أرشيف دنيا

الاتحاد

شويبل.. السياسي الألماني الذي قهر الإعاقة

الوزير خلال احدى جولاته

الوزير خلال احدى جولاته

حول الطّاولة الكبيرة، بيضاويّة الشّكل والّتي يتجمع حولها الوزراء الألمان عند عقد اجتماعهم الدوري، ترك مكانا واحدا شاغرا، ولقد تركه المشرف على البروتوكول - عمدا ـ شاغراً ليتمكّن فولفانج شويبل (68 عاماً) وزير الماليّة الألماني من وضع كرسيّه المتحرّك.

إنّه وزير معوّق، وكثيراً ما أثارت الصّحافة الألمانيّة نقاشاً حول إمكانيّة رجل فقد القدرة على المشي على رجليه من الاضطلاع بمهمّة وزير في ألمانيا، ولكنّ الرّجل لا يتحرّج إطلاقاً لمثل هذا النّقاش ويقول: «إنّه نقاش مهم، وكنت سأسأل أنا نفسي مثل تلك الأسئلة الّتي يثيرها الإعلام اليوم حولي قبل الحادث الّذي أقعدني»، إنّه يتحدّث من دون عقد أو حرج.

يوم 12 أكتوبر 1990 حصلت المأساة، كان الرّجل يومها وزيراً للدّاخليّة، وهو الّذي أعد وحرّر وثيقة المعاهدة الخاصّة لتوحيد جزئي ألمانيا، وهي اتّفاقيّة معقّدة ولم يكن من اليسير والهيّن إعدادها، حتّى أنّه أطلق على الرّجل لقب «مهندس الوحدة». كان الوزير يخطب في اجتماع شعبيّ عندما أطلق عليه أحد الحضور (تبين انه مختل) ثلاث رصاصات من مسدّس، أصابت إحداها نخاعه الشوكي وسقط أرضاً.

وهكذا أصبح هذا السّياسيّ الطّموح، وهو رياضيّ ومحب للتنّس، معاقاً إلى الأبد، وعندما أشارت عليه زوجته، وهي رئيسة منظّمة لمقاومة المجاعة، بترك السّياسة بعد الحادث فإنّه ـ وهو المحبّ لزوجته الّتي أنجب منها أربعة أطفال ـ لم يرق له حديثها، فالسّياسة هي حبّه الأكبر. فقد انتخب عام 1972 نائباً في البرلمان الألماني، ومنذ ذلك التّاريخ لم يغادر يوماً البرلمان وأعيد دائماً انتخابه، وقد ضرب الرّقم القياسي في عدد المرات الّتي انتخب فيها حتى اليوم في «البوندستاج» (البرلمان) حتّى أنّه وصف بـ«الصّخرة» وسط المياه المتلاطمة، فقد صمد أمام كلّ العواصف والأنواء الّتي هزّت البرلمان الألماني على امتداد الأربعين عاماً الأخيرة! ولكن مسيرة هذا الرّجل السّياسيّة لم تكن دائماً مفروشة بالورود، فقد عرف الهزائم والطّعن في الظّهر، والخيانة وحتّى الإهانات ولكنّه صمد وكان العضد الأيمن لهيلموت كول.

وولفغانج شويل رجل حاد الذّكاء وصارم ومعروف عنه مساندته للحوار بين الأديان، وهو ينتمي الى الحزب المسيحي الديمقراطي ودعا الى الاعتراف رسمياً- في المانيا- بالدين الإسلامي، وهو الّذي كان في حقيقة الأمر، يسيّر في الظلّ ألمانيا طيلة السّتة عشر عاما الّتي تولى فيها هلموت كول الحكم، وعندما عرف الوزير بعض المصاعب فإنّ كول لم يمدّ له يد المساعدة وتجاهله وتنكّر لكلّ الخدمات الجليلة الّي قدّمها له وحتّى عندما تعرّض للاعتداء الآثم فإنّ «كول» لم يعتن به. واليوم فإنّ الوزير هو أحد أشهر رجال السياسة في ألمانيا وأكثرهم تأثيراً ويتولى في حكومة إنجيلا ميركل منصب وزير المالية وطوى إلى الأبد صفحة صداقته مع المستشار السّابق كول. لقد كلّفته ميركل، بعد وصولها إلى الحكم بوزارة الدّاخليّة، وهي المهمة الّتي اضطلع بها طيلة أربعة أعوام، وكان وزيراً حازماً صارماً شديداً، الكل يحترمه ولكن اليساريين لا يكنون له أي حب. وبعد إعادة انتخاب ميركل الخريف الماضي فإنّها أوكلت له وزارة الماليّة في هذا الظّرف الاقتصادي الصّعب الدقيق. وقد رغب الرّجل في أنّ يصبح عمدة برلين أو أنّ يتمّ ترشيحه للمنصب الشّرفي كرئيس لألمانيا، ولكن ميركل فضّلت ترشيح غيره، وإذا قيل له إنّ الحادث الّذي أفقده القدرة على الوقوف على رجليه له ضلع في المصاعب الّتي تلاقيه في مسيرته السّياسيّة اليوم فإنّه يكتفي بابتسامة عريضة.. وهو الّذي أطّلقت عليه الصّحافة «الوجه المأسوي للسّاحة السّياسيّة الألمانيّة».

اقرأ أيضا