الاتحاد

مهرجان قصر الحصن

«رادار الاختراق» صدرت عنه اهتزازات تنبئ بوجود مفاجآت في باطن قصر الحصن

عمر الكعبي في جولة بقصر الحصن (تصوير شادي ملكاوي)

عمر الكعبي في جولة بقصر الحصن (تصوير شادي ملكاوي)

لكبيرة التونسي (أبوظبي) - كان اليوم بارداً حين تجوَّل بنا عمر الكعبي، باحث مباني تاريخية بإدارة البيئة التاريخية بهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، بين حجر وتراب قصر الحصن، ابتلت الأرض وأخرجت رائحتها الزكية، أرخى الجو أطيافاً من الألوان على المكان، حين انسلت خيوط الشمس من بين الغيوم، وانعكست على القبب والساحات، فزادت المكان ألقاً وجمالاً، وتكفل المشهد بالحديث عن حقب تاريخية لصرح عمراني يقف شاهداً يروي قصص الماضي ويربطها بالحاضر، وعززها الباحث عمر الكعبي بحقائق تاريخية وعرّج على مجموعة من التفاصيل التي تقام في حضن القصر، لاكتشاف مكنونات لا تزال إلى اليوم مخبوءة تحت الأرض وتأبى أن تبوح بسرها كاملاً، مؤكداً أن الحفريات الجارية قد تميط اللثام عن مفاجآت واكتشافات جديدة، موضحاً أن «رادار» الاختراق الأرضي Gpr صدرت عنه اهتزازات تنبئ بوجود أشياء في الباطن.
الكعبي أوضح أن أجزاء قصر الحصن المتعددة تتميّز بالاعتماد على العمارة الإسلامية، مؤكداً أن برج المراقبة بني في منتصف القرن الثامن عشر، بهدف توفير الحماية للجزيرة ولمصادر المياه العذبة في المنطقة. ويتميَّز بوجود عدد من الفتحات المخصصة لحماية البناء. لافتاً إلى أن قمة البرج كانت تحمل علم إمارة أبوظبي، ليكون دلالة على الأهمية البالغة التي يتمتع بها قصر الحصن.
نشأة أمة
وأشار الكعبي إلى أن القلعة القديمة التي شيدت لحماية مصادر المياه سنة 1761، والتي شكلت نواة قصر الحصن الذي شيد على وجه القبلة، استطاعت أن تحقق استقرار السكان في المنطقة، وباتت مقر الحكم، حيث تعاقب عليها الحكام، وأضاف سارداً سياق المرحلة التاريخية: كان الشيخ ذياب بن عيسى رحمه الله المتوفى عام 1793، شيخ قبيلة بني ياس في واحة ليوا، وكانت القبيلة تتجه في رحلات منتظمة إلى البحر بهدف الصيد، وعندما اكتشفت مصادر المياه العذبة في جزيرة أبوظبي، رأى الشيخ ذياب مدى أهمية توفير الحماية لهذه المنطقة. لذلك قرر بناء برج مراقبة لحماية هذه المصادر من الدخلاء، وبدأ السكان بالحضور للإقامة في هذه المنطقة حول الحصن لدوره في توفير الأمان وإضفاء أجواء الاستقرار والطمأنينة.
وتؤكد المعلومات التاريخية في هذا الصدد أن مصادر المياه العذبة التي اكتشفت في أبوظبي لم تكن مجرد بئر واحدة، بل كانت سلسلة من الفتحات والتجاويف التي احتوت على المياه على مسافة قريبة من السطح، وقال الكعبي في هذا السياق، إن البرج في أصله لم يكن يتوافر على أدراج، حيث كان الداخل إليه يصعد على سلم ويأخذه معه إلى الأعلى حتى لا يتمكن العدو من اللحاق به، خاصة أن البرج كانت مهمته الأساسية دفاعية، مؤكداً أن هذه الأبراج تتوافر عادة على فتحات للدفاع عن البرج ورماية العدو وصد هجومه.
تحولات
