الاتحاد

الملحق الثقافي

تور أندريه والخضوع للمُهيْمِنات الكنَسيّة

حروفية للسعودي ناصر السالم تجسد معنى الوحدانية في الإسلام (أرشيفية)

حروفية للسعودي ناصر السالم تجسد معنى الوحدانية في الإسلام (أرشيفية)

عز الدين عناية

يُعدّ المستشرق السويدي تور يوليوس إفرايم أندريه (1885 - 1947) من أعمدة الاستشراق السويدي، وكتابه «حياة النبيّ محمد وعقيدته» من المراجع الكلاسيكية الرائجة في الاستشراق، وذلك لتلبية المؤلف أهواء فنتازيا المخيال الغربي، في تحليل الظاهرة الإسلامية. في مراجعته لتاريخ الإسلام يحضر تمازجٌ منهجيٌ بين مقاربتين في قراءة شخصية النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وذلك باستحضار الوقائع التاريخية واستنطاقها من منظور التحليل النفسي. وهو المنهج الذي اعتمده سيغموند فرويد تقريباً في كتاب «موسى والتوحيد»، باستحضار الوقائع التاريخية ووضعها على محك المعالجة النفسية. لذلك تأتي رؤية تور أندريه قراءة خارجية، لِدارسٍ من خارج الدائرة الإيمانية، لشخص النبي والإيمان الذي جاء به، إضافة إلى أنه قراءة من منظور مسيحي لرجل دين مستشرق لا يخفي محاباته لمعتقده.

ثمة شيء لافت يستوقف القارئ في مطلع الكتاب، هو محاولة تور أندريه جعْل الدين الإسلامي امتداداً للتراث الديني العربي السابق للإسلام. فالإسلام كما تمثَّله تور ناجمٌ من منبت سالف من حيث تبلور شرائعه وتشكّل شعائره.
وضمن هذا التمشّي يلوح إنكار تور أندريه الصريح للتعالي التوحيدي في الإسلام، وما يمثّله من امتداد للتراث التوحيدي الإبراهيمي في المنطقة، ذلك التراث الذي تفرّعت عنه أديان عدة منها اليهودية والمسيحية. هكذا يكون منشأ دين الإسلام مع تور أندريه مسعى للمصالحة مع التراث الديني السابق وتحولاً من مناورة إلى أخرى؛ لكن تور يعي عمق تضارب الخلاصة التي انتهى إليها، بناءً على التناقض الصارخ بين مفهوم التعدد ومفهوم التوحيد الصارم في الإسلام، فيستدرك قائلاً: كيف لديانة فقيرة من حيث التصورات الدينية، ومحدودة التطور التشريعي، مثل ديانة عرب الجزيرة العربية أن تعي مفهوم الألوهية المجرد والمتطور الذي أتى به الإسلام والمتمثّل في مفهوم الله؟ والحال أن تلك الخلاصة التي تجعل الإسلام امتداداً لأديان الجزيرة العربية نابعة من رؤية كنسية يتقاسمها جمعٌ من الدارسين، تتمثّل في حضور العرب على هامش التوحيد العقدي السامي، المتمحور في التوحيد اليهودي - المسيحي.
إذ ثمة مركزية عقدية توحيدية في النظر لبلاد الشرق تدور حول اليهود، وهي نظرة مثالية نابعة من تصورات عرقية للمنطقة تولّدت عن الرؤية التوراتية، وتتنافى مع الدراسة التاريخية العلمية، والحال أن ثمة حالات توحيد لافتة من خارج الإطار التوراتي، على غرار تلك التجربة التي أطلت مع إخناتون في مصر.

