الاتحاد

ثقافة

بعد 200 سنة.. ما الذي بقي من كارل ماركس؟

من الاستعراضات العسكرية والجماهيرية أمام الكرملين

من الاستعراضات العسكرية والجماهيرية أمام الكرملين

هاشم صالح

السؤال الذي ينبغي طرحه منذ البداية هو التالي: ماذا مات من ماركس، وماذا بقي؟ نقول ذلك والعالم سوف يحتفل بالذكرى المئوية الثانية لولادته في الخامس من شهر مايو القادم (1818ـ 2018). ظاهرياً يبدو أنه مات وشبع موتاً. فالاتحاد السوفييتي انهار كلياً وجدار برلين سقط عام 1989. وتنفس العالم الصعداء عندئذ وشعرنا بارتياح نفسي غريب. وهبت علينا نسمات منعشة من الحرية. أخيراً ارتحنا من كابوس الشيوعية. والأنكى من ذلك أن الرأسمالية هي التي بقيت على عكس نبوءة ماركس، والشيوعية هي التي سقطت.

معلوم أن ماركس كان يعتقد أن الثورة البروليتارية سوف تندلع لا محالة عما قريب، وسوف تكنس الرأسمالية البغيضة الى غير رجعة.. كل هذه الأطروحات والتنبؤات سقطت وكذّبتها حركة التاريخ، بل وأصبحت مضحكة لا تلقى إلا الاستهزاء والسخرية. وبالتالي فلماذا نتحدث عن ماركس بعد الآن؟ هل يستحق أن يثير اهتمامنا فعلاً؟ يبدو أن الأمور أكثر تعقيداً مما نظن. ففكر ماركس لم يمت كلياً على الرغم من كل ما حصل ويحصل. وأحب بهذا الصدد أن أرد على الانتقادات التي وجهها لي الأستاذ محمد كمال في مقالته الممتازة الصادرة في جريدة «الأيام» البحرينية بتاريخ 27 فبراير الماضي تحت عنوان: «هاشم صالح بين النفور من كارل ماركس والإشادة به».

مفهوم مؤدلج
في الواقع أن ما كنت أكرهه وأنفر منه هو عبادة الشيوعيين العرب لماركس ولينين وستالين واعتقادهم أن الماركسية هي نهاية التاريخ. بمعنى أنها تجب ما قبلها وما بعدها. لا معنى لأي مفكر ظهر قبل ماركس، ولا معنى لأي مفكر ظهر بعده. لقد اختصر في شخصه كل الفكر البشري، وأعطانا الحقيقة المطلقة التي تغنينا عن كل فكر آخر أو فلسفة أخرى. هذا المفهوم المؤدلج المضخّم إلى حد التقديس والمعصومية هو الذي كان ينفرني من ماركس والماركسية. لقد تحولت الماركسية إلى دين دوغمائي مغلق وخطر على حرية الفكر. ولهذا السبب فإن بعض الشيوعيين العرب تحولوا الى أصوليين بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. لقد انتقلوا من عقيدة معصومة الى عقيدة معصومة أخرى، أو من سجن فكري إلى سجن فكري آخر. ولكي أواجه هذا التصور الإرهابي الذي يشل العقل رحت أعتمد على مفكرين ماركسيين بل وشيوعيين سابقين من أمثال مكسيم رودنسون وإدغار موران. فالأول راح يفرّق بين الأيديولوجيا الماركسية/‏‏‏ والسوسيولوجيا الماركسية. بمعنى أن ماركس الأيديولوجي مات، ولكن ماركس السوسيولوجي، أو عالم الاجتماع لم يمت. ماركس صاحب الشعارات المشهورة عن ديكتاتورية البروليتاريا، واحتقار الديمقراطية بحجة أنها بورجوازية، وحتمية انتصار الشيوعية كمخلص نهائي للبشرية، الخ.. فقد مصداقيته. ولكن ماركس المحلل النافذ للقوانين التاريخية التي تتحكم بالمجتمعات البشرية لا يزال حيا ويمكن الاستفادة منه. بمعنى آخر ينبغي التفريق بين ماركس المسيّس/‏‏‏ وماركس الفيلسوف. فقد كانت له شخصيتان: شخصية المفكر العملاق من جهة، وشخصية المناضل الشيوعي من جهة أخرى. أما نقد ادغار موران لماركس فسيرد في نهاية هذا المقال الذي أرجو أن يساهم بمجمله في تبديد حيرة الأستاذ محمد كمال والرد على تساؤلاته.

