أرشيف دنيا

الاتحاد

مطربو اليوم يتغنون بأسمائهم.. والطب النفسي يصفهم بالمرضى

عبد الله الرويشد

عبد الله الرويشد

ظاهرة غريبة وجديدة تشهدها ساحة الغناء العربي الآن فلم يعد بعض المطربين يكتفي بذكر اسمه في وسائل الدعاية أو على الألبومات الجديدة فقط، بل أصبح ذكر اسم المطرب ضمن كلمات بعض أغانيه من وسائل الحصول على الشهرة والنجومية، وسط الضجيج والفوضى وكثرة الإعداد وتشابه الأسماء والملامح إلى حد التطابق في بعض الحالات..


في ظل ثورة النيولوك.. اندفع غالبية المطربين إلى حشر أسمائهم في أغانيهك دون أي غضاضة في أن يتغنى باسمه ولنفسه بصورة مباشرة.
العندليب والشحرورة
وهو عكس ما كان يحدث في الماضي عندما كان يذكر المطرب صفته على استحياء كما فعل عبد الحليم حافظ في أغنية “فاتت جنبنا” عندما قال في نهاية الأغنية:
وجاني الرد جاني ولقيتها بتستناني
وقالت لي أنا من الأول باضحكلك ياسمراني
وهنا يشير شاعر الأغنية حسين السيد بالـ”الأسمراني” لعبد الحليم حافظ الذي عرف وقتها بـ”العندليب الأسمر”، وبنفس المعنى والمفهوم غنى عبد الحليم للرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة أغنية “يامولعين بالسهر” التي يقول فيها:
يامولعين بالسهر
هنا يغني العندليب
والنجم يزهو والقمر
في عيد ميلاد الحبيب
ويشار أيضاً بصفة “العندليب” لعبد الحليم.
وغنت صباح التي عرفت بـ“الشحرورة “ و “الصبوحة “ لنفسها أغنية من قالب “الميجانا والعتابا “ قائلة :
وأجيبلك الشحرورة الصبوحة
تغنيلك أغنيات عالهدا
ولأن هذا اللون من غناء “الأنا “ يتسم بالشيفونية والنرجسية التي غالباً ما تنال من شهرة المطرب بقدر ما تضيف له - هكذا رأى القدامى - فلم يقترب أحد من تلك النوعية من الغناء، حتى دشنت هيفاء وهبي عصر “الأنا” من جديد عندما غنت لنفسها صراحة وبطريقة غزلية تلفت انتباه المستمع بعد أن أصبح يسمع بعينيه:
أنا هيفا أنا مين زي أنا
أنا هيفا أنا
ثم جاءت من بعدها مغنية الإثارة اللبنانية دانا تغني لنفسها بصورة صارخة ومن خلفها سرير نوم قائلة:
أنا دانا أنا دندن
فتح عينك تاكل ملبن
ولم تكتف بأغنيتها الأولى فقط بل أشارت لجمالها الـ ميه ميه في أغنية ثانية هي كل ما غنته قبل إنتاج ألبوم لها مؤخراً.
“هلا” و”الحمار”
وليس الغرام بالنفس أو الجمال هو القضية الرئيسية التي يركز عليها مطربو الزمن الجديد، بل نافس الرجال النساء في التغني بأسمائهم، فقد غنى المطرب الكويتي عبدالله الرويشد في ألبومه الجديد “ليلة عمر” الذي طرح مؤخراً أغنية بعنوان “هلا” من ألحانه وكلمات عبداللطيف البناي يقول في أحد مقاطعها:
حبيبي انت ما غيرك وابد ما قلتها لغيرك
في وسط قلب تقديرك وأنت الحب والمرجع
يا ويلك ماتخاف من الله حرقت عيون عبدالله.
وغنى المطرب السعودي راشد الماجد لنفسه منذ حوالي ثماني سنوات أغنية “ياراشد” وفي ألبومه قبل الأخير “سلامات” غنى أيضا بأسمه قائلا:
هلى ما أريد أنا غيره، ولا يغني أحد عنه
حشي ما كنت له جاحد، ولا حب من طرف واحد
شكيت لراشد الماجد.. سبا يبكم هلى غني
كما سار معه على نفس الدرب المطرب والملحن الإماراتي فايز السعيد في أغنية تحمل اسمه صراحة “فايز السعيد” في ألبومه الأخير يقول مطلعها:
فايز أنا في حبكم، وأنا السعيد بقربكم
وان كنتوا مشتاقين لي، أنا اللي متولع بكم
أما مطرب الحمار سعد الصغير فقد قدم فيديو كليب له بعنوان “سعد، سعد، يحيا سعد” وأدى الى أزمة كبيرة حيث نال هجوماً عنيفاً نظراً لإسقاط اسمه على الزعيم الوفدي الشهير في تاريخ الحركة الوطنية المصرية سعد زغلول.
كما غنى المطرب الشعبي المصري طارق عبد الحليم بطريقة ساخرة أغنية “أنا طارق ياد” ونفس الأمر ينطبق أيضاً على المطرب الشعبي العمدة الذي غنى “واد يابيبو ياد، أنا عمدة ياد”.

