دنيا

الاتحاد

السينما العربية.. «لائقة صحياً»!

تامر عبد الحميد (أبوظبي)

من الصعب مقارنة السينما العالمية بنظيرتيها الخليجية والعربية في تناول موضوعات تخص المستقبل والخيال العلمي، فمنذ سنوات طويلة والسينما العالمية تنتج أفلاماً غزيرة عن الفضاء، وتوقعات المستقبل، ومنها ما استعرض أوبئة وأمراضاً وكوارث طبيعية، وقد لامست أحداث بعضها وتشابهت قصصها مع أزمات مر بها العالم مثل أزمة «كورونا المستجد» الحالية، حتى أن أفلاماً توقعت أحداثاً وقعت فعلا، في حين أن السينما العربية بعيدة كل البعد عن إنتاج أفلام تناولت كوارث وأزمات وأوبئة، باستثناء عدد قليل من الأفلام المصرية، مثل «صراع الأبطال» و«اليوم السادس» الذي تناول مرض الكوليرا، و«طالع النخل» حول البلهارسيا، و«الحب في طابا» عن الإيدز، ما يطرح تساؤلاً مشروعاً في هذه المرحلة؛ لماذا لا يهتم أضلاع صناع السينما الثلاثة (المنتج والمؤلف والمخرج) في العالم العربي بتنفيذ أفلام تناقش مواضيع الأزمات والأوبئة.

سببان مهمان
من جهته، أوضح الكاتب والمخرج والمنتج منصور اليبهوني الظاهري أن إحجام السينما الخليجية والعربية عن تنفيذ أفلام تستعرض أوبئة وأزمات وكوارث طبيعية تعود إلى سببين مهمين، هما الإمكانات والجمهور. وقال: «نعاني في عالمنا السينمائي العربي ضعف الإمكانات اللازمة لتصوير فيلم بصيغة احترافية عالمية يناقش قضية مجتمعية مهمة تخص أزمة ما أو انتشار فيروس خطير أو كارثة طبيعية، فهذه النوعية من الأفلام تحتاج إلى ميزانية ضخمة لتنفيذها بالشكل الصحيح، من حيث التقنيات التصويرية والإخراجية المعقدة جداً وعالية التكلفة». وأضاف: أفلام مثل «أوميجا مان» «وورلد ستارزي» و«أرماجيدون»، صرف عليها ملايين الدولارات، لتظهر بصورة سينمائية احترافية، أما في عالمنا العربي فمن الصعب أن ينفق المنتج 100 مليون دولار مثلا على إنتاج مثل هذه النوعية من الأفلام، متخوفاً من عدم تحقيق الجذب الجماهيري المطلوب. نوعية الجمهور السبب الآخر الذي تحدث عنه الظاهري، موضحاً «الثقافة السينمائية في الغرب مختلفة، فهم منذ قديم الأزل استطاعوا صنع ثقافة للمنتج السينمائي الخاص به، فيما تعود الجمهور العربي على القصص الدرامية التقليدية، وإذا قدمت له نوعية سينمائية أخرى من الصعب تقبلها، لأنه اعتاد على ثقافة سينمائية معينة». وقال «نحن في حاجة أولاً إلى الخروج من قفص القصص القديمة، وتوافر عناصر احترافية على مستوى الكتابة والإنتاج والإخراج وكذلك النجوم لنمتلك جرأة طرح مثل هذه المواضيع».

آفاق جديدة
وأكد المنتج علي المرزوقي أن الأفلام التي تناقش مواضيع مثل الأمراض والأوبئة، في حاجة إلى منتجين لديهم الجرأة والوعي، ومخرجين مغامرين أصحاب رؤية فنية ناضجة لا يسعون وراء الربح فقط، وكتاب لديهم الخلفية الثقافية العلمية والخيال، لتوسيع دائرة الصناعة السينمائية إلى آفق جديدة غير مطروقة. وقال إن إنتاج مثل هذه النوعية من الأفلام صعب جداً في العالم العربي لأنه يتطلب ضخامة في الإنتاج، ودعما من جهات معنية بالفن، وترويجا بشكل مبتكر حتى يحقق الانتشار، وكذلك البحث عن كتاب لهذه النوعية من الأفلام، إلى جانب خلق ثقافة المشاهدة لدى الجمهور العربي، حتى يتقبل مشاهدة مثل هذه النوعية من الأفلام بقالب عربي. وأوضح أن صناعة نوعية أفلام الخيال العلمي والأزمات والكوارث تحتاج إلى توافر أدوات البحث العلمي، وفي العالم العربي لا تتسع هذه الأدوات لتسعف الكاتب العربي لكتابة قصة خيال علمي أو لإنتاج قصص تحاكي ما يحدث، على عكس هوليوود التي لديها مختبرات وأدوات بحث علمية كبيرة ومتطورة.