ديناميكية الرأسمالية
من أهم نواقص ماركس أنه لم ينتبه إلى مدى ديناميكية الرأسمالية، ومدى قدرتها على تطوير نفسها وأخذ مطالب العمال بعين الاعتبار. ولهذا السبب اعتقد أن النظام الرأسمالي سينهار لا محالة، وسوف تكنسه الثورة البروليتارية. ولكن الذي حصل هو العكس تماما. فطبقة العمال في الغرب المتقدم أجبرت الرأسمالية على التطور عن طريق نضالاتها ونقاباتها، ونالت مكاسب عديدة جراء ذلك. وأصبح العامل في فرنسا أو ألمانيا، أو عموم الغرب بورجوازياً ولم يعد بروليتارياً معدماً. وبالتالي، فلم يعد ثورياً على عكس ما كان يتمنى ماركس ويحلم. وهو ليس مستعداً للتضحية بمكتسباته ومستوى حياته من أجل الثورة الشيوعية الوهمية التي لم تجلب للبشر إلا الفقر والإفلاس. فتجربة الاتحاد السوفييتي وبقية البلدان الشيوعية أمامنا ماثلة للعيان. ويقول أحد المؤرخين بأن العامل في فرنسا يعيش اليوم برفاهية أكثر من أي ملك فرنسي إبان القرن السابع عشر. من هذه الناحية ماركس مات وشبع موتاً، بعد أن كذب التاريخ نبوءته تماماً.
ويرى البروفيسور ستيفن مارجلان من جامعة هارفارد أن الرأسمالية اليوم مختلفة جداً عن الرأسمالية في زمن كارل ماركس. ففي وقته كانت متوحشة جداً وتعامل العمال كعبيد وتستغلهم إلى أقصى حد ممكن وتشغلهم أكثر من عشر ساعات في اليوم.كانت تحلبهم حلباً وتمصهم مصاً وتتركهم هياكل عظمية. من هنا حقد ماركس عليها. وهنا يكمن شرفه وعظمته ونزعته الإنسانية التي لا تمارى. ولكن رأسمالية اليوم اختلفت كثيرا عن رأسمالية القرن التاسع عشر التي عرفها ماركس. فالعمال أصبحوا يشتغلون 35 ساعة في الأسبوع بدلا من ثمانين أو تسعين ساعة. وأصبحوا يتمتعون بنظام الضمان الصحي والضمان الاجتماعي والتقاعد. وكلها أشياء كانت معدومة في زمن ماركس. كان العامل يموت إذا ما مرض أو حصل له حادث أثناء العمل لأنه لا يستطيع دفع ثمن الدواء والعلاج. أما اليوم، فأصبح الضمان الصحي يؤمن له ولعائلته وأطفاله العلاج والدواء والعمليات الجراحية في أرقى المستشفيات أيا تكن تكاليفها وخطورتها. وكل ذلك بشكل مجاني. فبالله عليكم لماذا يثور إذن؟

