الاتحاد

دنيا

كوكو سودان كباشي صرخة منذ قرنين ضد التمييز

القاهرة - أحمد الجندي:
المتابع لحركة الادب في العالم العربي يلاحظ اختفاء الرواية التاريخية·· بعد ان كان هذا اللون الادبي مزدهرا في سنوات سابقة لذلك كان احتفاء الوسط الثقافي والادبي في مصر برواية الاديبة سلوى بكر 'كوكو سودان كباشي' كبيرا حيث اشاد بها النقاد باعتبارها عودة مهمة للرواية التاريخية·
عنوان الرواية مقتبس من اسم حقيقي لجندي سوداني كان ضمن القوات المصرية التي ارسلها الوالي سعيد الى المكسيك لمساعدة فرنسا في حربها هناك اواسط القرن التاسع عشر·· وتناقش احداث الرواية العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية في تلك الفترة من خلال شخصيات عديدة كما ترصد الرواية دوافع حرب بلا هدف وكيف كان تأثير تلك الحرب على المجتمع المصري·
وشهدت القاهرة ندوة لمناقشة الرواية حضرها المؤرخ د· رؤوف عباس ود· سيد عشماوي استاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة· وادارتها الاديبة هالة البدري التي تحدثت عن المكانة لسلوى بكر وعالمها الابداعي بوصفها واحدة من اهم الاصوات الادبية العربية في القصة والرواية ولها العديد من المؤلفات التي تشكل علامات في الانتاج الادبي·
وقالت ان سلوى بكر اهتمت في ابداعها بالبسطاء وناقشت قضاياهم وتطرقت الى شخصيات لم يلتفت اليها غيرها· اضافة الى قضايا المرأة ومشاكلها·
وأكدت ان القارئ يمكنه بسهولة تمييز اعمال سلوى بكر لتفرد اسلوبها وقضاياها وبراعة طرحها وقدرتها على التعبير ومن أعمالها المتميزة 'العربة الذهبية تصعد للسماء' التي تحدثت فيها عن مجموعة من السجينات وحلمهن بالحرية 'والبشموري' التي قدمتها في جزئين·
واضافت ان رواية 'كوكو سودان كباشي' ترصد واقعة محددة وهي الحملة المصرية في المكسيك ايام الوالي سعيد في القرن التاسع عشر وقد تعرضت الرواية للحياة الاجتماعية والسياسية في مصر في تلك الفترة من خلال عدد من الشخصيات ورصد احباطاتها النفسية وسعيها المستمر إلى الحرية التي يريدها الانسان في داخله أولا حتى يمكن ان يعيشها خارج نفسه فشخصيات سلوى بكر غائرة العمق واقعية الطرح·
وقال د· رؤوف عباس ان الرسالة التي ارادت سلوى بكر توصيلها تكمن في الحرية بمعناها المركب والمعقد وحقوق الانسان التي غالبا ما تحرم منها الفئات المهمشة·· ويتجلى هذا في اكثر من جزء وشخصية في الرواية فنجــــــــد شخصية الاب وشخصية الابنة وكيف كانت العلاقة تشكل قيدا على حرية الابنة لكن تقاليد المجتمع تمنعها من الخروج عن الطوق فنجدها تستبدل الاب بشخصية 'العمة' وبعد ذلك نجدها تضيق بقيود العمة وهذه اشارة واضحة الى قيود اجتماعية لا فكاك منها·
واضاف ان هناك الشاب الاجنبي الذي جاء الى مصر ليبحث عن اصول جده وشخصية الجد التي يبحث عنها الشاب الاجنبي نموذج متفرد واختيار عبقري من المؤلفة لانه خليط مصري مكسيكي نرويجي ومن كل هذه التفاصيل تنسج سلوى بكر روايتها وتبدأها من الحملة المصرية·
