الاتحاد

الملحق الثقافي

طروادة.. النمط وانزياحاته

عمل فني يجسد حصار طروادة والحصان الخشبي الشهير الذي استخدم للدخول إليها (أرشيفية)

عمل فني يجسد حصار طروادة والحصان الخشبي الشهير الذي استخدم للدخول إليها (أرشيفية)

حنا عبود

ظهر الصيد في مرحلة جني الثمار، بينما ظهر الحصار في الثورة الزراعية، ولا فرق بينهما، فكلاهما يقوم على التطويق والتضييق والمطاردة والاقتناص ونصب الكمائن والانقضاض، والمناوشات الصغيرة وأحياناً الكبيرة... وسوى ذلك مما يعرفه الصيادون، كما يعرفه القادة العسكريون، وعلى الأخص رائد العلوم العسكرية الحديثة كلاوزفيتز، وكما أن عملية «الأكل» واحدة، سواء أكلت كرزاً أم برقوقاً أم فخذ ضأن... كذلك عملية الصيد. كل ما في الأمر أن الصيد في الحصار صار يجري بين الإنسان والإنسان بعد أن كان بين الإنسان والحيوان.

كلما تقدمنا في التاريخ ازداد صيد الإنسان وتراجع صيد الحيوان، فقد تبيّن أن الحيوان استكان واستجاب للترويض والتدجين، بينما ظل الإنسان خصماً لنفسه، يستحيل على ما يبدو وضع صيغة تمنع «الصيد» البشري. وفي الوقت الذي ينتهي الصيد عند الإنسان يكون التاريخ قد انتهى، فما التاريخ سوى صيد البشر للبشر، كأنه إثبات لبعض العقائد بأن البشر الحاليين من سلالة قابيل وليس هابيل. وعلى هذا يمكن الاستنتاج أن هذا النمط عنيد إلى حد بعيد، مثل عناد أنماط الشيطان والأب القاتل والمرأة الغيورة والكنة والحماة... نراه في كل مكان وزمان، إن لم يكن مادياً ففكرياً أو روحياً أو معنوياً، أو بطرائق أخرى. وكما تتكرر ضربات الصدر في كل مأتم حزين، وكما تتردد تعابير وتأوهات الأيامى والثكالى على رأس الفقيد، بصيغة تكاد تكون واحدة، فإن وصمة الحصار، ومصادرة أبسط الحقوق الإنسانية للمساومة عليها، لا تزال تلحق بالبشرية، كخصيصة من لصيق خصائصها، ولا تزال تتكرر وتتردد أصداؤها في التاريخ البشري.
ويمكن التعرف على أشكال الحصار أو الصيد البشري في التاريخ بمجرد معرفة الحالة البشرية القائمة، ففي المرحلة القبلية كان الحصار للقبيلة، وفي العصر الوسيط للقلعة، وبعد ظهور الصناعة للمدينة، وأما اليوم فقد اتسع نطاق الحصار حتى صار يشمل قطراً، بل أحياناً يصل إلى مستوى القارات... كما كثرت أنواعه، من اقتصادي إلى سياسي إلى أيديولوجي... كان مكان الحصار محدوداً من قبل، ولكن اليوم اختلف الأمر، فهناك ما يسمى «المنطقة المفيدة» يجري تطويقها وحصارها والاستيلاء عليها بحجة الأمن القومي. فقد ترى قوة عالمية في أي نقطة في العالم، وربما في الفضاء الخارجي، على أنها «منطقة مفيدة» لأمنها القومي.
وتكاد الإجراءات تكون واحدة، من تجسس ورسم خطط وتقدم بطيء، ثم تطهير محيط المنطقة المفيدة، ثم السيطرة على طرق المواصلات وخطوط الإمداد، ثم المناوشات والاشتباكات... ومهما اختلفت الوسائل، من المنجنيق حتى الصواريخ الذكية، فإن الصيد البشري واحد، والمنطقة المفيدة واحدة، ففي كل حصار لا بد من تدمير وشلّ القوى، ولم يعرف التاريخ غازياً اكتفى بمنطقة مفيدة واحدة، بل دائماً متعطش لمزيد من المناطق المفيدة، والقوى العظمى اليوم تتسابق إلى غزو الفضاء بحثاً عن «المناطق المفيدة»... كل هذا لا يختلف عن نمط حصار طروادة، إلا في الانزياحات التي أحدثها التطوّر.