خطأ منهجي
هل حقاً أن الصراع الطبقي هو وحده الذي يحرك التاريخ؟
هناك نقطة أخرى أخطأ فيها ماركس عندما اعتبر الدين والثقافة عموما بنية فوقية سطحية على عكس العوامل المادية، أو الاقتصادية التي هي وحدها البنية التحتية الأساسية والحاسمة في نظره.. ولكن تجربة التاريخ أثبتت لنا أن الدين قد يحرك التاريخ أكثر من أعظم العوامل المادية. والدليل على ذلك ازدهار الحركات الأصولية في عصرنا. فهل هي بنية تحتية أم فوقية يا مستر كارل ماركس؟ ثم من قال بأن الصراع الطبقي هو وحده الصراع الأساسي في التاريخ؟ هنا أيضا يمكن أن نلمح مدى قصر نظر كارل ماركس. فالصراعات الطائفية أو المذهبية أشد خطورة ـ ودموية! ـ من الصراعات الطبقية. وفيها يقتل الفقراء أمثالهم من الفقراء الآخرين في الجهة المضادة بكل حماسة ووحشية لأنهم ليسوا من دينهم أو طائفتهم أو مذهبهم. فلماذا لم يتضامنوا معهم طبقياً؟ لماذا لم يحصل تضامن بين جميع فقراء العالم بكل طوائفهم ومذاهبهم ضد المستغلين الأغنياء الجشعين؟ لماذا لم ينتصر شعار: يا فقراء العالم اتحدوا! وانسوا طوائفكم ومذاهبكم وعشائركم.. وهناك أيضا مسألة الصراعات العرقية والقومية بين مختلف أمم أوروبا. فقد دمرتهم مرتين إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية. فما دور الصراع الطبقي فيها؟ لا شيء. صفر. إنها مجرد اشتعال للنعرة القومية الألمانية ضد النعرة القومية الفرنسية أو العكس. هذه نقطة عمي عنها ماركس تماما. هذا لا يعني أني أنكر وجود صراع طبقي في التاريخ. فهو موجود حتما، ولكنه محصور تقريبا بالمجتمعات الصناعية المتقدمة التي تجاوزت الصراعات الطائفية والمذهبية بشكل كامل. وعلى هذا النحو حل الصراع الطبقي فيها محل الصراع الديني. وينبغي الاعتراف بأن الصراع الطبقي يولد ديناميكية هائلة تؤدي الى تقدم عجلة التاريخ. فالصراع بين النقابات العمالية وأرباب العمل هو الذي أدى الى نيل العمال للكثير من حقوقهم الإنسانية والمعيشية في الغرب. وماركس مع انغلز له فضل كبير في ذلك. ولكنه لم يعد صراعا حادا أو دمويا كما كان عليه الحال أيام ماركس، وإنما أصبح صراعاً حضارياً يتم بواسطة الحوار على طاولة المفاوضات بين النقابات العمالية وأرباب العمل. بمعنى آخر هناك صراع طبقات ولكن هناك أيضا حوار وتضامن وتفاعل بين الطبقات الاجتماعية المختلفة وإلا لأصبحت حياة المجتمع جحيماً لا يطاق.

الأيديولوجيا والسوسيولوجيا
حتى الآن تحدثنا عما مات في فكر ماركس. وقد آن الأوان لكي نتحدث عما بقي. وهنا ينبغي التمييز بين الأيديولوجيا الماركسية/‏‏‏ والسوسيولوجيا الماركسية كما ذكرنا آنفا: أو بين ماركس الفيلسوف/‏‏‏ وماركس المؤدلج. فالأيديولوجيا بكل شعاراتها الطنانة الرنانة سقطت، ولكن علم الاجتماع الماركسي لم يسقط كليا. هذا لا يعني أنه معصوم كما يتوهم الشيوعيون الديماغوجيون! ولا يعني أنه الوحيد في الساحة. فبعد ماركس ظهر عالم اجتماع كبير يدعى: ماكس فيبر. وفي ذات الوقت ظهر عالم اجتماع ثالث يدعى دوركهايم. وبعد دوركهايم ظهر بيير بورديو. وقد قال لي يوما ما في مقابلة أجريتها معه بأن ماركس رأى أشياء معينة في الواقع وعمي عن رؤية أشياء أخرى. وهذا أمر طبيعي. فالمفكر لكي يرى ينبغي ألا يرى! بمعنى أنه مضطر للتركيز على جوانب معينة من الواقع وإهمال جوانب أخرى. لا يستطيع أن يرى كل عناصر الواقع دفعة واحدة. هذا مستحيل. أعظم مفكر في العالم لا يستطيع ذلك. هذا فوق طاقة البشر. ثم جاء ماكس فيبر بعد ماركس لكي يرى أشياء هامة لم يرها ماركس من قبل ولم تخطر على باله. وبعد ماكس فيبر رأى دوركهايم أشياء خفيت على ماكس فيبر. وهكذا دواليك. وبعدهم جميعا رأى بورديو أشياء مهمة لم يرها المفكرون الكبار الثلاثة على الرغم من عبقريتهم. وهذا يعني أن العلم لا نهاية له. وإذا قال لك أحدهم بأنه ختم العلم كليا فاعلم أنه دجال. وهذا يعني أن الماركسية ليست نهاية المعرفة، وإنما منظومة فكرية من جملة منظومات أخرى.

