الاتحاد

الملحق الثقافي

جمال الشهداء وبشاعة الجلادين

من أعمال الفنان تمام عزام (اللوحات من المصدر)

من أعمال الفنان تمام عزام (اللوحات من المصدر)

د. حورية الظل

نتيجة العنف الدامي ووفرته الفادحة في الراهن السوري، اتجه الكثير من الفنانين التشكيليين السوريين، وخاصة الشباب منهم، إلى إنجاز أعمال فنية مغايرة تعيد صياغة هذا العنف الضاري بطريقة جمالية، وهي الوسيلة المثلى لمقارعته، بعدما قوّتهم المرارة التي يخلفها في النفس على فعل ذلك، فأصبح في أعمالهم ثمة ترجمة له، مُؤسسة بقتامة الألوان التي تفشي ببؤس الواقع المشرع على فجائع شتى، إذن هل يسهم الفنان التشكيلي السوري في عرقلة مجرى تاريخ العنف المثابر على البقاء في بلده؟ وهل يعمل على تحويل مسارات هذا العنف، ويحشد الإدانة ضده وضد صانعيه؟

من البديهي أن نقول، إن حضور الحرب والعنف في الفن التشكيلي السوري علامة على دموية الوضع وظلاميته في سوريا، لأن الفن بطبيعته لا يبقى محايدا لما يتعلق الأمر بمآسي البشر، فهو يعد شاهدا على أقسى الفترات المظلمة عبر التاريخ، والأعمال الفنية أصدق مما نقرؤه في كتب التاريخ التي تكون في الغالب من إملاء السلطة المنتجة للعنف، وكمثال على هذه الأعمال لوحة الـ غيرنيكا لبيكاسو التي استوحاها الفنان من هجوم بالطائرات وقصف بالقنابل تعرضت له قرية غيرنيكا شمال إسبانيا من طرف القوات التابعة لفرانكو بدعم من النازيين، حيث تم إلقاء خمسين طنا من القنابل على القرية الآهلة بالسكان، الأمر الذي أسفر عن سقوط مئات القتلى، فأرخت اللوحة لفترة مظلمة من تاريخ إسبانيا. وقد قال بيكاسو عن الموضوع قولته المشهورة مدينا صانعي الحرب: «إنه عنف فظيع، في ثوان علمني فرانكو وهتلر معنى الكراهية الحقيقية»، لكن فرانكو وهتلر لا زالا يتكرران بأسماء أخرى، وجرائمهما هناك من يعاود ارتكابها بحذاقة، والقنابل لا زالت تهطل على الشعوب وبالخصوص الشعب السوري الأعزل والذي لا عزاء له إلا الموت.

عنف فوق الحدود
إن الحرب الدموية المخيمة على سماء سوريا مع تداعياتها وآثارها المدمرة على شعب بأكمله وعلى حضارة عريقة وعلى المنطقة العربية بأسرها تجاوزت كل الحدود الممكنة، وحملت ملامح الكارثة المفضية لفظائع لا تحصى، الأمر الذي جرد الفنانين السوريين من خياراتهم السابقة ومن زهو الألوان وبهجتها، فأصبحوا حاملين لذاكرة انتقائية لا يقع اختيارها إلا على العنف والدمار والموت والعتمة والسواد، فغيروا وجهة بوصلة مخيلتهم نحوه، وجنحوا إلى نقل قسوته دون مهادنة.
لقد استحضر الفنانون السوريون كل تلك القسوة التي عصفت بسوريا ولم تترك لأبنائها سوى خيارين لا ثالث لهما، إما الموت أو تكرار الخطو، بحثاً عن بلد للجوء تتوافر فيه فرص الحفاظ على حياتهم، والفنانون السوريون الذين هم جزء من الشعب السوري، يسري عليهم ما يسري على أبناء بلدهم، فيتشاركون نفس المعاناة، فهم أيضا طوحت بهم ظروف اللجوء إلى بلدان شتى، لكنهم لم يستكينوا إلى اليأس وإنما فتحوا جبهتهم الخاصة لمواجهة ما يحدث ووسيلتهم لتحقيق ذلك إعادة إنتاج العنف جماليا ليكون وقع رسائلهم أقوى، فنسجوا تفاصيل تغريبتهم ومأساتهم ووجعهم ووثقوا للجرح السوري المفتوح والنازف كشلال بالألوان المنزاحة للقاتم والمعتم مُخْلية حال سبيل الألوان المضيئة والضاجة بالحياة وبالبهجة إلا فيما نذر، محاولين إعادة السيطرة على الواقع من خلال أعمال فنية متضمنة لرسائلهم وعاكسة لرؤاهم، فجنحوا بالنتيجة إلى الرمز وتكريس جمالية المروع والبشع والمثير للاشمئزاز، فربطوا بين الفن والحرب بطريقة قوية، وأذابوا في أعمالهم بشاعتها المعلنة للتذكير بقسوتها وبقسوة الدمار الذي تخلفه، فهم بذلك يذكرون بالدماء التي تلطخ أيدي الطغاة. ويحاولون في نفس الوقت اكتساب الحصانة ضد العنف بالاستيلاء عليه جماليا.
وما يمكن تسجيله، أن أعمال هؤلاء الفنانين أضحت تلاحق المتلقي لتفشي له سر العنف الذي تتناوله فتجعله يتواصل معه جماليا وبطريقة تغير أفق توقعه، فتشجعه على التساؤل حيال ما يراه: «من أين يأتي العنف؟» فيعثر على الجواب في الواقع الذي تنقله الفضائيات كل يوم، وأيضاً مفتتاً وممزقاً على فضاءات الأعمال الفنية، شبيها بالضربات الموجعة التي تجعله يعاني الصدمة، فيستفيق حاملا لرؤية جديدة تحثه على بذل جهد أكبر للمساهمة في التغيير.
ومن ثم يكون العنف المستحضر في أعمال الكثير من الفنانين السوريين ثيمة تتغذى من تاريخهم الشخصي، ومن واقعهم لأنهم يحملون همّ مجاراة إيقاع الكارثة في أعمالهم معلنين عن فداحة الخسارة، وقد نظموا العديد من المعارض، وكانت كلها حول العنف، لأنه هو ما يبصم حياتهم حالياً.
وحتى نقترب أكثر من أعمال الفنانين السوريين سأقارب بعض النماذج التي تترجم العنف في سوريا، ويمكن اعتباره الأقسى والأكثر تدميراً لألوان بلد كانت زاهية ومخضرة فأضحت قاتمة يعلوها السواد.