طروادة في التاريخ
ظلت طروادة تتكرر في التاريخ حتى اليوم. ولجوء هومر إلى الرموز الميثولوجية لا يعني أن أحداث الملحمة مختلقة. إنها نمط أولي خاص بالجنس البشري، سجله ويسجله الأدب بفنونه المختلفة. ألم يقدم التاريخ نمطاً أولياً للحصار قبل طروادة؟ هناك الكثير في سومر وأكّد، وعند الحثيين، لكن طروادة ظهرت في الأدب أوضح من غيرها. وقد تكرر نمطها في التاريخ حتى اليوم، وسوف يتكرر ما دام هناك بشر. رأيناها في حصار أوروك وفي حصار أريحا وإبادة شعبها، وفي حصار المدن الكنعانية الأخرى، حيث كانت الإبادة تشمل البشر والحيوانات وكل أثر للمدينة المحاصرة، ورأيناها في حصار الرومان للغاليّين. أمثلة كثيرة من طروادة ظهرت في حصار الصليبيين للمسلمين في القدس، وفي حصار حطين وفي حصار بغداد والقسطنطينية، حيث بدت نسخة مكررة تماماً لما حدث في طروادة، ورأيناها في حصار الكاثوليك للهوغنوت، ورأيناها في سقوط المدن الأندلسية الواحدة بعد الأخرى، والسفن العثمانية لا تكاد تتسع للهاربين من الجحيم، ومنذ دخول كريستوفر كولومبس، وبقية القادة الآخرين، حتى أواخر القرن العشرين تقريباً تكررت طروادة مرات ومرات في أميركا اللاتينية، ورأيناها في الحربين العالميتين، كما رأيناها في الحروب الثنائية، بين دولتين متجاورتين... ولو أحصينا أنماط «طروادة» الكبيرة في التاريخ العالمي لرأينا أنها تكررت لأكثر من أربعين مرة، أما إذا أدخلنا في حسابنا المجازر الصغيرة فسوف نؤكد أن طروادة تكررت مئات المرات، إن لم نقل آلاف المرات. يبدو أن البشر حوّلوا هذا النمط العنيد إلى «حق» حتى يبيحوا لأنفسهم ممارسة الدناءة، بعد أن لم يجدوا ميداناً يمارسون فيه هذا «الحق» سوى الميدان البشري.

طروادة في الأدب
كما في التاريخ كذلك في الأدب، فالنمط الأولي لا يبقى على مواده الأولية، بل ينزاح، قليلاً أو كثيراً عن مواقعه، ولو نظرنا في «السبعة ضد طيبة» لرأينا نسخة من النمط الأولي وقد انزاحت قليلاً عن أسسها القديمة، مع مراعاة الفارق بين الملحمة والمسرحية. وفي أدب العصور الوسطى تكررت طروادة كثيراً، فهذه العصور يمكن تسميتها «عصور القلاع» فقد حصّن الإقطاعيون أملاكهم ببناء قلعة ضخمة، يقومون فيها بتدريب الفرسان الذين يشكلون جيش الإقطاعي. إن قصص الحصار لا تكاد تنقطع، بسبب الظرف التاريخي، الذي يقدم الكثير من نماذج طروادة. كل يوم هناك حصار على أرض الواقع، بحجة أو بأخرى، مما وسع مجال الاختيار أمام الأدب، ويكفي أن نذكر قصص الملك أرثر وفرسان المائدة المستديرة، أو ملحمة أورلندو، حتى تتضح أمامنا الصورة التي تلخص العصور الوسطى وتختصرها بكلمة «الحصار»، إلا أن الانزياحات الكبرى حصلت في الأدب الحديث، فصار لطروادة صور عدة تمتّ إلى النمط الأولي بصلة وثيقة، ولكنها في الوقت نفسه تتماشى مع روح العصر، وهنا نلمح تغييراً في العناصر، وابتكاراً لأهداف جديدة، بالإضافة إلى أن الأدب الحديث لم يمنح الجانب المادي فسحة كبيرة، بل غاص في الأعماق النفسية. فكما في مسرحية «حالة حصار» كذلك في رواية «الطاعون» لألبير كامو، نجد أن الكاتب يجعل المحاصِر «حالة» غير مرئية، فجعل في «الطاعون» وباء قاتلاً يطوق المدينة، فالحصار هنا يختلف عن الحصار في النمط الأولي، ولكنه اختلاف لا يؤثر في الدلالة، لأن الكاتب اهتم فقط بالمحاصَر، وكشف حقائق عن الطبيعة البشرية، ومثل هذا الحصار يشبه حصار طيبة بالوباء في مسرحية سوفوكليس «أوديب ملكاً»، أي أن الكاتب يهتم بداخل المدينة المحاصرة، أو بداخل النفس البشرية، مستغنياً عن معالجة المحاصِر. ومسرحية «الأفواه اللامجدية» لسيمون دي بوفوار تعالج القضية على أرضية فلسفية، للربط بين الاجتهاد والمسؤولية. هنا نكون قد دخلنا في البعد الفلسفي، من غير أن يعني هذا أن الأشكال القديمة للنمط كانت خالية من البعد الفلسفي، ومن غير أن يعني أيضاً أن هذا الاتجاه سيكون السائد في القرن الحادي والعشرين، فحتى الآن يتراجع الاتجاه الفلسفي من ساحة الأدب، لصالح الاتجاه السياسي، بفلسفاته المفتعلة، وادعاءاته الصاخبة. إن ما ظهر من أنماط الحصار في القرن الحادي والعشرين لا يشير إلى أن هناك اهتماماً جاداً في البحث عن جذور الدناءة.