خوارق
بعد ذلك التمهيد العام لظهور «الدين المحمّدي»، كما يسميه، يتطرق تور إلى نشأة النبي والظروف التي ألمّت به، ليعدّد الخوارق التي رافقت مولده، لا سيما ما ورد منها في السيرة لابن هشام، معتبراً إياها تضاهي ما رُوي من خوارق عن مولد كل من موسى وبوذا والإسكندر والمسيح. فأغلب الشخصيات التاريخية نُسجت حولها روايات خارقة ولم يبق النبي محمد نشازاً في ذلك. ولكن تلك الخوارق التي رافقت مولد العظماء واختلط فيها المعقول باللامعقول، لا تعني أن الأسطورة زائفة وكاذبة، بل هي أسلوب لحكي التاريخ وروايته، كون الأسطورة هي السجل الأمثل لطفولة العقل البشري حين سعى لتفسير ما يكتنف وجوده من غموض. فزمنها هو زمن البدء المكثّف والمشبع بالقوى الخلاقة والفعّالة، على حد تعبير قاسم الشواف في كتابه «مع الكلمة الصافية». وبالتالي لزم أن نعي اختلاف لغة العقلية الأسطورية عن لغة العقلية العلمية، من حيث التركيب والمضمون والدّلالة، وهو المفتاح الذي ينبغي كسبه للإحاطة بمعاني الأساطير ودلالاتها. ولا ريب أن الأسطورة قد رافقت ميلاد عديد الشخصيات التاريخية، لكن الفرق أن خوارق مولد عيسى - مثلاً - متضمَّنة في متن الإنجيل/‏‏ الأناجيل، في حين تأتي خوارق مولد النبي محمد واردة خارج النص القرآني. لذلك يخفق تور أحياناً في مقارناته بين الإنجيل والقرآن، حيث لم يفطن إلى أن الإنجيل «إنساني»، ونقصد متمحور حول شخص المسيح، في حين أن القرآن «رباني»، ونقصد متمحور حول كلمة الله، وهو اختلاف جوهري بين مرجَعين مقدّسين. فمنذ مطلع كتاب «حياة محمّد وعقيدته»، لا يتوانى عن إيراد المنظور الكنسي القروسطي في نسبة الإسلام برمته إلى صُنع النبي مدّخِراً عُلْوية الدين إلى المسيحية، كون النبي ما كانت لديه رغبة في إرساء دعائم دين جديد، بل ما كان ينشده هو إصلاح ما هو سائد وإعادة الناس إلى دين الله.
لذلك نقدّر أن تور أندريه لم يخرج عن الإطار العام للتصورات الاستشراقية، ليس بمدلول الهيمنة الاستعمارية التي أفاض إدوارد سعيد في تحليلها، بل بمدلول الهيمنة الدينية المسيحية، بوصف الإسلام دينا منتحَلاً في تصوراته المشتركة مع المسيحية. وصحيح أن تور أندريه قد تخلّص من مقاربة القرون الوسطى لدين الإسلام، المتّسمة بالرفض والتحقير والتهجم على الإسلام ونبيه، لكننا لم نعثر لديه على رؤية متحررة من الباراديغمات الكنسية المتحكمة بالنظر للآخر، مع أنه أقرَّ بصدق النبي محمد مع ذاته ونقاء سريرته، في حياته وفي دعوته، فضلاً عما تبين له من أن محمداً ما كان متعنّتا، بل كان فوزه بقلوب الناس بلِينٍ ولطف، بما توافر له من شجاعة للتراجع عن مواقف، تبيّن له خطأها، وهي شهادة تقطع مع إرث طويل في الاستشراق الغربي، وتنمّ عن تطور في تقييم شخصية النبي.

إنكار الوحي
أما عن تقييم لحظات الوحي الأول وتحنث النبي محمد في غار حراء، فما هي سوى مظاهر لتقليد منسك الرهبان السريان، لمّا كانت الرهبنة الشكل الأبرز للمسيحية السريانية. وفي تحليله للوحي النبوي، لا سيما إرهاصاته الأولى التي عاشها النبي، يذهب تور إلى أنها نتاجٌ للمخيال المتطور. وكما بيّن تور في كتاب سابق له بعنوان: «سيكولوجية التصوف»، ثمة ضربان من الإلهام أحدهما سمعي والآخر بصري، والشكل الأول مسموع بالأذن وموعى بالقلب، وهو كما يقول ألفريد دي موسيه «لا يُصنع، بل يُسمع، بما يشبه الهاتف الغريب الذي يطرق مسمع المرء»، ووحي النبي محمد ينتمي إلى صنف الإلهام السمعي. لكن الوحي المحمدي يبقى من منظور تور على علاقة وطيدة بالخيال الخلاق، والأمر ذاته ينطبق على حدث الإسراء والمعراج. وإن اعتبرَ تجربةَ الوحي التي عاشها النبي فريدة، فهي ليست من الصنف العصابي الآسر، بل من الصنف الاجتماعي المتوتر لشخصٍ استبطنت روحه هموم عصره. وما نشوة الإلهام ومكابداته سوى مسار طبيعي وحاسم للتعبير عن قناعة كبرى تسكنه. معتبرًا تور تلك الهواجس الوحيَوية هي نفسها التي دفعت النبي التوراتي عاموس قسراً للقول «لستُ نبياً، ولا تلميذ نبي، لكن الرب تكلّم»، ودفعت مارتن لوثر كذلك ليكتب «الوزرُ الذي يُثقل كاهل المسيحية هو ما دفعني للصراخ وإعلاء صوتي».
وفي تفسيره لظاهرة النبوة، يقول تور: لا ريب أن النبي محمداً كان واعياً بأن لكل أمة هادٍ، ومن هناك تساءل عن الرسول المرسَل إلى قومه، ناهيك عما تناهى إلى سمعه من المزامير والأسفار المقدسة، فأصبح كل ذلك محركاً للفكرة الخلاقة التي أعدّت للوحي، الذي وجد ضالته في مفهوم الحنيفية الإبراهيمية. لكن مفردة «حنيف» الواردة في عدة مواضع من القرآن الكريم، وتعني الموحِّد المائل عن الباطل إلى دين الحق، يزعم تور أنها واردة من اللفظة السريانية «هانبا» التي تعني «وثنيّ» ويتساءل كيف تحوّلت إلى نقيضها في القرآن؟ فالكلمة وفق ما يورد كانت تُطلَق على أتباع ماني وعلى الصابئة، ومن هناك انزاحت في الاستعمال في الجزيرة العربية لتعني من لم يكن نصرانياً ولا يهودياً، وهو ما انطبق على النبي إبراهيم. مقدِّراً أن الانزياح اللغوي للكلمة حدثَ على غرار ما شهدته مصطلحات أخرى فلسفية وسياسية، وبالتالي صَنّف التقليدُ الإسلامي الخارجين عن الاعتقادات الجاهلية واعتقادات أهل الكتاب ضمن الحنفاء، وهو ما انطبق على ورقة بن نوفل وعبد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث وزيد بن عمر.

