الاتحاد

عربي ودولي

حركات وطنية تسعى لتوحيد العراق عبر الدستــور


د· رسول محمَّد رسول:
أحرزت العملية الانتخابية العراقية التي جرت نهاية شهر يناير الماضي بعض التقدُّم في العلاقات البينية العراقية، خصوصا العلاقات المجتمعية الدينية والوطنية والسياسية· وحتى اللحظة انخرطت أغلب القوى الوطنية في حوار لإنتاج موقف وطني موحّد بشأن الخروج من مأزق المرحلة الحرجة التي تمر على العراق، وما زال عدد من الاتجاهات العراقية نأى بنفسه عدائيا وتصادميا عن هذه المشاركة مثل الاتجاهات الأصولية التكفيرية، والبعثية الصدّامية المنغلقة على ذاتها، وبعض القوى الرجعية المدعومة من أنظمة عربية وأجنبية أخرى·
وفي ضوء معطيات ما بعد الانتخابات، ظهرت بوادر عدّة للحوار الوطني، فقد تحرّك الأميركيون على الجماعات التي عارضت إجراء الانتخابات والمشاركة فيها، والتي بعد إجرائها شعرت بالندم لأن الشعب العراقي أثبت حرصه، رغم المخاطر الدموية على المشاركة فيها بوصف الانتخابات مرحلة من مراحل الخلاص من الاحتلال، وكان في هذا السياق جملة المداولات التي أجراها السفير الأميركي في بغداد مع (هيئة علماء المسلمين)، وبعد ترك السفير منصبه ليتسلَّم منصب آخر في بلاده، استمرت المداولات الأميركية مع الهيئة ببغداد، وبعد أن زار وفد من قائمة الائتلاف الموحدة المرجع الأعلى السيد السيستاني نهاية الشهر الماضي، خرج الوفد بتوصيات من بينها ضرورة أن تقوم الحكومة المنتخبة القادمة بإجراء اتصالات ومباحثات مع كل أطياف المجتمع العراقي، خصوصا الأخوة السُّنة العرب في العراق، وعدم تهميش أي طرف دون آخر·
مطالب الأكراد
وفي ضوء ذلك، أجرى أطراف من البيت الشيعي العراقي اتصالات عدَّة سعت إلى تفعيل وصايا المرجع الأعلى، وتفضيل المصلحة الوطنية على أية مصلحة جهوية لأن مصير العراق لن تحدِّده جهة دون غيرها في المجتمع العراقي· وفي هذا السياق تحرك إبراهيم الجعفري، مرشَّح لمنصب رئيس الوزراء، تجاه الأحزاب الكردية، واجتمع مع قياديي الحزبين الكرديين الرئيسين في منطقة كردستان العراقية وهو يحمل رؤية قائمة الائتلاف العراقية بشأن التكوينات العرقية في العراق، والتي قضت بعراق دستوري وتعددي ديمقراطي فيدرالي موحَّد، عراق يحترم حقوق الإنسان، ولا أثر فيه للتمييز الطائفي والديني والقومي، يحفظ حقوق الأقليات الدينية والقومية، ويحميها من الاضطهاد التهميش· ووفق هذه الرؤية المعتدلة والعادلة شرع الجعفري بالتحاور مع الأكراد الذين طالبوا بضمان الفدرالية، وضم كركوك، واحتفاظ جيش البيشمركة بكيانه واستقلاله، والحصول على وزارتين سياديتين من مجموع خمس وزارات هي الخارجية والداخلية والدفاع والنفط والمالية، وتخصيص ربع الميزانية العراقية للمنطقة الكردية فضلا عن منصب رئيس الجمهورية· إن مطالب مصيرية من هذا النمط ليس من المحتم أن يحسمها الجعفري في اجتماع واحد، لذا ظلت بعض المطالب عالقة على مائدة المباحثات المقبلة، وقال محمود عثمان، عضو القائمة الكردية، إنَّ الجعفري رفض الخوض في تفاصيل المطالب الكردية، لكنه أكد على أهمية مشاركة القوى التي قاطعت الانتخابات الأخيرة أو التي خسرت فيها في الحكومة الجديدة وفي كتابة الدستور، مقللاً من أهمية الدعوات لاستقلال إقليم كردستان، ومشددًا على أهمية عدم إتباع المحاصصة الطائفية والقومية التي تشكَّلَ وفقها (مجلس الحكم الانتقالي) السابق الذي كان عضوًا فيه·
الحزب الإسلامي·· والمتمردون
مهما كانت نتائج جولة الجعفري في المنطقة الكردية غير حاسمة نسبيا، فإنها وضعت علاقة القوى الشيعية المتحالفة على محك الوضوح بشأن مطالب الأكراد الحرجة، والتي ستتم عملية احتوائها في مرحلة قادمة، ومثلما حمل الجعفري رؤيته إلى الأكراد، كذلك حمل عدد من المرشحين على قائمة الائتلاف رؤيتهم لاستطلاع رأي الحزب الإسلامي العراقي، أكبر الأحزاب السنية في العراق، فقدزار وفد من المجلس السياسي الشيعي والقوى المتحالفة معه مقر الحزب الإسلامي للتباحث في عدد من المسائل السياسية المهمة في هذه الفترة المصيرية من تاريخ العراق· وكان من ضمن الوفد احمد الجلبي، والشيخ فواز الجربة، والشيخ عبد الكريم