ثقافة

الاتحاد

المنصف الوهايبي لـ «الاتحاد»: أميل إلى «التفعيلة» ولا أكره «النثر»

ساسي جبيل (تونس)

يعتبر الدكتور المنصف الوهايبي من أبرز الشعراء التونسيين خلال العقود الأخيرة، وقد تميز أكاديمياً من خلال أطروحته عن أبي تمام، وأدبياً من خلال نصوصه الشعرية وكتبه التي نالت العديد من الجوائز المحلية والعربية شعراً ورواية، ومؤخراً وصل إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، فرع الآداب، عن ديوانه: «بالكأس ما قبل الأخيرة»، دار مسكيلياني للنشر والتوزيع، تونس 2019. في حديثه لـ«الاتحاد» يلقي الوهايبي الضوء على مسيرته الشعرية والأدبية، وغيرها من التفاصيل ذات العلاقة بالشاعر والمثقف في علاقته بالكتابة والحياة.
بداية يقول الوهايبي إنّه سعيد بأن يكون كتابه هذا ضمن القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد، فرع الآداب، وهي ثالث مرّة يحظى فيها بهذا التكريم (القائمة القصيرة). ومردّ سعادته إلى أنّ هذه الجائزة المرموقة التي يعدّها البعض عن حقّ «نوبل العرب»، تحمل اسم علَم رائد وقائد كبير هو المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، «طيّب الله ثراه»، باني دولة الإمارات العربيّة المتحدة، وملهم العرب في الوحدة والإصلاح وقيم التسامح بين الشعوب.
ويضيف: إنّ جائزة الشيخ زايد للكتاب بكلّ فروعها تعيد الاعتبار للكتاب من حيث هو مصدر للمعرفة تلتقي فيه الآداب والفنون والعلوم، وهي ترسّخ أهمّيته بما يعنيه حقّاً من رمزيّة ثقافيّة ومعرفيّة.

* وأسأل الوهايبي عن تجريبه لقصيدة النثر في ديوانه «ميتافيزيقا وردة الرمل»، ثمّ انقطاعه عنها، هل ينمّ ذلك عن موقف مناوئ لهذا النمط من الشعر؟
- يجيب: أبداً، فقد كتبت عن قصيدة النثر مقالات غير قليلة. وثمّة تجارب أحبّها. غير أنّي أميل إلى قصيدة التفعيلة على قلق المصطلح، وفيها أجد ضالتي، بل إنّ هناك «قصيدة نثر موزونة» كما كتبت عن أعمال محمود درويش الأخيرة. والوزن يتّسع للنثر، مثلما يتّسع النثر للشعر.

تعدد الهويات
* يقول المستشرق الايطالي سيموني سيبيليو في دراسة طويلة إنّ المشروع الشعري للتونسي المنصف الوهايبي موجّه للكتابة الشعرية عن بلاده التي هي في عمق حضارة المتوسط، هي فضاء لتعدد الهويات وتلاقح الثقافات عبر الزمن؟
- هذا ما أسعى إليه، أن أكون في الصميم من شعريّة متنوّعة تتمثّل أساساً الفضاءَ المتوسّطي في صوره الواقعيّة والتاريخية والأسطوريّة. وهو فضاؤنا نحن التونسيّين بامتياز.

* فازت روايتك «عشيقة آدم» الصادرة عام 2012 عن دار الجنوب، بجائزة الكومار الذهبي في تونس، وهي توظفّ الفضاء الفيسبوكي بكلّ مكوّناته وأدواته، فكيف تصنّفها؟
- هذه المحاولة الروائيّة تحمّس لها أستاذنا الكبير الراحل توفيق بكّار، وهو الذي بادر بنشرها، وقال إنّها نمط جديد من الأدب أو من «السيرة الروائيّة». كنت أنهيتها بين سنتي 2009 و2010 وأنا أكتشف أوّل مرّة عالم الفيسبوك. ومن ثمّ راودتني فكرة توظيف هذا العالم الافتراضي حيث تزحمنا الكتابة الفيسبوكيّة «الهجينة» ليس في فضائها الافتراضي فحسب، وإنّما أيضاً في رسائل جامعيّة (ماجستير ودكتوراه) غير قليلة، تتخذ «الأدب الرقمي» أو «الفيسبوكي» مدوّنة لها. وهي كتابة تنطوي على كثير من المفارقات التي تجعل من منهج البحث فيها معضلة لابدّ من فحصها ودراستها.