تصور اختزالي
يضاف الى ذلك أن موقف ماركس من الدين لم يعد كافياً على الإطلاق. لا ريب في أن فيه جانبا صحيحا ومهما. فالدين هو «أفيون الشعوب» بالنسبة للأصوليين المخدرين تماما من قبل شيوخ الفضائيات وفتاواهم التكفيرية الدموية. فالشيوخ المبجلون الذين يتمتعون بهيبة دينية طاغية يحشون عقول العامة والعديد من الشباب حشوا بالخرافات والخزعبلات والكراهيات ضد الآخرين. وعندئذ يصبحون مستعدين لتفجير أنفسهم في الباصات والحافلات والشوارع والمسارح والمقاهي والمخازن وقتل المدنيين الأبرياء بالعشرات والمئات. إنهم يصبحون عندئذ مستلبين تماما بعد أن تتعطل ملكاتهم وتتخدر عقولهم وتصادر من قبل مشائخ عصور الانحطاط والظلام.
كل هذا صحيح. ولكن الصحيح أيضا وربما الأهم في تحليل ماركس هو أن الدين يمثل عزاء لمن لا عزاء لهم في هذا العالم. إنه قلب عالم لا قلب فيه ولا إحساس. إنه التعبير عن آهة المحروم والمظلوم والمقموع. والأغنياء الأقوياء يستخدمونه ببراعة كمخدر أو منوم لكي يسكت الشعب على بؤسه وعذابه ويقبل بحكمهم وتسلطهم وامتيازاتهم فلا يثور عليهم. بهذا المعنى فهو يعتبره أفيون الشعوب. وبالتالي، فللدين وظيفة تناقضية في نظر ماركس: إيجابية وسلبية في آن معاً.. إنه من جهة يساعد الناس على تحمل الألم والعذاب لأنهم به يستعصمون في أوقات الشدة والضيق، ولكنه من جهة أخرى يخدرهم ويجعلهم يستسلمون للأمر الواقع.. وتحضرني بهذا الصدد فكرة ذكية لأحد الباحثين الفرنسيين. فقد أخبرنا بأن عدد المتدينين في فرنسا الذين يحضرون قداس يوم الأحد والصلوات تناقص الى حد كبير بعد تعميم الضمان الصحي والضمان الاجتماعي على الطبقات الشعبية الفرنسية. لقد سقط من 60 أو 70 بالمائة الى 8 بالمائة فقط، ومعظمهم عجائز! بل وأصبحت الكنائس فارغة، أو تحولت الى متاحف. وذلك لأن الناس ما عادوا بحاجة ماسة الى التدين والاستغاثة بالغيب بعد أن تحسنت أوضاعهم المعيشية كثيرا. ماعادوا بحاجة الى الاستعصام بالدين المسيحي بعد أن ضمنوا حياتهم وتطبيبهم في المشافي مجانا. باختصار شديد: ما عادوا بحاجة الى الاستنجاد بالله ويسوع المسيح والقديسين لكي يشفوهم من مرض عضال. أصبحت أفضل المستشفيات هي التي تشفيهم وتعالجهم هم وكل أطفالهم وعائلاتهم بدون تمييز. لهذا السبب تراجع التدين في المجتمعات الأوروبية المتقدمة وانحسر. ولكنه لم يتراجع في المجتمع الأمريكي الذي لا يقل تقدما وتطورا عن أوروبا الغربية إن لم يزد. فلماذا يا ترى؟
هنا فات ماركس أن مسألة الدين أعمق من كل ذلك. وبهذا الصدد يقول لنا المفكر الفرنسي المعروف فريدريك لونوار ما فحواه: ماركس كان يعتقد أن الدين سوف ينتهي بنهاية الجوع واختفاء آخر فقير من على وجه الأرض. فالإنسان لا يتدين إلا لأنه فقير مدقع خائف وبحاجة لأن يستعصم بالقدرة الإلهية لكي تحميه وتواسيه هو وأطفاله الجائعين. بمعنى آخر فإن سبب انتشار التدين يعود الى أسباب اقتصادية واجتماعية ليس إلا. فلو كان المجتمع خاليا من الاستغلال والبؤس والفقر المدقع، لما كانت هناك حاجة للتدين. ولكن هذا التحليل الماركسي على أهميته يظل ناقصاً. فبواعث التدين والإيمان بالله أعمق بكثير مما توهم ماركس. إنها تعود الى أسباب ميتافيزيقية لا مادية. ولا يمكن اختزالها الى العوامل الاقتصادية. والدليل على ذلك أن هناك مؤمنين كثيرين لا يعانون من أي استغلال اقتصادي ولا من أي فقر مدقع. بل إنهم من الأغنياء الموسرين ومع ذلك فهم متدينون. وبالتالي فالماديات ليست هي الوحيدة في الساحة يا سيد كارل ماركس. لا ريب في أنها مهمة جدا، ولكنها ليست كل شيء. هناك الروحانيات أيضا. «فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان» كما يقول الانجيل. وإن كان الخبز يمثل ضرورة ملحة بطبيعة الحال بل وأول ضرورة. ولكن بعد أن نشبع خبزا هناك شيء آخر. هناك المادة وهناك الروح.هناك الإشباع المادي وهناك الإشباع الروحي. وأعتقد أن ماركس أهمل العوامل الروحية من شدة تركيزه على العوامل المادية.

التقييم الأخير
أخيراً سوف أعطي حق الكلام للفيلسوف الشهير ادغار موران. ومعلوم أنه كان ماركسيا في شبابه قبل أن يترك الحزب الشيوعي. فماذا يقول عن علاقته بماركس؟ وما هي مكانته في تاريخ الفكر البشري؟ إنه يقول لنا ما فحواه: المسألة اليوم لم تعد معرفة فيما إذا كانت العقيدة الماركسية ماتت تماما أم لا تزال قادرة على الحياة والاستمرار. وإنما في معرفتنا بأن الأسس المعرفية أو الابيستمولوجية التي قامت عليها الماركسية أصبحت إشكالية ولم تعد كافية لفهم العالم، والإنسان، والمجتمع. ينبغي العلم بأن مادية ماركس كانت ناتجة عن مفهوم ضيق للمادة وخاص بالقرن التاسع عشر. وهو مفهوم تجاوزه العلم الحديث اليوم وتجاوز ماركس بالتالي. يضاف الى ذلك أن ماركس كان محكوما بتصور تبسيطي عن العلاقة بين الحتمية والحرية. فقد كان فكره محكوما بالتصور المادي الحتمي الذي لا يمكن الإفلات منه ومن قوانينه بأي شكل. وهو تصور تجاوزه الزمن أيضا لأنه لا يفسح أي مكانة لمقدرة الإنسان على الحرية وأخذ المبادرة الذاتية أو الفردية.ثم الأهم من كل ذلك أن تصور ماركس للإنسان كان أحادي الجانب. فالإنسان عنده يُختزل الى مجرد شخص عامل واقتصادي مادي محض مُفرغ من أي داخلية جوانية حميمية.. وبالتالي فهو شخص خال من الانفعالات الذاتية والعواطف الملتهبة والمشاعر الحساسة. باختصار شديد فإنه مُفرغ من الحب، والشعر، والفن، والجنون! وهنا يكمن نقص ماركس المريع في تصوره للإنسان. ولهذا السبب فإني أنفر منه ومن ماديته الغليظة المملة المزعجة. أو قل بأني أنفر من أتباعه بالدرجة الأولى ومن غطرستهم الفارغة وجهلهم، فهو على الأقل كان مبدعا في وقته ومفكرا رائدا أما هم فيرددون كالببغاوات نفس الشعارات والرطانات التي تكاد تصيبني بالغثيان. يضاف إلى ذلك أن ماركس لم يفهم القوة الاستثنائية الهائلة للأفكار. فقد اعتبرها مجرد بنية فوقية ثانوية على عكس البنية التحتية للعوامل المادية والاقتصادية. ولكننا نعلم الآن أن الأفكار تحرك العالم مثل العوامل المادية وأحيانا أكثر. وأصلا كل الثورات الكبرى في تاريخ البشرية ابتدأت بتغيير الأفكار وعقليات الناس قبل أن تتحول الى تغيير مادي محسوس لاحقا. بمعنى آخر فإن الثورات الفكرية والروحية تسبق الثورات السياسية والاقتصادية. باختصار شديد: في البدء كانت الكلمة! في البدء كانت الفكرة لا المادة. والفكرة إذا كانت مبدعة أو مبتكرة أقوى من الرصاصة. إنها تصيب الهدف مباشرة وعنها يحصل التغيير المنشود. من هذه الناحية فأنا مثالي لا مادي على عكس ماركس والماركسيين.وأعتقد بأن الفكر الجديد الصائب هو الأداة الأولى لتحرير الوضع البشري. وبالتالي فقد تخلى المثقفون عن تلك الرطانة الماركسية التي لا تتحدث لك إلا عن قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج والمادية الجدلية والمادية التاريخية والقوانين الحتمية وسوى ذلك. انظر بهذا الصدد مثلاً كتاب حسين مروة عن «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية». إنه بدلا من أن يضيء التراث يعميه. وما قلته عن حسين مروة الذي أحترمه كشخص وكانسان، بل وكشهيد ينطبق على كل المثقفين العرب الآخرين الذين درسوا التراث من وجهة نظر ماركسية فجة. كل هذا سقط الآن ولم تعد له أي قيمة. ولهذا السبب طرحنا الشعار التالي: لقد آن الأوان لكي تنتقل الثقافة العربية من المرحلة الأيديولوجية الى المرحلة الابيستمولوجية.
يضاف الى ذلك أن ماركس الذي حارب الأسطورة باسم العقلانية سقط هو ذاته في أحضان الأسطورة: نقصد أسطورة المجتمع الشيوعي المثالي الخالي من الطبقات كليا ومن كل استغلال أو تفاوت بين البشر. وهي فكرة طوباوية تستعصي على التحقق الموضوعي. كما وسقط في حبائل أسطورة البروليتاريا المخلصة والمنقذة للبشرية. وهي مرتبطة بالأولى، ولكننا نعلم أن خيالاته هذه وأساطيره أدت الى كوارث لاحقا. فالمجتمع الشيوعي الذي تشكل بناء على أفكاره كان أبشع بما لا يقاس من المجتمع الرأسمالي. ولولا ذلك لما انهار الاتحاد السوفييتي. لقد أسس ماركس دين الخلاص الأرضي لكي يحل محل دين الخلاص السماوي واعتقد أن طبقة البروليتاريا ستحقق الجنة على هذه الأرض. وكانت النتيجة التي نعرفها. ولهذا السبب فقدت الماركسية مصداقيتها ووهجها الذي كان هائلا في فترة من الفترات. نقول ذلك ونحن نعلم مدى استلاب المثقفين العرب والمثقفين الفرنسيين أيضا بالماركسية. لقد ألغوا عقولهم بالمرة، بعد أن اعتنقوها كدين معصوم أو كدوغمائيات متحجرة. وعندما كنت تجلس معهم ما كنت تستطيع أن تتنفس بحرية بسبب مصطلحاتهم ومفاهيمهم التي تعميك فكرياً بدلاً من أن تضيئك. إنها مجرد أدلجات عمياء وشعارات طنانة رنانة ولكن فارغة. وهكذا انتفى الفكر النقدي الحر في ظل طغيان الأدلجة الماركسية والرطانات الشيوعية. ولكن المثقفين الفرنسيين على الأقل ما كانوا كلهم ماركسيين متحجرين، وذلك بفضل ديناميكية الثقافة الفرنسية ووجود تيارات وفلسفات أخرى غير ماركسية أو غير شيوعية حتى في عز هيمنة الماركسية وطغيان الشيوعية.فقد ظل هناك مفكرون ديكارتيون أو كانطيون أو هيغليون أو وجوديون وظاهراتيون، أو من جماعة أرسطو وأفلاطون وتوما الأكويني وبيرغسون الخ.