فادي يازجي
ومن الفنانين السوريين الذين نددوا بدموية ما يحدث في بلدهم، فادي يازجي (1966) ومن أعماله التي تشي ببؤس الواقع وانحداريته الشنيعة في سوريا، منحوتته البرونزية «رأس في صحن»، والتي أنجزها سنة 2012 حيث يبدو رأس الشهيد ذو الوجه الوسيم موضوعاً في طبق، مستكينا في استسلام كأنه ينتظر «ساترن»، (شخصية أسطورية لحاكم أكل أبناءه حتى لا يزحزحوه عن السلطة وأنجز فرانسيسكو غويا لوحة في الموضوع سماها «ساترن يأكل أبناءه»)، ليبدأ في التهامه. إن المنحوتة إدانة لحفلات الرؤوس المقطوعة في سوريا، والتي أضحت فعلاً مبتذلاً يعلن عن دموية ما يحدث وصك اتهام في وجه الطغاة، صانعي الحفل الدموي وآكلي الرؤوس، عفوا، قاطعيها، ولعددهم الذي يزداد ولا يبشر بنقصان، إنه عمل يخبر عن مرحلة سوداء ومظلمة ومنقوعة في مرارة لا آخر لها، فيستدعي ذلك تفجير الألم ويحفز على نحت طريق سالكة للتحرر من الشرور لكن بالمقابل يترجم خواء التاريخ وانهزاميته الفادحة والذي لم يترك بين أيدينا سوى جمال الشهداء وبشاعة الجلادين المتبجحين بسفكهم للدماء.

يوسف عبدلكي
أما لوحة «شهيد من درعا» للفنان يوسف عبدلكي، فإنها تجسد قسوة العنف المتحفز باستمرار ليمارس عبثيته المجنونة في فضاءات ترهلت لما غاب بهاؤها، مخلفا وجعا وخسارات لا تحصى، مصادرا للحياة بإصرار، وفاتورته الباهظة مُؤدّاة من دم الأبرياء، وتبدو اللوحة متشحة بالبياض والسواد، والفنان يرى بأن الأبيض والأسود يوصلانه إلى خيارات تراجيدية في الفن التشكيلي، والشهيد الممدد على الأرض يملأ فراغ اللوحة بجسده الذي يضج شبابا ونبع من الدم يسيل من رأسه ليروي أرضه بسخاء وبذل كريم، لكن عيناه المفتوحتان عن آخرهما تنظران إلينا، أو إلى الجلاد في إدانة ولوم، كأنها تخاطبنا نيابة عن صاحبها الذي صمت إلى الأبد لتحملنا مسؤولية ما وصلت إليه حالنا وحالها، واللوحة تعد أيقونة على ما يحدث في سوريا وترجمة حرفية للعنف الذي أضحى متحكماً في مصائر العباد والبلاد.

