مهرجان قصر الحصن

الاتحاد

«الخراريف» حكايات من الماضي ترتدي ثوب المعاني والقيم النبيلة

خراريف حسن بلهون تجذب الجمهور عبر أسلوبه المشوّق (تصوير حميد شاهول)

خراريف حسن بلهون تجذب الجمهور عبر أسلوبه المشوّق (تصوير حميد شاهول)

أحمد السعداوي (أبوظبي) - تمثل حكايات الأقدمين أكثر الأساليب سهولة وتشويقاً في نقل تجارب وخبرات الشعوب وحفظها عبر الزمن، ومن هنا مثل بيت الخراريف (جمع خروفة وهي الحكاية الشعبية)، أهمية كبيرة في نقل التراث الإماراتي من جيل إلى آخر، حيث إنها تحمل الكثير من المعاني والقيم النبيلة المراد توصيلها إلى الجميع، خاصة الأطفال، وتسهم في تربيتهم وتكوينهم النفسي، بعدما يتشربون القيم والعادات الجميلة، التي عرفها وعاش عليها الآباء والأجداد.
في ساحة مهرجان قصر الحصن، جلس حسن بلهون مفترشاً الأرض وتحلقت حوله أعداد من الأطفال من زوار المهرجان بصحبة ذويهم، ليستمعوا إلى حكاياته التي يلقيها بأسلوب مشوِّق، ساعده في ذلك احترافه التمثيل وتأديته للعديد من الأدوار المميزة، ما جعله أكثر قدرة في توصيل المعاني والقيم الثمينة التي حفلت بها خراريف أهل الإمارات القدامى.
مبادئ الخير
عن الخروفة وماذا تعنيه، يوضح بلهون، أنها عبارة عن موروث شعبي معروف على مستوى الخليج العربي وهي قصة تروى للأطفال وكانت منتشرة جداً قبل اكتشاف البترول وساهمت الخروفة بترسيخ مبادئ الخير والصدق والأمانة في الأطفال قديماً، وذلك لاقتداء الأطفال بالشخصيات التي تطرح بالخروفة.
وعن أنواع الخراريف يقول: «الخراريف المنتشرة نوعان، الأول التي حرصت إدارة المهرجان على إحيائه، حيث أصبح روي الخراريف من الأشياء المنسية والتي تحاول العديد من الجهات المهتمة بالتراث توثيقها وإنعاشها وهذا النوع هو التوعوي اللي يهدف إلى ترسيخ القيم النبيلة لدى الأطفال على سبيل المثال تحفيزهم على الصدق في حياتهم وحب الخير وكره الكذب والغش والخداع، وكذلك بر الوالدين وأيضاً بعض الخروفات اللي تهدف إلى تحفيز الطفل باستخدام عقله وأنه مهما كان صغيراً فلديه عقل مبدع ومنتج.
وهناك النوع الثاني والذي يهدف إلى التخويف والترهيب كحمارة القايلة التي تظهر عند الظهيرة وتلتهم الأطفال، وذلك لمنعنا من الخروج ظهراً وكذلك بو خطيف الذي اختلفت تسميته من منطقة وهو رجل طويل ويظهر كخيال أسود ليخيف المارة في المناطق المظلمة وأم الدويس وغيرها العديد».
اختبار ذكاء
ويعطي مثالا لإحدى الخراريف، التي يرويها لجمهور قصر الحصن، عن قصة رجل كبير في السن لديه ثلاثة أبناء: الأكبر والأوسط والأصغر، وقرر أن يقوم باختبار ذكاء لهم، فطلب من الكبير أن يكون جاهزاً في الصباح الباكر بعد صلاة الفجر، حيث إنه سيتوجهون على ظهر الجمل إلى مكان في الصحراء بحثاً عن مكان يصلح للرعي والاستقرار وعند سيرهم وصلوا إلى منطقة قاحلة لا يوجد بها غير التراب والحجر وطلب من ابنه أن يستريح مع الجمل ويعد له القهوة ريثما يذهب هو خلف كثبان رملية ليبحث عن بئر أو ماء خلفها، ولكن عندما يبدأ الابن بالبحث عن الحطب في الشدّاد (العدة التي توضع على الجمل) لا يجد الحطب، وسبب ذلك أن أباه تركه في المنزل ليرى ولده كيف سيتصرف، لكن الابن جلس مسترخياً لعدم وجود الحطب، وحين يعود أبوه أصيب بخيبة أمل، ويحدث الشيء نفسه مع الابن الثاني، لكن ما أن يأتي اليوم الثالث ويختبر الأصغر سناً، حيث إنه طفل بار بأبيه، فما أن يطلب منه تجهيز القهوة ثم يذهب عنه، يبدأ في البحث يمينه ويساره ولا يجد، لكنه ينظر للشدّاد ويكتشف أنه لا مانع من قطع القليل منه دون أن يفسده، وكذلك من الخطام «الحبل الذي تقاد به الناقة»، وأيضاً كان لها وبر كثيف وقطع من كل شيء القليل وأشعل النار وجهز القهوة ما أدخل السرور على قلب أبيه، والفائدة من ذلك أنه لا يجب علينا أن نعتمد خطة واحدة، بل أن نفكر ونستغل ذكاءنا لننجز، وأنه ليس على الكبير أن يكون الأكثر ذكاء دائماً وأن كل طفل ممكن أن ينجز شيئاً بالتفكير، وكذلك طاعة الأب والحرص عليها كما فعل هذا الطفل.
حكايات المساء
والخروفة كما يروي بلهون، يمكن أن تقال في كثير من الأوقات، غير أنها كانت دائماً تقال من الأم أو الأب للأبناء لتساعدهم على النوم، وكذلك في الفترة المسائية يجتمع بعض الأبناء عند أحد كبار السن ليروي لهم الخراريف وانتشرت أيضاً بين الجدات، ولكل وقت كانت هناك خروفة مناسبة لوقتها.
وبسؤاله عن الطقوس التي تروى بها الخراريف، أجاب: «كوني لم ألحق العهد الحقيقي للخراريف لست متأكداً، ولكن من اجتهاد المؤرخين بمقابلة من رحل وقد واكب هذا العصر كانت غالبا ما تلقى من شخصية كبيره في السن على مجموعة من الأطفال الذين يتشوقون لسماع الخروفة يوماً بعد يوم، حيث تلقى بأسلوب له جاذبية، خاصة أن من يلقي الخروفة يتقمص العديد من الشخصيات ويعتمد التلوين وإعطاء كل شخصية أسلوبا معينا في الحوار ما ينشط مخيلة الطفل وكأنه يشاهد القصة وليس فقط يسمعها».
إقبال جماهيري
وعبَّر بلهون عن سعادته بسبب الإقبال الجماهيري الذي حققه في المهرجان، رغم أنها المرة الأولى التي قدم فيها الخراريف، موضحاً أنه مثل العديد من الشخصيات في كثير من المسرحيات والأفلام وغيرها لكنها التجربة الأولى كراوٍ للخروفة، ووجه الشكر لإدارة المهرجان لاهتمامها بهذا النوع من الفقرات وإتاحة الفرصة له بالمشاركة، مؤكداً أن تجربته بالخراريف، إضافة له خبرة ومتعة فاقت أي عمل آخر سبق وأن قدمه.
وأشار إلى أن التفاعل مع الخراريف كان لافتاً، خاصة أن الخروفة كانت تقال سابقاً للأطفال، إلا أنه اليوم حين تلقى في مثل هذه المهرجانات أصبحت تجذب الأطفال والكبار فهي بالنسبة للطفل شيء جديد لم يتعود على رؤيته في عصر التكنولوجيا والحواسب الآلية، وبالنسبة لكبار السن تشاهد النظرة والابتسامة التي توحي بأنهم يتذكرون طفولتهم، وبالنسبة للشباب يتفاعلون كثيراً، وكأنما يقولون ليتنا كنا أطفالاً ونسمع هذه الخراريف ونستمتع بها، والجميل في الأمر أن السياح رغم عدم تحدثهم اللغة العربية، فإنهم يقفون ويتابعون إلى النهاية وكأنهم يقولون ما أجمل أن نرى شعباً وأناسا يحافظون على هويتهم ويستمتعون بها.