الانزياح والانحياز
لو نظرنا في «الإلياذة» لوجدنا هومر يدير اللعبة بقلب بارد، فلا ينحاز لشعبه اليوناني، ولا تغيظه تصرفات الطرواديين. كان يعطي كل عنصر حقه، فإذا كان أمامه شخصية منطوية احترم كينونتها، ولم يفرض عليها سلوكاً يتنافى مع طبيعتها. تصرفُ أوليس منسجم كل الانسجام مع طبيعته الشخصية، فما عابه هومر ولا انتقده، وجعل خصومه يظهرون موقفهم منه، وكذلك بقية الشخصيات من هكتور وأخيل ومنيلاوس وباريس وسواهم. وكل «طروادة» تالية يكون الكاتب فيها منحازاً نجد الأثر الأدبي يبهت وفي أحيان كثيرة يسقط. ولا يعني هذا أن الانحياز في الأدب محرم، بل العكس، فالكاتب لا يقف بين الحق والباطل، ولا بين الوطنية والخيانة، ولا بين المحاصِر والمحاصَر... إنما يعلن الكاتب موقفه بدفع المواد التي بين يديه من خلال العملية الأدبية إلى التصرف وفق طبيعتها، من دون أي قسر. فبمجرد أن يختار العمل الأدبي فإنه يتخذ موقفاً، ولكن المشكلة في كيفية نقل هذا الموقف إلى القارئ. والقانون الأساسي في هذه الناحية هو احترام طبيعة الأشياء، والوصول إلى الموقف من طبيعة الأشياء المطروحة، ومن العبث إقناع القارئ بالموقف إذا كانت طبيعة الأشياء تناهض ذلك، فيعمد الكاتب بعدها إلى الافتعال والحيثيات المصطنعة، فإذا لم يصل القارئ إلى موقف الكاتب من طبيعة الأشياء المطروحة، فإن كل ما يفعله من أجل ذلك يصبح إرهاقاً للنص الأدبي، لكن النزعة البريختية في النصف الثاني من القرن الماضي حوّلت المسرح إلى ما يشبه «المسيرة الشعبية» وبحجة المسرح التعليمي تحوّل «العرض» إلى «عراضة». وعندما ادعت أنها هدمت الجدار بين الصالة وخشبة المسرح، لم تتبع التقليد المسرحي القديم، وهو إزالة هذا الجدار في الكوميديا فقط، كما في كوميديات أرستوفانيس، بل عممته على كل ألوان المسرح. ومع ذلك فإن التقليد المسرحي ظل مستمراً حتى في فترة سيادة البريختية، ففي «رأس المملوك جابر» تكرار لحصار طروادة، مع براعة في تنسيق الأحداث المسرحية، وفي الجمع بين ساحة المدينة والقصر الرسمي. وما أضافه سعد الله ونوس من النزعة البريختية لم يجعل الانزياح عن النمط الأولي أكثر من غيره، فكأنها إعلان انتماء للبريختية، التي حوّلت المتفرجين إلى تلاميذ، وجعلت الصالة غرفة صف. يبدو أن التقليد الأدبي أقوى بكثير من موجات التجريب العابرة.
وفي منتصف القرن العشرين، وقبل رحيل بريخت انتشر «حق» الدناءة في بعض بلدان العالم العربي، فقد استولى رهط من العسكريين على السلطة، ومنذ ذلك الوقت طفق أدب الحصار يظهر مع نزعة بريختية واضحة، وقد يكون هناك تدخل مباشر للمؤلف، وهو أسلوب أسوأ من البريختية، وتجلى ذلك في روايات ومسرحيات من نوع السامزدات والتامزدات، الذي ازدهر في المعسكر الاشتراكي، والذي تكاثر بعد النصف الأول للقرن العشرين في بلدان الانقلابات العسكرية، وبعد انصرام العقد الأول من الألفية الثالثة طفح الكيل وظهرت الثورات والتمردات ضد العسكرتاريا في هذه البلدان دون غيرها من البلدان العربية، وهو ما لم يحسب حسابه «العقائديون». فتكررت طروادة إنما من دون ذلك الموقف الهومري الذي أشرنا إليه من قبل، والذي أخضع العمل الأدبي لأعمق درجة من درجات احترام طبيعة الأشياء، تاركاً لها حرية التفاعل. سمعنا الكثير من صيحات الألم البشري يصدر عن الطرواديين، أمثال هيكوبا وكاسندرا وأندروماك... ولكنها صرخات تنسجم تماماً مع طبيعة الموقف، بينما في روايات السامزدات والتامزدات العربية صيحات صارخة، أشبه بصيحات كظيم تراكم الظلم عليه منذ عهود، فتذكرها فجأة، فراح يصرخ من غير توفير انسجام مع تلك العاطفة النبيلة. إن العسكرتارية تدفع أدباء السامزدات والتامزدات إلى إطلاق صيحات تشبه صيحات التعذيب في أقبية الاعتقال.


اقرأ أيضا