وأوضح الكعبي أنه في الفترة بين 1795 - 1850 تحول البرج إلى حصن وتحول المبنى إلى الهيئة التي يبدو عليها اليوم خلال فترة حكم الشيخ شخبوط بن ذياب رحمه الله حاكم أبوظبي (1795م - 1816م)، وقد شهد المبنى تشييد برجين آخرين، بالإضافة إلى جدار يصل بينهما ليتحول في النهاية إلى هذا البناء البارز، وفي هذه الفترة، نقل الشيخ شخبوط مقر الحكم من ليوا إلى جزيرة أبوظبي واستخدم الحصن ليكون مقر الحكومة والقيادة العسكرية ومكان الإقامة الخاص به.
ووفقاً للمعلومات التاريخية المتناقلة شفهياً عبر الأجيال، فقد أجرى الشيخ سعيد بن طحنون حاكم أبوظبي (1845 - 1855) أعمال توسعة وتطوير إضافية داخل الحصن عام 1850. وكان قصر الحصن يعرف سابقاً بـ «حصن أبوظبي»، وكان بمثابة حصن وقصر ومقر للإدارة، وشكلت الفترة بين 1855 - 1909 بداية نشأة المجتمع، بحيث كانت الفترة الطويلة التي أمضاها الشيخ زايد بن خليفة رحمه الله، والذي عرف أيضاً باسم زايد الأول أو زايد الكبير، فترة سلام واستقرار بالنسبة لأبوظبي، وخلال حكمه الذي استمر من 1855 إلى 1909، بدأت نشأة المجتمع، وكان قصر الحصن مركزه الرئيس، حيث شهد استقطاب السكان وتطور المنطقة واتساعها.
حقبة الثلاثينيات
وأشار الكعبي إلى أنه في الفترة ما بين 1928 - 1966 شهد قصر الحصن توسعة، موضحاً أن حقبة الثلاثينيات من القرن العشرين، كانت فترة عصيبة بالنسبة لأبوظبي، نظراً للتدهور الذي لحق بتجارة اللؤلؤ وردّ ذلك لظهور اللؤلؤ الصناعي، وأيضاً نظراً لتوابع الكساد العالمي في ذلك الحين، وفي عام 1939م اتفق الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان (1928م - 1966م) مع البريطانيين بشأن امتيازات التنقيب عن النفط، وتلقى 300 ألف روبية دفعة أولى، واستخدم تلك الأموال في بناء قصر أيقوني أحاط بالقلعة الأصلية.
ووفقاً لما ذكره عمر الكعبي، فإن عمليات التنقيب والدراسات التي تجري بقصر الحصن تشير إلى احتمال حضور/ وجود مجلس الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان تحت الأرض، بقوله: نقوم بحفريات في منطقة محاطة بأشرطة، وهي المكان الواقع بين المئذنة الشرقية الشمالية، التي تطبع اليوم على فئة الألف درهم وبين القلعة، وهو المكان نفسه الذي كان يعقد فيه الشيخ شخبوط الاتفاقات والمفاوضات المتعلقة بحقوق أبوظبي وامتيازاتها للتنقيب عن النفط، وقد عملنا دراسة عن طريق «رادار الاختراق» الأرضي Gpr، فظهر في الجهاز أن هناك أشياء تحت الأرض، مشيراً إلى أن أعمال الأبحاث الأثرية قيد الدراسة، قد تكشف عما إن كانت هناك أثريات وأشياء تثبت أنه فعلاً كان هناك مجلس تحت الأرض أم لا.
فريق الآثاريين
أكد الكعبي أن العملية يسهر عليها فريق كبير من الآثاريين، من هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة ـ إدارة البيئة التاريخية، موضحاً أن هناك لقى أثرية محدودة تم اكتشافها، وأضاف «سيتاح لزوَّار قصر الحصن خلال المهرجان الاطلاع على عمليات التنقيب والترميم لتثقيف الناس بالدور الذي نقوم به، وطبيعة عملنا، والإحاطة بمراحل الحفر وفهم المراحل التي مرت عليه، لافتاً إلى أن هناك مناطق محاطة بشريط بلاستيكي عبارة عن أماكن لفلل قديمة، مؤكداً أن مراحل التنقيب ستأخذ دورها مستقبلاً. وفي سياق متصل، قال الكعبي إنه مع بدايات خمسينيات القرن العشرين، وكجزء من أعمال التجديد التي خضع لها الحصن، قام الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان بإضافة الأقواس المزخرفة في القسم الخارجي من قصر الحصن.
