الاتحاد

عربي ودولي

المعارضة الشماليــة السودانيـة ··مأزق الخلافات وتزايد الفجوات


محمـد أبـو الفضل:
لـم تمـر المعارضة الشمالية في السودان بمأزق أقسى مما هـي عليه الآن ، حيث وقعت بين مطبات الحكومة ومناوراتها السياسية ، وبين مشاكلها الحزبية وخلافاتها الداخلية ، في وقت بدأت تتصاعد أدوار المجتمع المدني في السودان وتتسارع أنماط التدخل الاقليمي والدولي في غير صالحها ، ولا تزال علاقاتها بأهل الحكم فى الخرطوم على حالها من التذبذب ، متراوحة بين الصعود البطيء والهبوط السريع ، لأن الحوارات والمفاوضات مع الحكومة تخضع لحسابات الربح والخسارة السياسية، والمناقشات داخل هياكلها الحزبية مرهونة بتقديرات متضاربة،وبالتالي فنجاح القوى الشمالية المعارضة في تجاوز هذه العقبات يؤدي الى تعبيد الطريق أمام بزوغ تفاعلات ايجابية على الساحة السودانية ، تتوافق مع معطيات المرحلة الجديدة ، التي يمكن أن تكون فيها الأحزاب الشمالية أحد أركان الضبط المهمة فى الخريطة المليئة بالتعقيدات السياسية والتركيبات الجهوية·
والواضح أن اتفاق السلام النهائي الذي جرى توقيعه بنيروبي في التاسع من يناير الماضي بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان أوحى بأن الضغط السياسي من الداخل والخارج وسيلة ناجحة لاجبار أهل الحكم على الاستجابة لمطالب المعارضة ، لكن هذا الخيار الذي طبقته مبكرا القوى الشمالية أخفق في فرضها كرقم رئيس في التوازنات والمعادلات المختلفة ، لأسباب بعضها يتعلق بتخبط رؤاها وغلبة العوامل الحزبية على نظرتها الوطنية ، والبعض الآخر يخص آليات إدارة الحكومة لأزمتها مع المعارضة ، والتي تقوم على الاستقطاب تارة والتهميش تارة أخرى ، حتى تعمقت الخلافات وتزايدت الفجوات ، وظلت المعارضة الشمالية تدور في حلقة تتصاعد حينا وتبدو مؤثرة في التفاعلات ، وتتراجع في معظم الأحيان فتبدو خارج السياق السياسي الذي قبضت على بداياته الحكومة وامسكت بنهاياته الحركة الشعبية ، وكانت تصورات المعارضة الشمالية تتأثر دوما بالأجواء السائدة في الداخل والتطورات السياسية القادمة من الخارج ، وفي كل الأحوال نجحت الحكومة في تفريغ غالبيتها من مضامينه النشطة ، وامتلكت موازين ادارة الصراع السياسي بصورة محكمة ، كشفت حصيلتها عمق التأزم بين الجانبين ، وصعوبة التقاء رؤاهما على جدول أعمال قابل للتطبيق ، يأخذ في اعتباره المصالح الوطنية ويبتعد عن المصالح الحزبية والحسابات المناطقية ·
والحاصل أن الأحزاب والفصائل والجماعات الشمالية المعارضة رحبت باتفاق السلام النهائي بين الحكومة والحركة الشعبية ، غير أن معظمها ربط ترحيبه بضرورة الاقدام على خطوات أكبر لتوسيع أطر هذا الاتفاق وجعله مقبولا وشاملا على المستوى الوطني ، واتخاذ جملة من الاجراءات التي تفسح المجال لاطلاق الحريات ، بما يتواءم مع التداعيات التي سوف يخلفها في القطر كله ·
وكان ترحيب التجمع الوطني واضحا ومتسقا مع نهجه المعلن لتشجيع المفاوضات بين الجانبين وصولا الى غاياتها النهائية،وبرغم الاتجاه الأحادي الذي سلكته الحركة الشعبية في مفاوضاتها مع الحكومة،إلا أنها حافظت على علاقاتها بأقطاب التجمع، وغضت قياداته الطرف عن الاهمال الذي لقيته بسبب هذا الاتجاه الذي أضعف في حصيلته التجمع، فحاول الحفاظ على الحدود الدنيا لاستمرار الحركة الشعبية داخل هياكله ، بحسبانها القطب الرئيس في معادلة التوازنات المختلة بين الحكومة والمعارضة الشمالية ، حتى عندما يأتي الوقت للتفاوض النهائي بينهما توفر الحركة الشعبية غطاء ربما يساعدها في الحصول على تنازلات من الحكومة ·
خـلافات متجـذرة
