أرشيف دنيا

الاتحاد

فتيات بدرجة سيدات قبل الأوان

طفلة تضع «المانيكير» الأزرق لتكتمل أناقتها مع الفستان

طفلة تضع «المانيكير» الأزرق لتكتمل أناقتها مع الفستان

كثيراً ما يحتدم الجدل بين سارة، 11 عاماً، ووالدتها، التي تعترض على اهتمام ابنتها المبالغ به بملابسها وتركيزها على ارتداء الماركات العالمية، محاولة، بالنصح، ثني الفتاة عن استباق سنها، والتشبه بالنساء.. لكن غضب الأم يثور ويشتعل بمجرد أن ترى ابنتها وهي تضع أحمر الشفاه «الجلوس» على فمها، أو «المانيكير» على أظافرها قبل الخروج مع صديقاتها أو إلى المدرسة، ما يدفعها للخروج عن طورها وتعنيف الفتاة بشدة.

تقول والدة سارة: «لا تروقني تصرفات ابنتي تجاه مظهرها العام، وأستشعر فيها رغبة واضحة لأن تصبح سيدة قبل الأوان، لذلك أنصحها دائماً بأن تعيش سنها وتستمتع بطفولتها وبراءتها».
ثم تستطرد قائلة: «كنت أعتقد أن ابنتي وحدها تعاني من هذه المشكلة، ثم اكتشفت أنها ظاهرة عامة يمكن ملاحظتها بسهولة على أغلب الفتيات في هذا العمر بل وفي سن أصغر، من خلال مراقبتهن وهن يتجولن في الأسواق والمراكز التجارية بملابس تظهرهن بشكل أكبر من عمرهن الحقيقي، وتفقدهن براءة الأطفال».

ظاهرة عامة
هي ظاهرة عامة بالفعل، كما تعترف الكثير من الأمهات والآباء أيضا، فالفتيات يبدون اليوم وكأنهن نساء صغيرات أو قصيرات، بمكياجهن الكامل وإكسسواراتهن المبالغ بها، وملابسهن المنتقاة وفق أحدث موضة، ناهيك عن كلامهن وتصرفاتهن التي تفوق سنهن بكثير، كل ذلك أفقدهن جزءاً كبيراً من البراءة والطفولة، على حدّ تعبير البعض.
يقول بلال أبو سنينة: «أمر محزن أن نرى فتيات صغيرات بمظهر السيدات، فهو أمر غير لائق بهن أبداً، أنا شخصياً والد لأربع بنات، ولكنني لا أوافق على أن يندفعن وراء الموضة والمظاهر وأن يسبقن عمرهن، لذلك أتدخل بشكل مباشر في مظهرهن ولباسهن، فلكل جيل لباسه ومظهره، وعلى أولياء الأمور تحمل مسؤولياتهم تجاه أبنائهم وبناتهم، وإقناعهم بأنهم ما زالوا صغاراً على ملاحقة الموضة والتشبه بالكبار.. يفترض في ملابس الأطفال أن تكون مريحة وغير مؤذية وأن تظهر أعمارهم الحقيقية، وهذا هو المهم، كذلك يجب تعليمهم أن الجوهر أهم بكثير من المظهر».

يتابع أبو سنينة: «أتذكر ونحن صغاراً، لم نكن نفعل ما يفعله الجيل الحالي من حيث السعي خلف الموضة، وخاصة الفتيات، لقد كانت طفولتنا أبسط من ذلك بكثير، فكنا مشغولين باللعب والقراءة، لكنني ألقي باللوم فيما حدث مع أطفالنا اليوم على صناعة الأزياء والعلامات التجارية التي استغلت الأطفال والأهالي على حدّ سواء، لأغراض تجارية بحتة».

من جهتها تتساءل نجوى ربيع: «من أين جاءت فكرة أن الدمى التي تلعب بها فتياتنا الصغيرات تمثل فتاة عشرينية بكامل زينتها وتبرجها»؟.. وترد بقولها: «لابد أن نطرح على أنفسنا مثل هذه التساؤلات، لأنه حين تسأل أي طفلة عن أحلامها، تجيبك فوراً بأنها تتمنى أن تصبح مثل عروستها الغربية «باربي» أو «براتز» التي ترتدي ملابسها على الموضة، وترقص وتتباهى بجمالها ودلالها، لذلك أجد أن الدمى العربية التي نزلت إلى الأسواق العربية منذ مدة باسم «فلّة» قد أعادت للثقافة العربية بعضاً من حقها وألقها، وأثرت في بعض الفتيات، بحشمتها وملابس الصلاة خاصتها».

تضيف نجوى: «يجب أن لا نلقي باللوم على الفتيات الصغيرات في سعيهن خلف الموضة والتشبّه بالنساء، فكل ما يظهر لهن على الشاشات اليوم يقودهن إلى ذلك، سواء أكان في برامج الأطفال الكرتونية المخصصة للفتيات مثل «الجاسوسات»، أو في المسلسلات الأجنبية التي تكثر على الشاشات التلفزيونية، كمسلسل «هانا مونتانا»، أو في المسلسلات المدبلجة، التركية وغيرها، والتي تحتل شاشات الفضائيات طوال الليل والنهار، ولذلك يجب أن تكون هنالك برامج مخصصة واهتمام موجه لهذه الفئة من الفتيات من أجل أن نقودهن إلى الطريق الصحيح».

