الاتحاد

ثقافة

المرأة المثال.. الحضور والغياب

لوحة بريشة توم بوير

لوحة بريشة توم بوير

إنزو باتشي*
ترجمة وإعداد: عزالدين عناية

يحاول عالم الاجتماع الإيطالي إنزو باتشي في هذه المقالة تسليط الضوء على مسألة مهمة وحساسة على صلة بالمرأة، راصداً مساراتها الحالية وآثارها المستقبلية. فالأديان السائدة اليوم تشهد تحولات صامتة بشأن دور المرأة وإسهامها، تأتي بمثابة الثورة الخفية، حتى أن علم الاجتماع لا يزال غافلاً عن هذا التحول. فقد انشغل البحث طويلاً بمسألة الصراع القائم بين الذكورية والنسوية، وغفل عن مسائل أخرى جوهرية على صلة بالدين والمرأة. لكن في ظل هذه الغفلة كيف بنتِ المرأة علاقتها بالمقدّس في عالمنا الراهن؟ تبدو ملامح تلك العلاقة غير خصامية وسائرة باتجاه أخذ المبادرة، بعد أن طُمس ذلك الدور طويلاً. ذلك ما يحاول إنزو باتشي رصده من خلال هذه المقالة. نشير إلى أن إنزو باتشي هو أبرز عالم اجتماع إيطالي منشغل بدراسات الأديان في العالم المعاصر، كما يتولى في الوقت الحالي رئاسة قسم علم الاجتماع في جامعة بادوفا، وقد تُرجمت أعماله إلى العديد من اللغات. حاز «مشروع كلمة» قصب السبق في نقل أعماله إلى «العربية»، نذكر منها ترجمتين: «الإسلام في أوروبا.. أنماط الاندماج» و«علم الاجتماع الديني.. الإشكالات والسياقات» مؤلف مشترك مع سابينو آكوا فيفيا, لطالما جرى التطرق إلى قضية الجندر والأديان في مجال علم الاجتماع باقتضاب. فغالباً ما يأتي تناول موضوع الجنس في الأبحاث السوسيوغرافية ضمن حقل سوسيولوجيا الأديان بشكل خاطف، لمّا يجري استعراض مؤشرات مستويات التدين داخل جماعة بشرية معيّنة، هكذا يتمّ إدراج مسألة الجنس (مؤنث/ مذكر) لتمييز السلوكات والمواقف، وليقع حينها اكتشاف أن مؤشر تديّن النساء يفوق مؤشر الرجال (أكثر تردّداً على القدّاس، وأكثر تمسكا بالدين، وأكثر ثباتاً على المواقف عبر الزمن إزاء الدين).
وسواء الدراسات المقارنة بين الأديان أو الأبحاث الأنثروبولوجية والنفسية، فقد بيّنت جميعها أن فرضية التديّن الطبيعي هذه، الأكثر حضوراً لدى الإناث مقارنة بالذكور، هي في الواقع عائدة إلى خاصيات ثقافية داخل المجتمعات ترسِّخ في العنصر النسوي فكرة الخضوع والقَدَر الاجتماعي المغاير لقدَر الرجل. وضمن هذا السياق من الاستبطان لعوائد الخضوع للذَّكر، لعبت الأديان دوراً حاسماً. يكفي أن نتأمل ثلاثَ حالات تتعلق بالهندوسية والإسلام والكاثوليكية.