ورقة التوت
وحول ظاهرة “الأنا” والتي بدأت تنتشر مؤخراً يقول الملحن فاروق الشرنوبي: لست ضد الأغنيات التي تعتمد على توظيف الأنا بشرط أن تكون داخل سياق درامي “فيلم – مسلسل – مسرحية”، ولكن مجرد أغنيات وكليبات يذكر فيها المغنى اسمه فأنا ضد ذلك وأرى أن أصحاب “كليبات الأنا” ما هم إلا أشخاص يتسمون بعدم الثقة بأنفسهم وبما يقدمون، وهذا ليس غريباً في عصرنا الحالي الذي تجرد فيه الفن من ورقة التوت.

تقليعة
أما الموسيقار محمد سلطان فلم يسمع بعض هذه الأغنيات وعندما ذكرتها له ضحك وقال بسخرية: تقليعة جديدة في عالم الغناء ليس لها علاقة بالفن ولم تحدث إلا هذه الأيام التي يشهد فيها الفن انحداراً لم يسبق له نظير فلم نر مثلاً الموسيقار محمدعبدالوهاب على مدى تاريخه قال في إحدى أغانيه “أنا عبدالوهاب أنا ملك القلوب أنا” ولا قالت أم كلثوم “أنا ثومه أنا مين زي أنا” ولا أدري إلى أين سيأخذنا مطربو هذه الأيام والشيء الذي لم يفعلوه بعد هو ارتداء المايوهات والغناء بها، رغم أن هذه التقليعة هي الأخرى بدأت تظهر في الحفلات التي يقيمونها على الشواطئ في الصيف، وهكذا وصلنا إلى مستوى غير مشرف وندور في فلك واحد، والموسيقيون غير فاهمين والموزعون غير مدركين.

ويرجع الملحن حلمي بكر هذه الظاهرة إلى تفاهة المطربين المسيطرين الآن على الساحة الغنائية. ويقول: لا أعتقد أن أي مطرب محترم يمكن أن يتغزل في نفسه أو يقول “مين زيي أنا” أو غيرها من الكلمات التي استمعنا إليها في الفترة الأخيرة وتعبر عن أنانية وجهل . وأضاف: رغم هذا أعجبتني بعض الأغنيات التي استمعت إليها بالمصادفة مثل أغنية “يا راشد” للمطرب السعودي راشد الماجد لأن بها خفة ظل وصور جميلة، والمطرب في هذه الأغنية لا يذكر اسمه ولكن الكورس هم الذين يذكرون اسمه ويطلبون منه وصف البنت التي رآها وسلبت عقله، والأسم مذكور هنا على سبيل الدعابة وليس لمجرد ذكر اسم المطرب والشعراء الخليجيون كتبوا نماذج رائعة في هذه الظاهرة ولم يكتبوا ألفاظاً جارحة أو خادشة للحياء.

على سبيل “الإفيه”
المطرب الشعبي طارق عبدالحليم لا يرى غرابة في ذكر اسمه وقال: أنا كمطرب موجود على الساحة منذ حوالي 8 أعوام وقدمت العديد من الألبومات والكليبات الناجحة والناس يعرفونني جيداً ولست في حاجة لأقول “أنا” ولكن موضوع الكليب هو الذي فرض علينا ذلك حيث تدور قصته حول شخص أحب جارته وعندما تقدم لها شخص آخر يملك المال ضحت بحبها الأول وتزوجت من الثاني إلا أن تلك الزيجة فشلت وعادت للحي القديم الذي مازال حبيبها الأول يسكنه وحاولت إعادة المياه لمجاريها معه من جديد لكنه رفضها معتداً بنفسه وقال “أنا طارق ياد” ولأنني المطرب كان لابد أن أذكر أسمي وحتى لا أتهم من قبل الجمهور بالشيفونية أو النرجسية أحب أن أوضح نقطة مهمة وهي أنني بالفعل استبدل اسمي باسم العريس الذي اغني في فرحه كل ليلة وبالتالي فكرة “الأنا” به بعيدة عن ذهني تماماً.

المطرب الشعبي العمدة يرجع السبب في استخدامه “الأنا” إلى أنها مجرد فكرة طرأت على ذهن صديقه بهاء حسني على سبيل “الإفيه” وقد جاءت بالمصادفة البحتة، وفكروا في استغلال ذلك من خلال كليب “أنا عايز أعيش” وبعد ذلك وجدها فرصة لتثبيت اسمه كمطرب عند الجمهور الذي كثير ما قابله مستفسراً عن اسمه.

تضخم الذات
الطب النفسي له تفسير مهم ويرصد جوانب ظاهرة “أغنيات الأنا” فيقول الدكتور أحمد عكاشة إن بعض أصحاب تلك الكليبات مصابون بتضخم الذات والميل إلى الاستعراض والاعتقاد بأنه كــلما ضــخم أحدهم في ذاته فإن هذا يجعل الناس تعلي من شأنه وتتذكر اسمه، وعادة ما يميل أصحاب تلك النزعة للشخصية النرجسية التي تتسم بالشعور بالعظمة، ونقص التعاطف مع الآخرين، وتضخيم المنجزات، وإذا نظرنا إلى أصحاب أغنيات وكليبات الأنا لا نجد منهم واحداً قدم شيئاً تجاوز من خلاله ما قدمه الرواد الكبار أمثال عبد الوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش. وهؤلاء يخرجون للناس قائلين “أنا” ويتوقعون أن يحظوا بخصوصية وهو نوع من التحايل نظرا لضعف إنجازاتهم.

اقرأ أيضا