؤسسات دينية مسلمة في البلاد الغربية، تحرص على تنظيم ندوات تثقيفية تحافظ على هوية المسلمين من الذوبان وتحصنهم من تغريبهم عن دينهم، وفي الوقت نفسه على تلك الجمعيات الناطقة باسم المسلمين أن ترسخ لفكر فقه الأقليات، وهو مجموعة من الأهداف والمقاصد التي يسعى إلى تحقيقها في إطار أحكام الشريعة وقواعدها ومن دون الخروج عنها، ومن شأنه مساعدة الأقليات المسلمة على تحقيق المرونة والانفتاح المنضبط، حتى لا تنكمش وتتقوقع على ذاتها وتنعزل عن مجتمعها، بل تتفاعل معه تفاعلاً إيجابياً تعطيه أفضل ما عندها، وتأخذ منه أفضل ما عنده على بينة وبصيرة، وبذلك تحقق المجموعة الإسلامية هذه المعادلة الصعبة، محافظة بلا انغلاق واندماج بلا ذوبان، كذلك مساعدتها على أن تعيش بإسلامها، بلا حرج في الدين ولا إرهاق في الدنيا، كما أنه يساعدها على المحافظة على جوهر الشخصية الإسلامية المتميزة بعقائدها وشعائرها وقيمها وأخلاقها وآدابها ومفاهيمها المشتركة.

التوافق
ويقول الدكتور محمد رأفت عثمان، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر وعضو مجمع فقهاء الشريعة بأميركا: ما يحدث على الساحة العالمية والاتهامات التي يوجهها الغرب دائماً إلى الإسلام والمسلمين، وبشكل خاص إلى الجاليات المسلمة في الغرب، تلزم الجميع بأهمية تفعيل مفهوم الاندماج الذكي للأقليات المسلمة في البلاد غير المسلمة، فمشكلة تطرف القلة من أبناء الجاليات المسلمة في الغرب حدثت بسبب تقوقع تلك الجاليات على نفسها بشكل مبالغ فيه، ولهذا تنظر لهم الشعوب التي يعيشون في وسطها اليوم نظرة عداء، والحل الوحيد لإنهاء العداء المتصاعد ضد الوجود الإسلامي في الغرب هو اندماج الأقليات اندماجاً واعياً بحيث يدرك كل مسلم في العواصم المختلفة أن عدم الاندماج يعني في المقابل الانعزال والاغتراب عن المجتمع الذي يعيش فيه، والمطلوب من الأقليات المسلمة في كل دول العالم التي لا تدين بالإسلام، فعليها أن تندمج في مجتمعاتها الجديدة، من دون الذوبان والتخلي عن الخصوصيات الدينية والثقافية، والاندماج المطلوب في المجتمعات الجديدة لا يساوي الذوبان أو إخفاء الخصائص الثقافية للمسلم، وإنما يعني التماسك والتداخل مع المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه والتفاعل مع قضايا هذا المجتمع المختلفة، وهو أمر لا يخالف الإسلام وأحكامه، بل إن الدين حث المسلمين علي التعايش مع غيرهم والتعامل معهم، فإذا كان الإسلام قد أحل للمسلم طعام غير المسلم في قوله تعالى: (... وطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ...)، «سورة المائدة: الآية 5»، فما بالنا بالتعامل معهم والاختلاط بهم في مجتمعاتهم لإظهار سماحة الإسلام ورحمته وعدله ووسطيته.
يضيف د. عثمان: أن ما يتيحه فقه الاختلاف بين البشر من سنن الله في خلقه والإسلام يدعو إلى التعارف والتعاون والتعايش مع احترام الخصوصيات الدينية والثقافية لجميع الشعوب والحضارات، ومن هنا فلا مانع شرعاً أن يسعى المسلم في الغرب، بل مطلوب منه السعي إلى المشاركة في النشاطات الاجتماعية وعضوية الأحزاب والمنظمات الحكومية السياسية والإلمام بقوانين وأعراف بلد المهجر، وهذا هو الاندماج الذي نريده ونؤسس له، يحافظ على الهوية، ويصون الكرامة، وعلى المسلم في الغرب أن يثبت للجميع عظمة الشريعة التي يدين بدينها، وعلى المؤسسات الإسلامية أن تعمل على المحافظة على الهوية الدينية من خلال مؤسسات ثقافية تعمل على صياغة الوعي الصحيح وطرح مشاريع مشتركة مع الآخر بحيث يتم الحرص على إيجاد الشخصية المتوازنة لنصل إلى تحرير المجتمعات غير المسلمة من الخوف.

فقه الإندماج
ويقول الدكتور أولاد عبد الله المرزوقي، أمين الكونجرس الإسلامي بهولندا وإمام المسجد الكبير بأمستردام: نحن كجاليات مسلمة في الغرب في حاجة ماسة إلى نشر فقه الأقليات في أوساط كل المسلمين الذين يقيمون في مجتمع غير مسلم، على أن يكون مدخلاً للتعاطي مع ما يدور في المجتمع الذي يعيشون فيه، وفي الوقت نفسه يحافظون على قيم وتعاليم الإسلام وثوابته الواردة في القرآن والسنة النبوية المطهرة، لهذا فإنني أرى أن فقه الأقليات لا بد أن يحمل معه اسم فقه الاندماج فلا بد أن يسمع المسلمون في الغرب آراء علماء الأمة الكبار، وهم يؤكدون أهمية الاندماج الواعي والذكي حتى لا نمنح الفرصة للتكفيريين الذين شوهوا تعاليم الإسلام الخاصة بالتعارف بين الناس والتآلف في الإنسانية، وأخذوا يطالبون الأقليات المسلمة في الغرب باعتبار المجتمعات التي يعيشون فيها كافرة ليتحول المسلم شيئاً فشيئاً لكائن انعزالي، يرفض المجتمع الذي يعيش فيه، وهو أمر يقود إلى التشدد.
ويضيف: أذكر أنه في سويسرا على سبيل المثال، تعرضت الجالية المسلمة لقضية الإساءة للرسول بطريقة ذكية، حيث حرصوا على الظهور في وسائل الإعلام، ليؤكدوا أنهم يعيشون في المجتمع السويسري، ويحافظون على مقدراته، ويلتزمون بقوانينه، ويحبون البلاد حباً مماثلاً لحب كل مواطن سويسري، ولكنهم يدينون بالإسلام، ومثلما يرفضون أن يسيء أحدهم لسويسرا كوطن يعيشون فيه، فإنه يسوءُهم أن تتم الإساءة للإسلام، وقبل أن تنتهي الحملة الإيجابية التي بدأها المسلمون هناك كان الرأي العام السويسري غير المسلم يؤيد مطالب المسلمين، وتوقفت الإساءات على الفور، وهو ما يعني أن الاندماج الذكي والإيجابي لن يؤدي فقط لحماية المسلم من التمييز أو الانعزال عن المجتمع الذي يعيش فيه فحسب، بل سيمكنه أيضاً من الحفاظ على دينه.

اقرأ أيضا

ترامب يوقع أمراً تنفيذياً لدعم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي