الاتحاد

عربي ودولي

«التايمز»: قاطعوا مونديال «العبودية المروعة» في قطر

دينا محمود (لندن)

تصاعدت على الساحة البريطانية الأصوات الداعية لمقاطعة بطولة كأس العالم لكرة القدم، التي يُفترض أن تُقام في قطر أواخر عام 2022، وذلك في وقت شككت فيه وسائل إعلام غربية عدة في مدى جدية الدويلة المعزولة في معالجة شكاوى العمالة الوافدة إليها، بعدما زعمت الدوحة أنها بصدد استحداث هيئة للنظر في مظالم العمال الأجانب، الذين يعانون الأمرين على مختلف المستويات في الأراضي القطرية.
في مقالٍ نشرته صحيفة «التايمز» البريطانية المرموقة، أكد الكاتب رُد ريدل أن الدعوات الرامية لفرض مقاطعة على النسخة بعد المقبلة من المونديال «ربما ستلقى دعماً دولياً»، في ضوء أنه سيُقام - حسبما هو مقررٌ حتى الآن - في «دولة العبودية المروعة (المسماة) قطر»، وقال ريدل، إن مثل هذه الدعوات قد تنال تأييداً أكبر على الساحة الدولية، مُقارنةً بأي مطالباتٍ تدعو إلى اتخاذ إجراءٍ مماثل حيال بطولة كأس العالم التي ستقام في روسيا بعد ثلاثة أشهر، وذلك على خلفية الاتهامات البريطانية لموسكو بالتورط في عملية تسميم الجاسوس الروسي السابق سيرجي سكريبال وابنته يوليا، والتي حدثت في مدينة ساليزبري قبل أكثر من أسبوع.
وأضاف ريدل أنه على الرغم من أن «نظام الحمدين» الحاكم في الدوحة غير ضالع في شن «عملٍ من أعمال الحرب الصفيقة» ضد المملكة المتحدة، كما جاء على لسان عضو في البرلمان البريطاني واصفاً عملية تسميم سكريبال، فإن «سجل قطر في مجال حقوق الإنسان ورعايتها للإرهاب.. الدولي يجعلها تستحق في نظر غالبية دول العالم مقاطعة» الحدث الرياضي الذي مُنِحتْ حق استضافته قبل أكثر من سبع سنوات، في ظل ملابسات مشبوهة تفوح منها روائح الفساد والرشوة.
وتطرق الكاتب في مقاله بـ «التايمز» - ذات توجهات يمين الوسط - إلى ما شاب التصويت الذي أسفر عن إسناد مونديال 2022 إلى قطر، وهو ذاك الذي جرى أواخر عام 2010، بمشاركة أعضاء اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي لكرة القدم الـ«فيفا»، وانتهى إلى «سرقة» تلك الإمارة صغيرة المساحة البطولة الكروية الأهم على وجه الأرض، مُتغلبة في ذلك على دولٍ أكثر منها خبرة في تنظيم مثل هذه الفعاليات، مثل الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية.
فبلهجةٍ ساخرة إلى أبعد حد، تهكم ريدل على العملية «الطاهرة الشفافة» التي عادةً ما يتخذ الـ«فيفا» في إطارها قراراته مثل اختيار الدول المُنظمة لغالبية النسخ السابقة من بطولة كأس العالم، مثل «تلك التي ستُقام في قطر عام 2022».
ويُذّكِر الكاتب في هذا الشأن بالحملة التي قادتها الولايات المتحدة عام 1980 لمقاطعة دورة الألعاب الأولمبية الصيفية التي أُقيمت وقتذاك في العاصمة الروسية موسكو، وذلك بُعيّد الغزو الذي قام به الاتحاد السوفييتي السابق وقتذاك لأفغانستان، مُشيراً إلى أن سلاح مقاطعة الأحداث الرياضية الكبرى يُؤتي أُكله «عندما يوافق عددٌ كافٍ من الدول» على إشهاره، في ما بدا دعوةً لحشد الرأي العام الدولي لفرض العزلة على البطولة الكروية، التي سيشكل نقلها المحتمل من قطر ضربة قاصمة للنظام الحاكم فيها.
وجاء مقال ريدل في ظل ما يبدو أنها حملةٌ متصاعدة تشهدها الساحة البريطانية في الوقت الراهن، بهدف فضح ممارسات النظام القطري على صعيد ملف «العمالة الوافدة» من جهة، وبشأن تمويل الإرهاب وإيواء قيادات التنظيمات الإرهابية ودعاة التطرف والكراهية من جهة أخرى.
فقد أطلقت مجلة «سبِكتاتور» البريطانية المرموقة أواخر الأسبوع الماضي دعوةً ضمنية لمقاطعة مونديال 2022، عبر مقالٍ نشرته للكاتب نيك كوهِن وصف فيه هذه البطولة بأنها «ذات أسسٍ فاسدة» من الأصل، وتساءل من خلال سطوره عما سيكون عليه رد فعل مشجعي كرة القدم عندما تبدأ منافساتها بعد أقل من خمس سنوات، في ضوء ما يحيط بذلك المونديال من ملابساتٍ، سواء على صعيد الكيفية التي جرى من خلالها إسناد تنظيمه إلى الدويلة المعزولة، أو ما شهدته عمليات تشييد المرافق الخاصة به، من انتهاكاتٍ سافرة لحقوق العمال وتهديد خطيرٍ لحياتهم.