توسعة
وأشار عمر الكعبي إلى أن قصر الحصن عرف توسيعات على مدى عدة مراحل وكانت أخراها تلك التي كانت في عهد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي أمر بتحويل المبنى إلى القصر بصورته المتعارف عليها اليوم. وأضاف: خلال فترة حكمه رحمه الله تم تجديد مبان عدة داخل الحصن. فبعد أن تولى الشيخ زايد الحكم في إمارة أبوظبي عام 1966، تم تحويل أحد المنازل ليصبح مكتبه الخاص، فيما استُخدم منزل آخر كمقر لمركز الوثائق والبحوث الذي أُنشئ عام 1968، والمعروف اليوم بالمركز الوطني للوثائق والبحوث، وبعد اكتمال أعمال الترميم الأخيرة التي جرت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، شغل المركز الوطني للوثائق والبحوث كل الغرف والأقسام التي يتكوَّن منها قصر الحصن، ولم يستمر استخدام المبنى بعد ذلك كمقر إقامة للحكام، بل تحوَّل إلى متحف ومعرض لمجموعات أثرية مرتبطة بأبوظبي ومنطقة الخليج، كما أمر الشيخ زايد رحمه الله ببناء مقر المجلس الاستشاري الوطني خارج جدران القصر، وقد شهد هذا المقر انعقاد الاجتماعات التي ناقشت اتحاد الدولة عام 1971.
قصر داخل قصر
وفي قراءة للتصاميم الداخلية والزوايا التي يتكون منها قصر الحصن، قال الكعبي: إنه يوجد بالقلعة الداخلية برجان متقابلان، أحدهما في الزاوية الشرقية الشمالية والآخر بالجهة الجنوبية الغربية للقلعة الداخلية، لافتاً إلى أن الجهة الخارجية تعكس التصميم الداخلي نفسه، لتؤكد الصورة أن قصراً يحتضن قصراً، بالإضافة إلى ذلك توجد بعمق القصر وفي ساحاته الداخلية جلسات مبسوطة على الأرض مع ارتفاع جنباتها التي شيدت ليتم الاستناد عليها، وهي جلسات عادة تكون مربعة، مؤكداً أن القصر يروي قصص حقب تاريخية وقصة الإنسان مع العمران من خلال تعاقب ساكنيه.
الأحجار المرجانية
شيَّدت الجدران من الأحجار المرجانية والبحرية وقطعت على شكل قوالب مكعبة الشكل، وتركت هذه القطع المرجانية تحت أشعة الشمس لمدة أسبوع لتتحول إلى قوالب صلبة. وبعد تركيب هذه الأحجار، غطيت الجدران بطبقة من الكلس يطلق عليها اسم ملاط الجص البحري، والذي يصنع عن طريق خلط الأحجار المرجانية، والأصداف والأحجار البحرية، ومن ثم طحن هذا الخليط ومزجه مع الماء لتشكيل المعجون، وقد استخدمت الأوتاد الموجودة على الجانب الخارجي من جدران الغرف لتعليق مصابيح الإضاءة والكساء.

ذكاء عمراني
فيما يخص الأعمدة الخشبية، فإنه تم اعتمادها لإنشاء الأرضية المرتفعة، بحيث قام البناؤون بوضع جذع شجرة الغاف عبر الفجوة لتكون العمود الأساسي ولتتشابك مع أعمدة خشب أشجار القرم (المانجروف)، والتي غمرت بمزيج من التمر المسحوق والسمك لحمايتها من الحشرات، ثم استخدم البناؤون سعف النخيل لتشكيل حصائر تعرف باسم العريش والحصير، كما استخدمت أعمدة خشب أشجار القرم لتشكيل السقالات اللازمة لبناء البرج والتي ما تزال موجودة أسفل البناء القرميدي حتى هذا اليوم.
وتتميّز المداخل بكثرة الزخارف عن بقية الجدران المحيطة. وقد استخدمت مواد أكثر نعومة لتشييد هذه المداخل وزينت بقطع من البلاط المطلي بأسلوب جميل. وعندما بني القصر، كان الرجال يدخلون من البوابة الشمالية، فيما كان الممر الجنوبي مخصصاً لدخول النساء.

اقرأ أيضا