إيذاء الآخر
* أنت من قلّة من الشعراء والكُتّاب الذين تشغلهم السياسة، فهل هذا موقف منك أم هو من الوافد السياسي بسبب ما تعيشه تونس؟
- في الحديث عن المثقّف العربي بصيغة المفرد، اختزال مخل بلا ريب. فهو سواء في واقعه وحقيقته أم في متخيّل الناس ووجدانهم عنه، صور متراكبة يصعب أن نظهر تواشجها واشتباكها، ولكن يمكن أن نقف على أسباب اختلاف المواقف منه ودوافعه. وهذا الاختلاف الذي يبلغ حدّ التباين بالجملة إنما مردّه إلى التعتيم الذي تمارسه أغلبية أجهزة الإعلام والدوائر السياسية العربيّة المتنفّذة على أي دور يمكن أن تنهض به الثقافة، إن لم يكن تشويهها أو اختزالها في الآداب والفنون لا غير، بل ربّما في أجناس منها مثل الأغنية والرقص والمسلسلات التليفزيونيّة، على تفاوت قيمتها. ولا يدرك هؤلاء أن القوّة الغاشمة التي لا تستند إلى عقل وحسابات رشيدة، يمكن أن تفقد صوابها، فلا يعود بمقدورها سوى أن تدمّر، لتخلق لها معارضين ومناوئين ومقاومين يخرجون من كلّ الفئات التي تنالها الآثار السلبية الناجمة عن استخدام القوة استخداماً أعمى.
ويضيف الوهايبي: من حقّ الفرد أن يجد في الدين، أي دين، سعادته أو خلاصه أو معنى يضفيه على حياته، أو أن يصدر عن رغائبه وأمانيه أو عن ميوله وآماله، ولكن المشكل هو مع هؤلاء الذين يخلطون الديني بالسياسي العابر المتحوّل، ويقفون موقف الهداة أو «المرشدين المعصومين» من الخطأ! فضلاً عن أنّ أطروحاتهم تنمّ عن جهل مروّع باللغة والفقه والتاريخ والفلسفة وما إليها ممّا ينبغي أن يتزوّد به المسلم الحديث.
وهذا ما لا يمكن أن يدركه هؤلاء الكهنة من أتباع «الإخوانيّة»، لضعف محصولهم العلمي والديني. ولو تدبّروا تراثنا لاكتشفوا نبيّاً عظيماً لا يعرفونه، ناهيك عن تهافتهم السياسوي، وهذا مرض آخر نحن معنيّون كلّنا بتشخيصه حيث بدأت تترعرع «ثقافة التلذّذ بإيذاء الآخر».

* والحلّ برأيك أين يكمن؟
- في التواصل الحر المبنيّ على الإرادة الواعية... فقد تلاقت في الأندلس ثقافات شتى ذات أصول إسلامية ومسيحيّة ويهوديّة... في أفق من «عالميّة» رحبة قائمة على التّنوّع، حتى أن البعض يجد في الأندلس نواة تاريخيّة ونموذجاً مكتملاً لثقافة المستقبل وامتداداً للإطار الكونيّ في جذوره الأقدم في فينيقيا واليونان، فقد كانت الأندلس ولعلها لا تزال أشبه بكرة باسكال، كرة مركزها في كلّ مكان ومحيطها ليس في أيّ مكان.. صورة لعالم رحب، مركزه في كلّ نقطة على سطح الكرة الأرضيّة، ومحيطه في كلّ نقطة على هذا السّطح. ومع ذلك فقد يكون هؤلاء يستهدفون المركز والمحيط في ذات الآن. على أنّ السّمات المشتركة التي تصنع وعي البشر وضميرهم ووحدتهم، يظلّ صوتها أعلى، أو هكذا يجب أن يكون.

اقرأ أيضا

الفائزون بجائزة «زايد للكتاب»: تكريم محفز على العطاء والإبداع