عارضات أزياء
كثيرة هي الأحلام التي تحلم بها الفتيات الصغيرات في سن أو مرحلة معينة من عمرهن، ومن بينها أن يصبحن مصممات أزياء، وهو اهتمام ينم عن رغبة فطرية لدى الإناث بتعلم الحياكة وصنع ملابس خاصة بهن تجسد ما يحلمن به من مظهر، أما الحلم المفضل لدى الغالبية فهو أن يصبحن عارضات أزياء ولو لمرة واحدة، هذه الرغبة والأمنية الغالية لدى الفتيات وجدت من يعززها ويحققها لهن، حيث وجدنا العديد من العلامات التجارية سواء لملابس أو لدمى تنظم عروض أزياء سنوية ترويجاً لمنتجاتها من الملابس، كما تفعل «باربي»، ما لقي إقبالاً كبيراً على شراء ما طرحته من ملابس أو للمشاركة في عروض الأزياء.
تقول لمى جرار، المديرة الإدارية لشركة «الخيرات» التي أشرفت على حدث عروض أزياء «باربي» في دبي سابقاً: «عندما نشرنا إعلانات في الصحف لاختيار عارضات أزياء من الأطفال، تقدمت لنا طلبات كثيرة للمشاركة بلغ عددها أكثر من 400 طلب اخترنا منها مجموعة من الفتيات تراوحت أعمارهن بين 4- 9 سنوات، ودربناهن جيداً طوال 3 أشهر للظهور على المسرح بالشكل اللائق، وبعد العرض مباشرة تقدم لنا أكثر من 5 آلاف طلب من الأهالي يريدون إشراك بناتهم في العرض القادم، ما يدل على اهتمام الأهالي بأزياء أطفالهم».
ويرى خبراء في علم النفس أن تلك الدمى الرشيقة ذات الجسد الفاتن تسببت بإصابة الكثير من الفتيات بمرض اللهاث خلف الجسد المثالي، وهي صناعة غربية صممت وأنتجت لأهداف تجارية بحتة.

أهمية الحوار
من جهتها تعزو الأخصائية الاجتماعية سميرة حسنين، سبب تفاقم هذه الظاهرة وانتشارها بكثرة إلى الشركات التجارية العالمية، التي تستغل الأهالي والأطفال على حد سواء لأغراض تجارية، ويذهب الأطفال ولا سيما الفتيات ضحية لها، فيما يصعب الشفاء منها مستقبلاً.
ومن أجل الحدّ من سلوكيات الفتيات السابقة لأوانها، توصي سميرة حسنين الأهالي بأن ينتبهوا إلى تصرفات أبنائهم، لا سيما الفتيات في هذه المرحلة العمرية المبكرة، والتي تتشكل فيها شخصياتهم وقناعاتهم، والتأثير عليهم من خلال اللجوء إلى الحوار والنقاش والنصح المتكرر، وإبراز الأمثلة على الدوام، وأن يكونوا هم أنفسهم قدوة لأبنائهم من حيث المظهر والتصرفات، وكل ذلك يمكن أن ينقل لهم بالحب والرعاية والعاطفة مع الكثير من المراقبة غير المباشرة.

تضيف حسنين: «الفتيات المراهقات، وحتى الصغيرات اليوم، لديهن رغبة عارمة بأن يصبحن نساء، وذلك أمر طبيعي وغريزي لدى الفتيات، ونحن نلاحظ العديد من المظاهر التي تدلل على استفحال الظاهرة، لكن على الأهل أن يميزوا بين التصرف الطبيعي وغير الطبيعي الزائد عن الحدّ، فمن الجميل أن تتعلم الفتاة الاهتمام بمظهرها ونظافتها منذ الصغر، لكن من المبكر جداً أن ترتدي الكعب العالي، أو أن تضع الماكياج، فهي أمور تفقدها طفولتها، وتضرّ بصحتها، وهي أمور مثبتة علمياً، ولذلك يمكن إقناع الفتاة بالعدول عن فعل هذه التصرفات طالما أنها تضرها ولا تنفعها، ومن الضروري أن تشعر الفتاة بحب الوالدين وهما ينصحاها بذلك حتى تتقبل وتقتنع بما يطرحانه من أفكار».


الطفل التجاري وثقافة الاستهلاك

- ظاهرة اهتمام الأطفال ولا سيما الفتيات بالمظاهر وملاحقة الموضة، أصبحت ظاهرة عالمية يكثر انتشارها في أميركا بشكل خاص، وقد اعترفت مجلة «كوكي» الأميركية الموجهة لآباء الأطفال من دون سن الثانية عشرة، أنه: «بشكل عام أصبح الوعي بالموضة أبكر بالنسبة للصغار، نحن شاهدنا اهتمام المراهقين بالموضة وبروز سوق خاصة للمراهقين، لكن الاهتمام بالملابس أصبح موضة بحد ذاته، والمشاهير يعمقون من هذا الاهتمام وأصبح يزداد نزولاً يوماً بعد يوم ليشمل أعماراً أصغر».

وتعتقد جولييت شور، صاحبة كتاب «ولد ليشتري: الطفل التجاري وثقافة الاستهلاك الجديدة» أن السبب، جزئياً، وراء توجه الأطفال لهذا النوع من التملك هو التسويق التنافسي الشديد للشركات. «فالطريقة الماكرة في التسويق تنجح في إيصال الفكرة للطفل وتجعله ينجذب نحو المنتج وتشعره أنه بحاجة له، سواء كان ذلك نوعاً من منتجات الحلوى أو آخر صرعات الموضة في الأزياء. وهذا طبعاً يتعارض مع الحاسة الفطرية للطفل وفهمه لنفسه».

اقرأ أيضا