مع أن المفاوضات بين الجانبين بدأت منذ فترة وأدت بعد مراوحات طويلة الى التوقيع على الاتفاق الاطاري بجدة في الرابع من ديسمبر ،2003 إلا أن البحث عن حل سياسي اتخذ طابعا أكثر جدية ، عقب توقيع اتفاق السلام النهائي بين الحكومة والحركة الشعبية ، حيث تمكن الطرفان في السادس عشر من يناير 2005 من التوقيع بالأحرف الأولى على ما وصف باتفاق ' منبر القاهرة '، في إشارة الى تولي مصر الاشراف على تسوية مشكلة المعارضة الشمالية ، وهو ما يعود الى عدة عوامل، أولها أن هذا المنبر يحمل رسالة اطمئنان لمصر لتبديد هواجسها السياسية على مستقبل السودان وينطوي على اعتراف صريح بدور القاهرة في المسألة السودانية وتأكيد واضح على صعوبة تغييبه ، وثانيها إحداث نوع من التوازن في حل أزمات السودان ، بعد استبعاد الدور العربي لحساب الافريقي ، حيث سلكت مشكلة جنوب السودان طريق كينيا ، ودخلت مشكلة دارفور من قناة نيجيريا، وثالثها العلاقة الجيدة بين مصر ومعظم عناصر المعارضة الشمالية من ناحية ، والحكومة السودانية من ناحية أخرى ، بما يسهل آليات التفاوض ·
وأدى الخلاف الى عدم الاتفاق على موعد محدد للتوقيع النهائي بالقاهرة، فقد كان من المنتظر حدوث ذلك في الثاني عشر من فبراير ،2005 ثم اتفق على أن يكون نهاية فبراير أو أوائل مارس ،2005 لكن حتى الآن لم يتم التوقيع على الاتفاق النهائي، الأمر الذي يؤكد أن هناك تباينات حالت من دون ذلك ، وأن التوقيع بالأحرف الأولى جاء لأهداف سياسية عاجلة وبتدخل من القيادة المصرية ، ويمكن القول إن هناك تقديرات متباينة لعبت دورا مهما فى مسألة التأخير،ومن المرجح أن تتواصل تداعياتها السلبية ، اذا استمر الطرفان في رفض الاقدام على تنازلات مؤلمة ، كوسيلة لتقريب وجهات النظر وحل المعضلات التي تعتري التوقيع النهائي ، وهو الطريق الذي نهجته الحكومة في مفاوضاتها مع الحركة الشعبية للوصول الى اتفاق السلام النهائي·
أبرزها الخلاف حول مسألة النسب في السلطة ، فالحكومة ترفض تعديل نسبة المعارضة الشمالية في السلطة ، وهي 14% كما حددها اتفاق السلام بين الحكومة والحركة الشعبية ، وهذه النسبة من منظور الحكومة مخصصة لكل القوى الشمالية ، داخل التجمع وخارجه، ويرجع هذا الرفض الى اعتقادها أنها سوف تقدم على تنازلات في حصتها (52% ) لغرب السودان ، عقب اندلاع مشكلة دارفور وتصاعدها الى حد مخيف ، بفعل التدخلات الدولية ، ومن المنتظر أن تقدم على تنازلات أخرى لشرق السودان ، بعد مطالبة ' مؤتمر البجا' و ' والأسود الحرة ' بمنبر تفاوضي مستقل ، وهو ما ظهرت تجلياته بموجب رفضهما الانحراط في ' منبر القاهرة'، ثم انتزاعهما اعترافا من التجمع الوطني باجراء مفاوضات مستقلة مع الحكومة بشأن الشرق ومشكلاته السياسية والاقتصادية والعسكرية ·
وأفضى التباين بشأن هذه النقطة الى شد وجذب عميقين بين الجهات الثلاث ، التجمع الوطني والحكومة وممثلي شرق السودان ( مؤتمر البجا والأسود الحرة ) حتى جرت تسوية سياسية لهذه المشكلة ، فتحت الباب للاعتراف بمنبر مستقل للشرق ، في الوقت نفسه بدأت مؤشرات التصعيد العسكري تتوالى في شرق السودان وتحدث مواجهات واحتكاكات بين بعض مواطنيه وعناصر أمنية حكومية ، بما يفيد بعدم استبعاد هذا الخيار ( العسكري) الذى ثبت أنه الوحيد الذي تعترف به الحكومة ويجبرها على الجلوس الى طاولة المفاوضات ، كما مارست الحكومة سياستها في محاولة استمالة عناصر موالية من شرق السودان ، لتفتيت صفوف قواه وإشاعة الفوضى السياسية، لتمكينها من فرض شروطها ، إذا قدر للمفاوضات أن تبدأ طريقها عمليا ·
محـددات واحتمـالات
باستبعاد القوى التي تتفاوض مباشرة مع الحكومة ، من الشرق والغرب فضلا عن الجنوب الذي أنهى مفاوضاته ، أصبحت المعارضة الرئيسية داخل التجمع الوطني محصورة تقريبا فى حزب الاتحادي الديمقراطي الذي يقوده محمد عثمان الميرغني ، فهل يحصل بمفرده على نسبة 14% أم تتوزع على القوى الشمالية خارجه أيضا ، حزب الأمة بفرعيه ( القومي ) و( الاصلاح والتجديد ) وحزب المؤتمر الشعبي والحزب الشيوعي، أم يتم اقتطاع جزء من هذه النسبة للشرق وربما الغرب ؟·