نماذج
في الحالة الأولى، تُدعى المرأة المثالية في التقليد الهندوسي لأداء مَهمّة اجتماعية تُعدّ وظيفةً خطيرةً، ولكنّها تحشرها في زاوية الخضوع. فهي مبعَدة وبحزمٍ عن أداء المهام البراهمانية، وليست معنيةً بطقوس العبور (وهذا ما يرسّخ حكمَ النقصِ فيها)، التي تمثّل بالنسبة إلى الذكور بلوغ السن الإلزامية لكلمة الفيدا وتُمثّل مولداً ثانياً (على اختلاف الأولى: يولَد الجميع هندوساً، لكن فقط من يتخطّى طقس العبور ـ الأوبانيانه ـ يتبوّأ منزلةً اجتماعيةً دينية فعلية)، وبالنهاية وإلى غاية اليوم، فهي عرضة في بعض الأقاليم للوأد لدواع دينية رسمية، مرتبطة بتقاليد متجذّرة. (1)
في الإسلام أيضاً، تكتسي أوضاع المرأة طابعاً مزدَوجاً، فهي من جانب، تبدو في القرآن الكريم مساويةً للرجل في ما يتّصل بالخَلق الإلهي، ذلك أن النص المقدّس في الإسلام يقرأ من منظور مغاير دور حوّاء مقارنة بآدم في ما يتعلق بالخضوع للنظام الموحى من الله في الامتناع عن الأكل من الشجرة المحرمة في جنة عدن. ليست هي من قادت الرجل إلى ذلك الإثم، بل آدم هو من جرّها إليه. وعندما نتحوّل من المسائل التشريعية والأخروية إلى المسائل المعيارية والاجتماعية، تتحدّد أوضاع المرأة وِفق المؤسسات والأعراف السائدة في المجتمع الأبوي في الزمن الذي ظهرت فيه الدعوة المحمّدية، بسلسلة من المواءمات والضوابط الخُلقية التي يجري البحث عن إقرارها لجعل المرأة تتبوّأ منزلةً أرفع مقارنة بالوضع السائد قبل مجيء الإسلام. بشكلٍ ما توجَد المرأة في حماية الرجل وداخل حَرمهِ المتمثّل في البيت والأسرة والأنشطة المنزلية؛ وتضاهي مغادرة هذا الحيز، المخصَّص لجنسها الخروجَ إلى مجال غريب غير تابع لها وغير مأمون؛ لأنه مهيمَن عليه من قِبل الرجال: من هنا أملتِ التعاليم التحجّب عند تخطّي عتبة البيت والتحرك في المجال العام.
تبدو الأوضاع في الكاثوليكية أكثر تعقّداً، فقد أرست تقليداً متمحوراً حول صورة الرجل دون المرأة في الحياة الكنَسيّة المنتظمة. لكن منذ عقود قليلة تطوّر في أحضان الكاثوليكية لاهوتٌ نسويّ حاول قراءة تاريخ المسيحية، متخطّياً في ذلك الكاثوليكية، مبرزاً حيثيات تواري الدور النسوي في الجماعات المسيحية الأولى. على هذا الأساس وبالتوازي برز خطّ من الأبحاث السوسيولوجية حاول فهْم التوتّرات الحاصلة اليوم في الكنائس (ليس في الكاثوليكية فحسب) في ما يتعلّق بدور المرأة في تقلّد المهامّ الكهنوتية. (2)

تساؤلات
يثير الموضوع جملة من التساؤلات بخصوص مسألة الجنس حين نعالج دورَ المرأة في الأديان، وهي مسألة حديثة المنشأ اندرجت ضمن قضايا العلوم الاجتماعية (علم الإناسة وعلم الاجتماع وعلم النفس، إلخ) منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي. وحتى نبقى في جوهر الموضوع، نعني بذلك أن يكون المرء رجلاً أو مرأة له تبعات وآثار مترتّبة تتباين بحسب السياقات الاجتماعية للمراحل التاريخية. لمّا بدأ التطرق إلى مسألة الجندر، بيّن الدارسون، ولا سيما في مجال العلوم الاجتماعية أن الاختلاف البيولوجي بين الجنسين، من جانب، هو مسار تكوين اجتماعي، ومن جانب آخر، تضمُّنُ العديد من الثقافات هرمية جنسية، حيث الذّكَرُ أعلى درجة من الأنثى، ليس فقط من منظور رمزي بل اجتماعي واقتصادي أيضاً، وأن تلك الهرمية تجد دعماً وسنداً من الدين أيضاً. في حقل سوسيولوجيا الأديان، أبرز الاهتمامُ بمسألة الجندر أخْذَ المسألة على محمل الجد، بما للمسألة من تأثير على الهوية وعلى الممارسة الدينية، إضافة إلى عدم الاقتصار في تحليل الصراعات الرمزية داخل الحقل الديني على الاستقطاب الحاصل بين العلمانيين والإكليروس، بل توسّعها لتشمل قضايا المعرفة والسلطة ذات الطابع الديني الذكوري في مقابل تلك الهامشية المتعلّقة بالطرف الأنثوي.
أعادتِ المقارنة التي تطوّرت في الدراسات النسوية بين المنشغلات بمسألة علاقة الجنس بالدين، بين سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، طرحَ جدليةٍ معروفةٍ، بين رؤية بنيوية (حيث يرتبط الموقف غير المنصِف في المجتمع بين النساء والرجال بتقسيم العمل، وهو ما ينحو بشكل جنسي إلى إلحاق النساء بالدائرة المنزلية، بينما الرجال مدعوون لاقتحام سوق الشغل واحتلال أدوار اجتماعية نافذة) ترى في الدين غطاءً إيديولوجيًّا يضفي شرعية على ذلك التقسيم، ورؤية ثقافوية. في هذه المقاربة الثانية ينبع التمييز بين سلوكات الرجال والنساء الدينية من الثقافة، من العالم الرمزي (من الأساطير الجماعية التي صاغتها الأديان الكبرى إلى الأحكام المسبقة التي تتداولها وسائل الإعلام الحديثة). فالدين بهذا المعنى هو نظامٌ رمزيٌّ مستقلٌّ نسبيا، ينحو إلى تعزيز فكرة التفريق القداسي بين المرأة والرجل. انعكس ذلك الاعتقاد لاحقاً في اختلاف الطقوس، وفي مجمل الممارسات الشرعية التي ترنو إلى ترسيخ عوائد متميزة للنساء والرجال، وتجعل من النساء قانعات بالدور المختلف والخاضع الذي ينبغي أن يلعبنه مقارنةً بالرجال.

اختلاف
في اللحظة التي ينحو فيها الدين لوضع خطّ فاصل بين الذكورة والأنوثة كمحدّدين قداسيين متمايزين، لا يكفّ عن ترسيخ الاختلاف في الاعتقادات والممارسات الطقوسية، إلى حدّ يجد نفسه محمولاً أيضاً على تصنيف ما هو أنثوي وفق سلّم على صلة بطهارة الأنثوي. هكذا تتولّد نماذج أنثوية ممثْلَنة طاهرة وإن حبلت فبلا دنس، نساءٌ أمّهات يلعبن دوراً طبيعياً وإلهياً في الآن ذاته، نساء عواقر ونساء ولودات وهكذا دواليك.
وكما أوضحتْ بشكل جليّ عالمة الأنثروبولوجيا ماري دوغلاس (3)، حين تستشعر جماعة بشرية خطراً خارجياً يتهدّدها (فعليّاً كان أم وهميّاً)، تسعى جاهدة إلى إرساء قواعد أكثر صرامة، مثل الزواج الداخلي بقصد تفادي التمازج والعدوى مع الآخرين. ليغدو الزواج الداخلي بذلك الشكل قاعدة تملي رقابة صارمة على الحياة الجنسية للنساء ونوعاً من الزواج التعاقدي حيث لا يكون الطرفان، في مستوى أول، زوجيْ المستقبل، بل ربّا العائلتين بالتتابع. حتى ممارسات ختان (الذكور، وبشكل متعسّف للنساء أيضاً)، فهي تنحو إلى تجسيد ـ بالمعنى الحرفي ـ قاعدة، مرفوقة بطقوس عبور معقدة. يُنتج ختن الذكور إنساناً يهودياً أو مسلماً بالفعل. ولا تشمل تلك الممارسة المرأة، حيث تبقى ضمن مجالٍ اجتماعي ديني مغاير. فكافة ممارسات خفاض النساء المنتشرة في دول ما وراء الصحراء، والتي لا زالت حاضرة، هي ممارسات سابقة لدخول الإسلام. لا نعثر في القرآن الكريم على حديث يسوّغ تلك الفعلة ولا في السنة النبوية، إذ ينتشر ذلك التقليد بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين، وكذلك بين أتباع الديانات الإحيائية في عديد دول ما وراء الصحراء.

اندماج
تنحو عملية الاندماج الديني، والتربية المدرسية، والاحتفال باختلاف الجنس عبر الفنون الشعبية إلى ترسيخ مفهوم الاختلاف. وهو ما لا يعني أن الدين في جوهره قلعة حصينة لهيمنة الذكور. لأن ذلك اختزال وتضييق لرحابة الإنتاج الرمزي الحاصل في العديد من الأديان. ففي عديد الحالات مثّلت الأديان ملجأ للمرأة وأحيانا سبيلا للتحرّر حين تُقصى من الإمساك بالسلطتين الاقتصادية والسياسية. إذ استطاعت المرأة أن تطوّر كاريزميتها الخاصة، وأن تنمّي معارفها الدينية، التي لم تحظ بالاعتراف اللائق، والتي ساهمت في إثراء الإنتاج الرمزي لعديد الأديان ماضياً وحاضراً. تستحضرني ضمن هذا السياق التشكيلات الدينية النسوية، وكذلك التجارب الصوفية النسوية، التي أتاحت للمرأة فرصة التعبير عن المقدّس من منظور نسوي، سواء ذلك في المسيحية أو اليهودية أو الإسلام.
مسألة أخيرة نختتم بها هذه المقالة تتعلّق بالحركة التي تدفع النساء الملتزمات دينياً، في التاريخ المعاصر، للصعود لمواقع والتطلع لأدوار كانت في ما مضى حكراً على الرجال، خصوصاً تلك الأدوار التي يضطلع فيها الذكور بالسلطة الدينية بشكل حصري. شهدت تلك الحركة تطوّراً في الأوساط البروتستانتية، حتى بات شائعًا إسناد مهمّة دينية للمرأة كراعية، أو كذلك ما تتطلّع إليه لتولّي مهمّة الأسقف. في الأوساط الكاثوليكية الجدل حول تولّي النساء مهمّة الكهانة غير معلَن، بينما جرى في أديان أخرى خوض تلك التجارب. أشير إلى المرأة الحاخامة داخل بعض الجماعات اليهودية الإصلاحية في الولايات المتحدة، ناهيك عن بعض المحاولات المحتشَمة، في الولايات المتحدة وأستراليا، مع ثلّة من النساء للتقدّم للإمامة في المساجد، وإلى غاية تشكّل سلسلة من الجماعات النسوية البوذية، خصوصا في الغرب، بقصد التأكيد على مشروعية الرهبنة النسوية (سانغا).

باحث وأبحاث
الدكتور إنزو باتشي، إيطالي من مواليد مدينة بادوفا، أحد أبرز علماء الاجتماع في إيطاليا المنشغلين بعلم الاجتماع الديني وبالإسلام، يتولى في الوقت الحالي رئاسة قسم علم الاجتماع في جامعة بادوفا، فضلاً عن رئاسة الجمعية العالمية لعلم الاجتماع الديني.. من أعماله المنشورة: «النحل» 1997، «الإسلام والغرب» 2002، «سيسيولوجيا الإسلام» 2004، و«لماذا تخوض الأديان الحروب؟» 2006.

........................................................
* المقال صادر في مجلة «إيلمولينو» الإيطالية، عدد نوفمبر ـ ديسمبر 2018.

هوامش:
1 -Cf. L. Tharabai, Religious Values and Female Subordination: A Study of Female Infanticide in India, ISA, Madrid 1990.
2 ـ Cf. S. Boesch-Gajano – E. Pace (a cura di), Donne tra saperi e poteri nella storia delle religioni, Morcelliana, Brescia 2006.
3 - Cf. M. Douglass, Purity and Danger, Oxford University Press, Oxford 1966 (trad. it. Purezza e pericolo, il Mulino, Bologna 1975).

 

اقرأ أيضا

«الماجد» يكشف للمتدربين خفايا التدقيق اللغوي