عن المنظِّر
كارل هانريك ماركس، كان فيلسوفاً ألمانياً واقتصادياً، وعالم اجتماع، ومؤرخاً، وصحفياً واشتراكياً ثورياً (5 مايو 1818م - 14 مارس 1883م). لعبت أفكاره دوراً مهماً في تأسيس علم الاجتماع وفي تطوير الحركات الاشتراكية. واعتبر ماركس أحد أعظم الاقتصاديين في التاريخ. نشر العديد من الكتب خلال حياته، أهمُها بيان الحزب الشيوعي (1848)، ورأس المال (1867 - 1894).
ولد في عائلة غنية من الطبقة الوسطى في مدينة ترير في راينلاند البروسية درس ماركس في جامعة بون وجامعة برلين، حيث أصبح مهتماً بالأفكار الفلسفية للهيجليين الشباب. ارتبط بجيني فون ويستفالين عام 1836م، وتزوجها عام 1843م بعد دراسته. كتب لصحيفة راديكالية في كولونيا، وبدأ في تطوير نظريته في المادية الجدلية. بدأ الكتابة في الصحف الراديكالية الأخرى، بعد انتقاله إلى باريس عام 1843. التقى فريدرخ إنغلز في باريس، وعملا معاً على سلسلة من الكتب. ثم نفي إلى بروكسل، وأصبح قيادياً بارزاً للحزب الشيوعي، قبل أن يعود إلى كولون ويؤسس صحيفته الخاصة. في عام 1849، تم نفيه مرة أخرى وانتقل إلى لندن مع زوجته وأطفاله. في لندن، المكان الذي وصلت فيه عائلته إلى الفقر، استمر ماركس في كتابة وتطوير نظرياته في طبيعة المجتمع، وكيف اعتقد أنه يمكن تطويرها، وأيضاً نظم حملة للاشتراكية، أصبح شخصية مهمة في الرابطة الدولية للعمال.