تتوقف الإجابة على هذا السؤال الكبير على أربعة محددات ، الأول مسار المفاوضات بين الحكومة وكل من ممثلي الغرب والشرق والتجمع الوطني ، وقدرة كل طرف للضغط على الخرطوم لاجبارها على تقديم تنازلات ، والثاني غموض موقف القوى الشمالية المؤثرة خارج التجمع الوطني، فوسط التقسيمات المعلنة للنسب والوعود الخفية للمشاركة في السلطة ، لم تتضح مكونات التعامل مع هذه القوى التي تمارس دورا سياسيا نشطا في الخرطوم ، والثالث حجم الاستقطاعات التي يمكن ان تقدمها الحكومة ، في ظل تشبثها بعدم التفريط في حصتها (52%) ، والرابع درجة الضغوط الاقليمية والدولية لتسريع المفاوضات على الجبهات الثلاث ، بغرض استقرار الاتفاق بين الحكومة والحركة الشعبية ، وفتح أفق أمام السلام الشامل في السودان ·
ولعل عدم التزام الحكومة أخيرا بتعهداتها لمشاركة المعارضة في اعداد الدستور بصورة متوازنة وتضارب تفسيراتها يطرح ثلاثة احتمالات ، الأول رغبتها في مزيد من تشتيت قوى المعارضة وترسيخ انقساماتها والتقليل من الاعتراف الرسمي بأهميتها ، بعد مفاوضاتها السابقة والمتوقعة مع عدد كبير من أقطابها ، وتحجيم طموحاتها في مجالات أخرى مثل تغيير النسب عند تطبيق اقتسام السلطة ، والثاني امكانية إعداد مواد تناسب حزب المؤتمر الحاكم ، حتى يتمكن من تربيط تحالفات تضمن له قوة الاستمرار خلال المرحلة الانتقالية وما يليها من ترتيبات مستقبلية، والثالث سـد الطريق على رغبات القوى الأخرى في الغرب والشرق التي يمكن أن تطالب بالمشاركة بصورة رئيسية في إعداد مواد الدستور، وعلى هذا الأساس فإن خطورة المناورة بمسألة الدستور وتهميش أدوار القوى الأخرى يشير الى عدم جدية الحكومة في الاقدام على تحولات سياسية عميقة ، ويضاعف من شكوك المعارضة، وربما دوائر خارجية ، تتطلع الى توفير أجواء مناسبة لاستقرار السلام في السودان ، بشكل يفتح المجال لمزيد من التدخـلات لضبط إيقاع الأوضاع ومنع انفلاتها، كما أنها تضع عثرات جامدة تؤثر سلبا على التعجيل بتوقيع الاتفاق النهائي بين الحكومة والتجمع الوطني · ومن خلال المعلومات والتقديرات السابقة يمكن التوقف عند أربعة استنتاجات جوهرية ، الأول انفراد الحكومة بالحل والعقد في الأزمات القومية ، على حساب قوى المعارضة الشمالية التي أبدعت الحكومة في عدم مشاركتها في الحلول السياسية ، وأن حواراتها ثم مفاوضاتها جاءت تحت ضغوط مختلفة ، أغلبها يتعلق بحزمة من التقديرات الداخلية والخارجية، والثاني تصاعد الخلافات في صفوف الأحزاب الشمالية ألقى بأثقال سياسية باهظة عليها ، بما أعاق قدرتها على التماسك والضغط على الحكومة السودانية، والثالث تراجع دور الأحزاب الشمالية التاريخية وصعود المناطقية بصورة أضحت تهدد وحدة البلاد، والرابع غموض المطالبة بالتوافق الشامل والدعوة الفضفاضة للمؤتمر الدستوري ، جعلت الحكومة تمعن في مناوراتها حيال المعارضة، لأنها حتى الآن لم تقدم رؤية متماسكة للمؤتمر القومي تحظى بالاجماع، فالتغير الحاصل في خريطة القوى السياسية والالتباس في التحالفات الجديدة، قد يؤدى الى تصاعد حدة التجاذبات بين الحكومة والقوى الشمالية،بما يؤثر على أدوات التسوية بينهما ومكوناتها العملية ،وتتعطل عملية التوقيع على الاتفاق النهائي، الى حين يشعر كل طرف أن هناك مسؤولية وطنية تقع على عاتقه ، تفرض عليه التعجيل بالتعامل مع الواقع السياسي بديناميكية تراعي مصالح السودان،الذي يمر الآن بمرحلة دقيقة تبدو مفتوحة على احتمالات غامضة ·

اقرأ أيضا

ماي تطالب بإرجاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حتى 30 يونيو