ربيع كيوان
تبدو شخصيات الفنان السوري الشاب ربيع كيوان المستسلمة في هدوء والصامتة في ألم، متروكة للموت الذي تنتظره بعيون مفتوحة أو مغمضة، فالأمر سيان عندها، لانعدام الخيارات أمامها، فالموت هو المتداول وهو الحقيقة الوحيدة المتبقية لها ولا مهرب منه، وأيضا يصور ما تخلفه الحرب على الأشياء من تدمير، ففي إحدى لوحاته تطالعنا حافلة دمرتها الحرب، تفشي بركاب محتملين قضوا داخلها، ليكشف بأن كل شيء معرض للدمار والخراب، الإنسان والأشياء، ويركز في تناوله لمواضيعه على العمق الذي يُعْلم به الظاهر بقصدية ثابتة فيكشف عن وجه العنف ليتركه عارياً بلا أصباغ أو مساحيق، مطروحاً على قارعة التاريخ، والفنان لا ينفصل عما يجري في بلده فمن خلال فنه يرتبط بها برباط من الألم والوجع.

تمام عزام
بالنسبة للفنان تمام عزام، فقد التجأ للفن الرقمي كوسيلة تمكنه من إبراز المأساة السورية وويلات الحرب بطريقة أوضح فهو يستخدم لوحات غربية شهيرة على البنايات المحطمة، ومن هذه الأعمال «غرافيتي الحرية»، وهو عبارة عن عمل اعتمد فيه على إلصاق لوحة «القبلة» للرسام النمساوي غوستاف كليميت وجعلها كجدارية لبناء هدمته الحرب، محاولا إقناع المتلقي بأن الغلبة للحب على العنف، أعمال أخرى استخدم فيها نفس التقنية حيث زاوج بين لوحات عالمية ومشاهد الخراب بسوريا، ومما قاله حول الأمر: « كلّ منا لديه أدواته في التعبير عن موقفه إزاء ما يجري» خاصة وأنه هو نفسه ذاق مرارة الحرب، حيث فقد مرسمه بدمشق كما اضطرته الحرب لمغادرة سوريا.
إن هذه النماذج غيض من فيض، لأن الكثير من الفنانين السوريين تركوا ما كان بأيديهم من مواضيع ليتفرغوا للتأريخ بصريا للعنف الذي حط عليهم وعلى بلدهم كقدر مستعجل، محققين من خلال أعمالهم صدمة للمتلقي لأن ذلك شرط جمالية الأعمال التي اختارت العنف تيمتها، ويتأكد ذلك من مقولة مارسيل ديشامب: «اللوحة التي لا تصدم لا تستحق أي عناء».
وبذلك تكون الأحداث المرعبة والعنف المجنون في سوريا بتفاصيله الدامية قد أفصح عن نفسه من خلال أعمال الفنانين السوريين، فمعظمها بألوانها المعتمة وإيقاعاتها الرمزية مشرعة على خراب الواقع وتدهوره، مترجمة الدمار والحرائق والأدخنة والرؤوس المقطوعة والوجوه التي انطبع عليها الموت، أو الخوف والقلق واليأس في مداراة أليمة للموت القادم، وما يلاحظ، أن هؤلاء الفنانين يعيشون قطيعة مع ألوان الفرح، إلا في حالة الإيحاء بالأمل في غد أفضل وولادة جديدة مرتقبة، حيث يلجأ بعض الفنانين لإضافة بعض الألوان المشرقة، لأن الفن دائما يحاول أن يشي ببعض نقط الضوء في الأوقات التي تشتد فيها العتمة، لقد استثمروا رموزا ومفردات فنية تستطيع ترجمة واقعهم الموسوم بالوجع، وهؤلاء الفنانين يعيدون من خلال أعمالهم تنظيم العنف والقسوة لنشر الوعي بلا عقلانيته، ومن ثم ضرورة نبذه.
وما يمكن تأكيده أن الأعمال الفنية المترجمة والشاهدة على العنف في سوريا لها جماليتها الأكيدة، وتحقيقها للصدمة على المتلقي أمر لا مراء فيه، وإخراج الجلادين وكل المتسببين في الحرب من كهوفهم المظلمة وعرضهم في الضوء الكاشف أمر لا يختلف عليه اثنان، لكن يبقى الأمل باذخاً في قطع دابر العنف وانتهاء الحرب في سوريا وبقية بلدان العالم العربي التي تعرف التوتر، ليتفرغ الفنانون لتصوير عالم الغد المزهر حباً وسلاماً وبألوان تتجرد من قتامتها، ولنا كامل الحق في الحلم بذلك.

بركة دم
على خلفية ما يحدث في سوريا من حرب ودمار وخراب، أصبح البلد بكامله عبارة عن «بركة دم»، حسب تعبير الفنان التشكيلي السوري يوسف عبدلكي، ونتيجة هذه الدموية الفادحة والعنف القاتل لم يقف الفنانون السوريون مكتوفين أو متفرجين في انتظار انتهاء الحفل الدموي، وإنما استحضروا العنف السائد في بلدهم جمالياً وبشكل مكثف، خاصة أنهم أيضاً من ضحاياه، فأنتجوا الكثير من الأعمال، ونظموا الكثير من المعارض الفردية والجماعية في بلدان كثيرة، والخيط الرابط بين هذه الأعمال، التعبير عن مآسي الحرب السورية وتداعياتها.

اقرأ أيضا