مهرجان قصر الحصن

الاتحاد

خبراء ومثقفون: قصر الحصن منارة تاريخية تتلاقى في ساحتها الأزمان

قصر الحصن جمع الزوار على مشاهد حية من التاريخ (تصوير عبدالعظيم شوكت)

قصر الحصن جمع الزوار على مشاهد حية من التاريخ (تصوير عبدالعظيم شوكت)

أشرف جمعة (أبوظبي) - احتضن مهرجان قصر الحصن في دورته الثانية من 20 فبراير الماضي حتى الأول من مارس الجاري، فعاليات تراثية متنوعة وسط أجواء احتفالية، يظل صداها يتردد في الأذهان، ويشكل حديث الناس في مجالسهم، ويدعو الخبراء والمثقفين إلى تحليل إقبال الجمهور على الفعاليات التراثية الكبرى التي ألقت حجراً في بحيرة النسيان الراكدة فحرك مياهها وجدد منابعها، وها هو مهرجان قصر الحصن يسطر ملحمة جديدة من ملاحم التراث الوطني الذي صاغه الماضي على أكمل وجه وصانه وأرخ له الرواة الثقات، فحفَّز رجال البحث على إجلاء معالم صورة الآباء والأجداد من أجل تقديمها إلى الجيل الجديد، بملامحها العتيقة الصافية.

جاءت فعاليات قصر الحصن بمثابة أنشودة تراثية عزفت على أنغامها إيقاعات الفرق الشعبية، وركن الإبل، والسلوقي، والبيئة البحرية، والبرية، والواحة، وجزيرة أبوظبي، والأسواق الشعبية، وأثارت مجموعة من الذين لهم باع طويل في دراسة الموروث الشعبي المحلي، وكذلك أصحاب الفكر لإبداء آرائهم في مهرجان قصر الحصن، ومن ثم الوقوف على نتائج فتح أبواب القصر للمرة الأولى أمام الزوَّار جميعاً وهو ما تفرد به مهرجان هذا العام.
ثراء شديد
شغف المدير العام لمركز الوثائق والبحوث الدكتور عبدالله الريس بالتراث وارتباطه بالماضي التليد للدولة، جعله يتجوَّل بصورة دائمة في ساحة المهرجان من أجل أن يملأ عينيه بمفردات الموروث الشعبي الذي يرسخ لمكانته التاريخية في الأذهان، عبر مهرجان قصر الحصن في دورته الثانية التي تجيب عن أسئلة الماضي وتؤرخ له، ويذكر الريس أن المركز الوطني للوثائق والبحوث حاضر بقوة في هذا الملتقى الذي يجمع كل عناصر التراث الإماراتي في مكان واحد، ويلفت إلى أن المركز يقدم إلى جانب الفعاليات التي تتميَّز بالثراء الشديد مجموعة من الأفلام التي توضح حقائق كثيرة عن القصر في ركن خاص يعرضها. كما يلفت إلى أن المهرجان في هذه الدورة كان متميزاً جداً ويحظى باهتمام واسع من قبل شرائح المجتمع كافة، خاصة أن قصر الحصن يحتضن حكايات الزمن القديم التي لم تزل تبهر السامع وتجذب الجيل الجديد لمعرفة تاريخه بصورة واقعية.
ويقول الريس: بعد انتهاء فعاليات المهرجان أصبح من الضروري أن ننظر بعين الاعتبار إلى الدروس المستفادة من هذا العرس التراثي الكبير، الذي كان واضحاً منذ البداية أن الاحتفاء به يتخطى بكثير حدود المحلية، فالثقافة الإماراتية أصبحت اليوم تحرك شجون الغرب وتثير اهتماماتهم، وقصر الحصن هو حدث تاريخي يكشف عن طبيعة الحياة في جزيرة أبوظبي في الماضي، وقد حرص المنظمون على أن تشتمل الساحة الأمامية للقصر على البيئات التي شكلت حياة الآباء والأجداد، وهو ما دفع الزوّار من كل مكان إلى التفاعل بصدق مع الفعاليات، وقد بدت على الوجوه معالم الفرحة والانسجام التام مع مكونات الموروث الشعبي المحلي، وهو ما يضع الجميع في مسؤولية كبيرة خصوصاً بعد النجاح الكبير الذي تحقق على أرض الواقع.
صورة مقاربة
أما مدير مركز زايد للدراسات والبحوث بنادي تراث الإمارات الدكتور راشد المزروعي، فأوضح أن قصر الحصن نقطة انطلاق إمارة أبوظبي ومحور حياة الناس الذين ارتبطوا بالقصر منذ بداية نشأته إلى أن مر بمراحل تاريخية متعددة، ويشير إلى أن مهرجان هذا العام الذي استطاع أن يرسم صورة مقاربة للحياة في الماضي كان بمثابة قراءة في تاريخ الإمارة المتألقة، حيث استطاع الزوّار أن يدركوا أهمية إبراز الموروث الشعبي بهذا الشكل، خاصة أن وجود عدد كبير من البيئات التراثية بنسقها القديم أتاح للجميع أن يطرحوا العديد من الأسئلة التي من خلال الإجابة عنها من قبل المدربين التراثيين، اكتشفوا أن الموروث الشعبي الإماراتي غني ويتمتع بثراء كبير.
ثقافة تراثية
ولا يخفي الباحث التراثي أحمد الظنحاني نائب مدير إدارة التراث والفنون بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، أن مهرجان قصر الحصن له دور في مد الشباب الإماراتي بألوان شتى من الثقافة التراثية الممتدة في الزمان والمكان، وخلال أيام المهرجان أخذ الزوار بشكل عام ملخصاً وافياً عن طبيعة الحياة في الماضي وحظوا بزيارة ميدانية إلى قصر الحصن، وشاهدوا هذا المعلم التاريخي الذي يعد أقدم بناء في إمارة أبوظبي، والذي يمتد إلى أكثر من 250 عاماً، ويشير الظنحاني إلى أن مهمة نقل الثقافة التراثية إلى الآخر تحتاج إلى جهد كبير في ظل النظرة السائدة إلى البلدان المصدرة للنفط، على أن جل اهتمامها منصب نحو عمل المشروعات العملاقة، لكن مهرجان قصر الحصن لخص تاريخ الإمارات في أيام معدودة، وقدم للضيوف والزوَّار والجيل الجديد وجبة تراثية تزخر بألوان الموروث الشعبي كلها.
مرويات تاريخية
ومن بين الرواة الذين يحتفظون في صدورهم بالعديد من المرويات التي لها نكهتها الخاصة، حبثور الرميثي الذي تخطى عمره الثمانين عاماً ولم يزل يتمتع بالصحة والعافية والحضور، إذ إن الجميع يقصده من أجل الاستفسار عن بعض المسميات التراثية، وهو يجيب بدقة وفي سعادة غامرة، لكن حبثور يقدم شهادته حول المهرجان هذا العام، ويورد أنه على كثرة حضوره الفعاليات التراثية في الدولة، إلا أنه يرى أن مهرجان قصر الحصن كانت له نكهته الخاصة هذا العام، وأن زخمه ميزه عن دورة العام الماضي التي كانت بداية لعمل كبير تجسد في هذه النسخة التي أدت رسالتها على أكمل وجه.
ويقول حبثور: لمست في الشباب الذي بهرته الحضارة أن لديه شغفا كبيرا بتراثه وإن هذه الفئة تنظر بعين الاعتبار إلى ماضيها، خصوصاً أن الإمارات دولة لديها رصيد كبير من القيم والتقاليد الأصيلة، ويرى أن الموروث الشعبي هو المحرك الأول لطاقة الشباب، وهو الذي يدفعهم دائماً إلى إبراز ملكاتهم الفردية، ويؤكد أنه يشعر بالسعادة، كلما توجهت إلى ركنه الوفود الطلابية من المدارس والجامعات لتستمع إلى حكاياته عن القصر، خاصة أنه كانت له تجربة داخل القصر، حيث كان يعمل ضمن فريق عمل الحراسة به في فترات زمنية سابقة.