عن النظرية
الماركسية هي ممارسة سياسية ونظرية اجتماعية مبنية على أعمال كارل ماركس الفكرية، ورفيقه فريدريك إنجلز، حيث وضعا معاً الأسس واللبنات الأولى للنظرية الشيوعية، ومن بعدهم بدأ المفكرون الماركسيون في الإضافة والتطوير للنظرية بالاستناد إلى الأسس التي أرسى دعائمها ماركس. سميت بالماركسية نسبة إلى مؤسسها الأول كارل ماركس. وقد كان الاثنان اشتراكيين بالتفكير، لكن مع وجود الكثير من الأحزاب الاشتراكية، تفرد ماركس وأنجلز بالتوصل إلى فكرة الاشتراكية كتطور حتمي للبشرية وفق المنطق الجدلي وبأدوات ثورية. فكانت مجمل أعمالهما تحت اسم واحد وهو الماركسية أو الشيوعية العالمية. كانت أعمالهما تهتم في المقام الأول في تحسين أوضاع العمال المهضومة حقوقهم من قبل الرأسماليين، والقضاء على استغلال الرأسماليين للإنسان العامل.
وبعد أن وضع ماركس وإنجلز كتاب البيان الشيوعي سنة 1848، ابتدأ العالم يدرك كلمة الماركسية، ولكن لم تكن فكرتها قد تبلورت. أصبح ذلك ممكنا بعد سنة 1917 مع ثورة البلاشفة في روسيا. ومن ثَمّ أصبحت العقيدة الماركسية، ومنها الماركسية-اللينينية اتجاهاً سياسياً عالمياً يسعى إلى إرسائه جزء من الدول المساندة لهذهِ الإيديولوجيا، ومن الجانب الآخر تسعى الدول الرأسمالية إلى تدميرها باعتبارها عدوّاً رئيساً لها.

اقرأ أيضا

10 أمسيات و90 شاعراً في أيام قرطاج الشعرية