طابع أخلاقي
وفي تناول تور للفلسفة الاجتماعية الإسلامية، يرتئي أن الأخلاق المعلَنة من جانب القرآن ذات طابع اجتماعي قوي. ما دفعَ هوبرت غريم، في كتاب «النبي محمّد»، إلى عدّ النبي مصلحاً اجتماعياً، بناءً على ما أحدثه من تحوّل جذري في التحكم بمصادر الثروة بين مُترفي مكة وفقرائها، خرج على إثره توزيع الثروة والعطاء والهبة من طابعه البدوي المحكوم بهوى المنّ والتكرّم إلى طابع حضري مدني في قالب ديني مفروض متجلّ في الزكاة. وفي تفسيره للصراع المحتدم بين النبي محمّد ومُترفي مكة، عقب الهجرة إلى المدينة، يذهب إلى أنه صراع اقتصادي صرف، وهو ما تجلى في السرايا الأولى والإغارة على القوافل المارة عبر طريق المدينة نحو الشام.
ومتابعة للحراك الاجتماعي الذي أحدثه الدين الجديد، يخطئ تور في تقييم وضع المرأة مع مجيء الإسلام مقدّراً حصول تراجع في الحرية التي كانت تنعم بها، مع أن المرأة مع الإسلام قد خرجت من التشيُّؤ إلى الأنسنة، أكان بإلغاء ظاهرة الوأد أو بضبط حقوق الميراث. كما نجد تور ينكر على الاستشراق، الذي غالباً ما يحاكم دين الإسلام وفق أخلاق العصر ومن منظور ما هو سائد، لا سيما بخصوص ما تعلق بمجالي الزواج وتعدد الزوجات، إذ غالباً ما يقع الدارس الغربي رهن تصورات مقارنة متأتية من الأمثلة الواردة في الأناجيل، وهي تصورات مثالية تتنافى مع الواقع.
وفي حوصلة عامة لتاريخ الاستشراق مع دين الإسلام، يقول تور: ساد تكذيبٌ وتهجّمٌ في القرون الوسطى، تلاه تقدير في عصر التنوير، رغم أن فولتير قد شذّ عن تلك الخاصيات العامة في مسرحية من تأليفه «محمد أو التعصب» (1736م)، إلا أنه تراجع عن تلك المواقف في مؤلف لاحق «أخلاق الأمم وروحها». وبشكل عام، يبقى منظور تور أندريه عبارة عن تقديم للإسلام للغرب، بعيداً عن أي ملمح سماوي، وهو ما يجد هوى في مخيال غربي مشبَع بالتصورات الكنسية.

الدنيوي والأُخْرَوي
في تفحّص أندريه تور لعناصر الإيمان القرآني، نجده يُسقِط الرؤية المسيحية على الإسلام في النظر إلى اليوم الآخر. إذ صحيح أن يوم الحساب من أركان الإيمان في الإسلام، ولكن ذلك لم يحوّل الإسلام إلى دين أُخروي أبوكاليبسي على غرار المسيحية. فالإسلام بقدر ما هو دين أخروي هو دين دنيوي. فلا القرآن الكريم، حوّلَ المؤمن إلى كائن مهووس بنهاية الكون وبوسواس الخطيئة، ولا السنة النبوية، ولذلك ليس المهمّ، من منظور دين الإسلام، متى تحلّ نهاية الكون ولكن اليقين في حصول ذلك الأمر الذي لا ريب فيه.

اقرأ أيضا