ثقافة كافية
وقال المخرج عبد لله حسن أحمد «مجتمعاتنا العربية ليست لديها الثقافة الكافية لإنتاج أفلام توازي الأفلام العالمية التي استعرضت ضمن أحداثها قصص خيال علمي وأوبئة وكوارث، نظراً لأننا نفتقر إلى ثقافة البحث العلمي، وهذا بدوره ينعكس على الكتابة في السينما، حيث أنه ليس لدينا كتاب لديهم خبرة في هذا المجال، فضلاً عن أن كتابة هذا النوع من الأفلام تحتاج إلى مهارات خاصة لن يكتسبها المؤلف إلا من خلال عملية البحث العلمي، والتي تنال اهتماماً واسعاً في الغرب، ما ينعكس على صناع السينما».
وأوضح أنه في الأربعينيات والخمسينيات انتشرت أوبئة وأمراض في العالم العربي مثل الطاعون والجدري، وكتب مؤلفون إماراتيون قصصا عن المصابين في رأس الخيمة، منوهاً إلى ضرورة البحث في القصص القديمة حول الأمراض والأوبئة، والتفكير في إنتاج أعمال سينمائية لهذه النوعية المهمة من الأفلام الغنية.
ولا يرى عبد الله أن الإنتاج يقف عائقاً أمام تنفيذ هذه النوعية من الأفلام السينمائية. وقال: «الميزانية العالية لإنتاج أي فيلم مهمة جداً، ولكن يمكن تنفيذ أفلام رائعة تحمل مضموناً عميقاً في ظل وجود مخرج ومنتج متميزين، مثل الأفلام التي تنفيذها الصين وكوريا وتنال انتشاراً عالمياً وعربياً واسعاً».

«يوم الدين»
«يوم الدين» أحدث الأفلام العربية التي تناولت الأوبئة، عرض في العام 2018 للمخرج الشاب أبو بكر شوقي الذي تناول فيه مرض الجذام ومعاناة المرضى به من خلال مصاب حقيقي، اسمه راضي جمال، وقدم الفيلم بطلاً حقيقياً. وقد شارك الفيلم في مسابقة «الأوسكار»، بعد أن أحدث ضجة هائلة في الوسط الفني لحداثة موضوعه وفرادته. ودارت أحداثه حول رجل يدعى بشاي في منتصف عمره، ترعرع داخل مُستعمرة للمصابين بالجُذام، وبعد وفاة زوجته المصابة أيضاً بالجذام، يغادر المستعمرة وينطلق برفقة صديقه النوبي أوباما في رحلة عبر أنحاء مصر في محاولة لمعاودة الاتصال بعائلته من جديد بهدف الوصول إلى قريته في محافظة قنا.

تقنيات فنية
قال الكاتب والمخرج عامر المري إن السينما العربية منذ بدايتها لم تدخل في مجال صناعة أفلام الخيال العلمي بما فيها التي تستعرض الأزمات إلا عدد قليل من الأفلام المصرية والأفلام الوثائقية التي نفذت في فترة ظهور وانتشار بعض الأوبئة. وأوضج أن قلة هذه النوعية من الأفلام في العالم العربي راجع إلى قلة وجود أدوات البحث العلمي التي على أساسها يستطيع الكاتب تأليف العمل، إلى جانب الإنتاج الضخم الذي يحتاج إلى أعلى التقنيات الفنية لتصوير وإخراج أفلام «الخيال العلمي».

قلة من الأفلام العربية تناولت موضوع الأوبئة (أرشيفية)

رؤية مستقبلية
أكد الكاتب والمخرج والفنان عادل جمعة الحلاوي أن غياب صناعة هذه النوعية من الأفلام عن السينما الخليجية والعربية يعود إلى عدة أسباب. وقال: «لكي نصنع أفلاما من هذه النوعية يحتاج الكاتب إلى مخزون ثقافي علمي مبني على أسس الخيال العلمي، فضلاً عن التكلفة الإنتاجية لصناعة فيلم من هذا النوع لأنه من المفترض أن يتم تصويره وإخراجه بقالب عالمي، ما يتطلب تقنيات وخدعا بصرية احترافية تقود إلى رصد ميزانية ضخمة جداً.
وتابع:«شاهدنا في السينما الهوليوودية والكورية والصينية أفلاما تتطرق إلى هذا الموضوع بمستوى عال من الاحترافية، حيث أثبت كتاب هذه الأعمال أن لهم رؤية مستقبلية من منظور سينمائي، لذلك ليس علينا أن نسلط مفاهيمنا ورؤيتنا على محيطنا فقط، إنما نتخطاه إلى العالمية في شتى المجالات كالذكاء الاصطناعي والبيئة والفضاء».

اقرأ أيضا

زوجة رئيس الوزراء الكندي تتعافى من كورونا وتنصح بالبقاء في المنزل