تحتاج الكتابة عربياً إلى الخروج من حالة التأليف، المعتمد على تصور مسبق للنص، حيث أن الأغلبية تقوم باستحضار الجماليات المتحققة سلفاً، للتعبير عن اللحظة المرادة للمؤلف، ضمن الشكل الذي ينتمي إليه، وكأن تاريخ النوع الأدبي أصبح هو المؤلف، ولسنا نحن، مما ينهي فاعلية الوجود المحيط بنا، والوصول معه إلى صيغ تخص اللحظة المعيشة، ولغتها، والقدرة على التواصل مع جديد الحراك اليومي من متطلبات الشعور بما تعيَّن، وبالتالي نتبادل معه تجربة تعبيرية مباشرة، بدلاً من وضع الأشكال البلاغية المتمترسة وراء جاهزيتها محل التواصل· فإذا نظرنا للوضع الذي نعيشه، سنرى أن طبيعة الاحتياجات اليومية اختلفت باختلاف التصور الواقعي الجديد للحياة، والذي أنتجته - بما هو عليه الآن - ''تكنولوجيا تحصيل الحاصل'' للتجربة البشرية على الأرض، ··وإن كان تحصيل الحاصل هذا مظلة عامة أكثر من اللازم، إلا أنها تشير إلى مشهد عام أصبح متنفذاً داخل أدق تفاصيل التفاصيل في كل مكان، سواء أطالته التكنولوجيا أم لم تطله· ليست المسألة موضة جديدة للكتابة، أو اقتراح بقطيعة مع بلاغة وإنشاء بلاغة جديدة، لأن هذا يحدث بطبيعة الحال مع الوقت الطويل، من خلال الإزاحة والإبدال، بتغير طبقات الأجيال وتصوراتها المختلفة باختلاف نوع السلع سياسياً وفكرياً وتعليمياً، ··بل القصد وضع الانتباه عند ضرورة القصد والتفكير في الانتقال إلى قول الأدب من خلال الواقع مباشرة، ودون تحميل جمالي مبالغ فيه· ودائماً هناك للفترات الإنتقالية، وضع إجرائي، يَقِينَا، ويجعلنا أحراراً في التصرف كتابياً، وعليه فإن خوض تجربة مثل تلك تحتاج إلى تمارين، ونقاش مع الآخرين، وقرار بمنح اللغة فاعلية حاضرة، وتاريخاً يحدث، لا تاريخاً مُستجلباً· النقد مثلاً لم يتحرر بعد من سطوة القراءة التمثيلية للمناهج، ولا من سطوة الناقد المؤسس، وكأنه معبد وكُهَّان ومريدون ينتظرون، مع العلم أن ممارسة حرة في التعامل مع أي مادة محل رغبة تناول، قد تأتي بأنساق وأدوات تسمح لنا بالفكاك من أسر المقدسات التكوينية للغة، وهذا ما حدث مثلاُ على الإنترت، فيما سمي من بعد بـ''الأدب التفاعلي''· لكننا هنا، مع حالة المؤلف والورقة والقلم، مع الذات المستقلة بحيزها البيولوجي، سريراً ومقبرة، فقول الأشياء بما هي عليه، دون إدخالها في مجال تصنيع، بدءاً من معالجة المادة الخام، وصولاً للتغليف، يجعل من الأدب فرصة إصلاح لحياة المعيش·