المحمداوي، وأعضاء الجمعية الوطنية المنتخبة من قائمة (الائتلاف العراقي الموحّد)، وتم الاجتماع مع الدكتور محسن عبد الحميد، الأمين العام للحزب، والدكتور إياد السامرائي، وعدد آخر من قيادات الحزب، ودار الحديث حول تطورات العملية السياسية في العراق، والتأكيد على ضرورة مشاركة جميع طوائف ومكونات الشعب العراقي في عملية كتابة الدستور، فهذه العملية، البالغة الأهمية لبناء العراق الجديد، يجب أن تكون توافقية، وتحظى بمشاركة كل الإطراف، وطُرحت في هذا الاجتماع آليات لإخراج هذه الأفكار والتصوُّرات الى حيز الواقع لتطرح على الجمعية الوطنية عند انعقادها· وفي وقت سابق من الأسبوع الماضي اجتمع الدكتور فؤاد معصوم، رئيس المجلس الوطني العراقي المؤقت، مع رئيس وأعضاء هيئة علماء المسلمين، وتم طرح أفكار للتقارب بين وجهات النظر والتأكيد على ضرورة مشاركة الهيئة في العملية السياسية عامة وكتابة الدستور الدائم والمقبل على نحو خاص·
البعثيون والدستور الجديد
لا شك أن هذا التحرُّك يمثل تحولا كبيرا في العملية السياسية، وينعكس إيجابا على مسيرتها الوطنية، وفي هذا السياق سعت حركات وطنية عراقية إلى جعل عملية كتابة الدستور فرصة لتوحيد الصف العراقي بكل أطيافه، والعمل على أن تكون عملية كتابة الدستور فرصة مناسبة للقوى الوطنية في أن تلتئم فيما بينها، وفي هذا الصدد قال الدكتور سعد عبد الرزاق، عضو قيادة تجمع الديمقراطيين العراقيين المستقلين، بزعامة السياسي المخضرم عدنان الباجة جي إن التجمع، وبمشاركة قوى أخرى مقاطعة ومشاركة في العملية السياسية، بدأ بالإعداد لحوار وطني وتشكيل لجنة عليا من قادة هذه القوى لكتابة الدستور العراقي الجديد، مشيرًا إلى أن اتصالات تجري حاليًا بين القوى والأحزاب الديمقراطية للمشاركة من خلال ائتلاف موحّد في الانتخابات المقبلة المقررة نهاية العام الحالي لتجاوز خسارتها في الانتخابات الاخيرة· وقال إنه تمَّ قبل ثلاثة أيّام تشكيل مجموعة سياسيين لدراسة كيفية المشاركة في عملية صياغة الدستور الدائم للبلاد تضمُّ ممثلين من الأحزاب والقوى العراقية المختلفة، وذلك إثر لقاء تشاوري حضره ممثلون عن 23 حزبا وتيارا سياسيا في بغداد بمشاركة أكثر من 60 شخصية لمناقشة استحقاقات الوضع السياسي الراهن ومهمات المرحلة المقبلة· وأوضح عبد الرزاق أن المجتمعين اتفقوا على اعتبار اجتماعاتهم مفتوحة أسبوعيا، وتشكيل لجنة متابعة للعمل على إعداد خطة لكيفية المشاركة في صياغة الدستور سواء من خلال التشاور مع أعضاء الجمعية الوطنية أو التعرف على آراء التيارات والحركات الشعبية ومنظمات المجتمع المدني من خلال فعاليات ومبادرات متنوعة، وأشار إلى أن اللجنة ستقوم بوضع خطة لتطوير وتوسيع الحوار الوطني الشامل بما فيها عقد مؤتمر لهذا الغرض وذلك بالتعاون مع جميع الأطراف السياسية في البلاد·ومن بين أبرز الشخصيات الثمانية عشر التي تضمها اللجنة: عدنان الباجه جي، ومهدي الحافظ، وزير التخطيط، والعضو السابق في مجلس الحكم نصير الجادرجي، وسعد صالح جبر، رئيس حزب الأمة، وعبد الإله النصراوي، أمين عام الحركة العربية الاشتراكية، ومبدر لويس رئيس حزب الوحدة· وضمَّت اللجنة ممثلين عن حركة الوحدويين الديمقراطيين، واتحاد عشائر العراق، وإتحاد عشائر سامراء، والجبهة الوطنية لوحدة العراق، وحزب الأمة، والحزب الوطني الديمقراطي، وتجمع الديمقراطيين المستقلين، والتجمع النسائي العراقي المستقل، والحركة الاشتراكية العربية، والحركة الملكية الدستورية، وائتلاف نساء العراق، إضافة إلى حركة إنقاذ العراق، وحركة القوميين الديمقراطيين، وحزب الوحدة، وحركة الفتح الإسلامي، وحركة الوسط، والكتلة المستقلة العراقية، وحركة أحرار العراق·
إن هذا التحرّك سيشكِّل مُنعطفا جديدا في أداء وتوجُّهات العملية السياسية للعراق الجديد، وفيما لو مضى لتحقيق غاياته فإنه سيوفِّر الفرصة لإنهاء الاحتلال في العراق، وتوطيد العلاقات البينية العراقية وهو ما يحتم وجوده في هذه المرحلة ليكون أساسا جديدا لمستقبل ميسمه الحوار الوطني الشامل·

اقرأ أيضا

كوريا الشمالية: نزع السلاح النووي غير مطروح للتفاوض مع أميركا