وأكد كوهِن في مقاله أن «العمال المهاجرين في قطر يعانون من فصلٍ عنصري» في ضوء أنهم يُعاملون كفئة دُنيا في المجتمع القطري بعد المواطنين «الذين لا يشكلون سوى 10% فحسب من تعداد السكان البالغ قرابة 2.1 مليون نسمة»، مُشيراً إلى أن الحكام المستبدين - في إشارةٍ واضحة إلى «نظام الحمدين» - حولوا هذه الأقلية من أبناء البلد إلى «نخبة عنصرية.. يقبع أسفل منها عمال مهاجرون يحصلون على رواتب متدنية، أتوا من آسيا وأفريقيا، بينما يَقْدِمون أحياناً من الغرب».
وفضح المقال المطوّل الازدواجية المزمنة التي تتسم بها سياسات حكام الدوحة، إذ قال كاتبه إن إعلان النظام الحاكم في قطر عن أنه «أدخل إصلاحاتٍ» على قوانين العمل لديه، يندرج في إطار محاولاته لـ«تغيير صورته» القبيحة على الساحة الدولية، دون أن يغفل التأكيد على فشل مثل هذه المحاولات، قائلاً إن التغييرات التي أُدْخِلت على قوانين العمل القطرية كانت «في نهاية المطاف تجميليةً أكثر منها حقيقية وفعلية».
اللافت أن الموقف نفسه من «الإصلاحات القطرية المزعومة»، ورد في تقريرٍ إخباري نشره أمس موقع «سبورتس كيدا»، تعقيباً على التصريحات التي أعلنت من خلالها الدوحة أنها ستستحدث في غضون أسبوع من الآن، ما وصفته بـ«هيئة عمالية لتلقي شكاوى العمال المهاجرين»، وذلك بعدما كانت هذه الشكاوى تنظر من جانب النظام القضائي الداخلي، وهو ما يوحي بتصدع الثقة في القضاء القطري وأحكامه. وأبرز الموقع حقيقة أن الهيئة المُزمعة تشكل جزءاً من اتفاقٍ كانت السلطات في الدويلة المعزولة قد توصلت إليه مع منظمة العمل الدولية في نوفمبر الماضي، في مسعى لـ«وأد تحقيقٍ كان من المحتمل أن يكون مُحرجاً (لقطر) من جانب المنظمة التابعة للأمم المتحدة في الاستغلال المُفترض للعمالة» الأجنبية من جانب حكام الدوحة.
وأشار تقرير «سبورتس كيدا» إلى «الضغط الدولي المكثف» الذي تتعرض له «إمارة السخرة والاسترقاق» منذ حصولها على حق تنظيم كأس العالم 2022، وذلك لإجبارها على إجراء «إصلاحات شاملة في ممارساتها على الصعيد العمالي»، وهي الممارسات التي تُوصف بأنها أقرب إلى «العبودية المعاصرة». وحرص التقرير على إبراز الهجوم الضاري الذي تشنه منظمات حقوق الإنسان الكبرى في العالم على قطر لتبنيها نظام «الكفالة»، الذي يجبر العمالة الأجنبية الموجودة فيها - والتي يربو عددها على مليونيْ عاملٍ مهاجر - على «الحصول على موافقة أرباب العمال على تغيير وظائفهم أو مغادرة البلاد».
ولفت تقرير الموقع الرياضي البارز الانتباه إلى العزلة الدبلوماسية والاقتصادية التي تعاني منها قطر منذ أكثر من تسعة شهور، قائلاً إن هذا البلد المنبوذ «متورطٌ في خلافٍ دبلوماسي آخذ في التفاقم» مع الدول المجاورة له، وذلك في إشارةٍ إلى التدابير الصارمة التي تتخذها الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات ومصر والبحرين)، ضد نظام تميم بن حمد منذ مطلع شهر يونيو من العام الماضي لإجباره على العودة إلى الصفين الخليجي والعربي، والتخلي عن سياساته الطائشة وتحالفاته مع التنظيمات الإرهابية والأنظمة القمعية المُهددة للمنطقة العربية، مثل نظام الملالي الحاكم في إيران.
ويشكل ملف «العمالة الوافدة» صداعاً في رأس النظام القطري، في ظل توالي تسجيل حالات الوفاة في صفوف العمال الأجانب الذين يشاركون في تهيئة البنية التحتية الضرورية لإقامة النسخة بعد القادمة من المونديال، وعجز السلطات الحاكمة في الدوحة عن طمس الأدلة التي تفيد بأن فقدان هؤلاء لحياتهم يعود إلى الظروف شديدة القسوة التي يعملون في ظلها، فضلاً عن إجبارهم على الإقامة في معسكرات مكتظة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الآدمية.
وقد حذرت وسائل إعلام غربية مرموقة مؤخراً من إمكانية تصاعد عدد الوفيات التي تُسجل في صفوف العمالة الوافدة إلى قطر خلال الأشهر القليلة المقبلة، وذلك في ضوء الزيادة المتوقعة في عدد العمال الأجانب المشاركين في المشروعات المتعلقة بكأس العالم 2022 بواقع ثلاثة أضعاف تقريباً، من 12 ألف عامل إلى نحو 36 ألفاً. ويُذكي تصاعد الانتقادات الموجهة لنظام تميم على صعيد ملف المونديال من الشكوك القائمة حول إمكانية بقاء هذه البطولة في قطر من الأصل، خاصةً بعدما كشفت وسائل إعلام بارزة قبل أسابيع عن إمكانية نقلها إلى دولٍ أخرى، من بينها الولايات المتحدة وإنجلترا.

اقرأ أيضا

ورشة عمل في عدن تحدد أولويات إعادة الإعمار