إبداع إماراتي

حول ما لمسه مدير إدارة الأنشطة الثقافية بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع الدكتور حبيب غلوم، من تطور في مهرجان قصر الحصن في دورته الثانية، يذكر أن المهرجان اهتم بالتفاصيل الصغيرة وأبرزها بشكل لافت، تلك التفاصيل الخاصة بالموروث الشعبي المحلي فضلاً عن أن توزيع أماكن البيئات التراثية والفعاليات بوجه عام كان موفقاً للغاية، وهو ما يستوجب تقديم الشكر للقائمين على المهرجان هذا العام. ويلفت غلوم إلى أنه يتمنى في الدورة المقبلة أن يتم التركيز على الإبداع الإماراتي وإدراجه ضمن الفعاليات وتخير الأماكن الحيوية لإبرازه بصورة أكبر، ويشير إلى أن المهرجان أعطى دلالات تاريخية مهمة عن مسيرة قصر الحصن، وهو بمثابة عملية تثقيفية عالية المستوى، ويوضح أن فتح أبواب القصر أمام الزوَّار من أجل الوقوف على أعمال الترميم، ومن ثم مشاهدته من الداخل أعطاهم انطباعات حول المعالم الأثرية التاريخية في الدولة، وقرب إليهم صورته التي يرونها عبر الموضوعات التي يتابعونها في الصحف أو في نشرات الأخبار في التلفزيون.


لمسة جمالية
لا ينكر الفنان حمد الكبيسي أن وجود الفرق الشعبية داخل أروقة مهرجان قصر الحصن في النسخة التي أسدل عليها الستار، كان له الأثر الكبير في إضفاء لمسة جمالية على إيقاع الاحتفال بأقدم صرح تاريخي في جزيرة أبوظبي، ويقول إن الفنون الشعبية الإماراتية تتميز بنكهتها الخاصة وقدرتها على جذب الانتباه، خصوصاً أن لكل بيئة تراثية أهازيج معينة وحركات راقصة وقد استطاعت الفرق الشعبية أن تمنح المكان بهجة، وتؤكد أن الإمارات تزخر بجماليات الموروث الفني الأصيل الذي يعتمد على عدة فنون تتلخص في الرزفة الحربية والعيالة والأهازيج الشعبية، وقصائد الشعراء التي تأتي بشكل ارتجالي، وهي مهارة لا يمتلكها إلا القليل من الشعراء الذين يقودون مثل هذه الفرق، ليتعانق الشعر والفن الشعبي في بوتقة واحدة على أرض المهرجان.

اقرأ أيضا