أصل الخراريف

الحكاية الشعبية أو «الخراريف» بتسمية أهل الإمارات هي التي ترويها الجدات والأمهات للأطفال قبل النوم، كما تروى في بعض المجالس الرجالية، والخروفة وجمعها خراريف أصلها خرافة، وقيل إنها الحديث المستملح، ففي لسان العرب: خرافة أو حديث خرافة هو خرافة من بني عذرة أو من جهينة، وقد اختطفته الجن ثم رجع إلى قومه وأخذ يحدثهم بأحاديث يعجب منها الناس، فكذبوه، فجرى على ألسن الناس حديث خرافة، والخرافات الموضوعة من حديث الليل، وهكذا جاءت تسمية خرافة من أحاديث الشخص الذي يروي القصص والحكايات الخيالية التي لا يقبلها عقل ولا تقرها قاعدة، ولا يؤمن بصدقها الناس.

موهبة السرد

عن مقدار حاجة الخروفة للموهبة في شخص من يلقيها، لفت حسن بلهون إلى ضرورة توافر هذه الموهبة، كون إلقاء الخروفة في الزمن القديم يتم بشكل أسهل من الوقت الحالي، حيث لم يكن للطفل مقومات الترفيه مثل الآن، وكانت الجدات والأجداد يتمتعون بسمات خاصة وقادرين على جذب الطفل والاقتراب من قلبه بمجرد الحديث أو النظر إليه، ولكن الآن الطفل صعب المراس ولا يحب الرتابة والسرد، فلا بد من المبالغة بالتمثيل واستخدام أكثر من صوت في التعبير عن الشخصيات، وذلك لتكون الصورة جميلة في ذهن الطفل وتكون راسخة عبر الزمان ولا يمر عليها مرور الكرام.

اقرأ أيضا