وأوضح ان المؤلفة لا تترك شخصياتها منفردة بل تجعلها تمتزج -رغم غربتها- للبحث عن خلاص ومن خلال شخصيات الجنود السودانيين الذين كانوا ضمن الجيش المصري تنجح في طرح فكرة الحرية والعبودية وما تسببه من تأثيرات وآلام نفسية وفكرة التمييز بين الانسان والآخر على اساس اللون والدين والمذهب·
وقال ان 'كوكو سودان كباشي' جندي سوداني في هذه الحملة وهو شخصية محورية ترمز الى دلالات عديدة عن الحرية ومفهومها والعبودية ومأساتها·· فهذا الجندي وغيره من المصريين والسودانيين ذهبوا الى ارض بعيدة ليحاربوا دون ان يفهموا المعنى والهدف من وراء هذه الحرب أو اسبابها وهذا هو الهم العام في الرواية اضافة الى قضية البطلة واسمها 'خالدة' وهي محامية تطالب بمحاكمة نابليون الثالث امبراطور فرنسا من اجل كل هؤلاء المظلومين الذين ضحوا بأنفسهم بشكل عبثي وقد كان اختيار مهنة المحاماة مقصود وموفقا من المؤلفة خاصة انها بصدد نص روائي يناقش فكرة الحرية والقمع والتمييز العرقي وحق الانسان في حياة كريمة·
وقال الدكتور سيد العشماوي: قرأت الرواية مرتين الأولى كقارئ متذوق للادب ومن خلال هذه القراءة استمتعت بفن السرد ودلالات الاحداث وصدق الايحاء والتماسك في البناء الروائي· اما القراءة الثانية فاعتبرتها قراءة تاريخية ومن خلال هذا الاطار تصبح القراءة متعة اكبر عندما تدخل في اطار الوعي بالتاريخ خاصة ونحن نعلم الطلبة في الجامعة ان القراءة مستويان قراءة للعلم وقراءة للجمال واقصد القراءة التاريخية خاصة احداث ما قبل القرن التاسع عشر·
واضاف ان رواية 'كوكو سودان كباشي' ليست مجرد عمل تحليلي ابداعي بل هي نتاج بحث وقراءة في تاريخ تلك الحقبة والحملة العسكرية على المكسيك لذلك اختارت المؤلفة شخصياتها بفهم ووعي ومن هنا جاءت احداثها وشخصياتها مدعمة باسانيد تاريخية حقيقية·· رغم ان هذه الحملة التي ذهبت الى المكسيك من أكثر الفترات غموضا في تاريخ مصر·
وأشار الى انه من اخطر الجوانب في الكتابة التاريخية ان يهمل من يتصدون لها الجوانب الجمالية لان التاريخ عندما يقدم باسلوب جاف مختزل يكرهه المتلقي ويفقد كثيرا من اهميته لذلك نجد معظم المؤرخين مثل المقريزي وابن إياس كتبوا اعمالهم بفنيات جمالية عالية·· ومواطن الجمال في رواية سلوى بكر عديدة ومنها تناولها للجنود السودانيين باعتبارهم من العبيد وهؤلاء كانوا موجودين وظهروا في مصر اثناء العصرين الفاطمي والمملوكي وهناك في التاريخ المصري اكثر من ثورة وتمرد لهؤلاء الجنود ودور الجندي السوداني في بناء القدرة العسكرية المصرية كبير·
وأكد ان الحدث التاريخي يتضاءل امام العمل الفني الروائي وهذا يحسب للكاتبة لانها روائية وليست مؤرخة·· فمن المعروف ان حرب المكسيك وقعت في عهد نابليون الثالث وكانت العلاقات المصرية الفرنسية قد بلغت قمة ازدهارها في عهدي الوالي سعيد والخديو اسماعييل·· ولم يكن مطلوبا من الرواية ان تركز بشكل توثيقي على هذه الجزئيات بقدر ما كان مطلوبا ان تكون خلفية للاحداث وكانت المؤلفة بارعة في ذلك·
وقال ان والرواية تثير مجموعة من التساؤلات اهمها مفهوم الهوية وتوضح ذلك من خلال شخصية 'كوكو سودان كباشي' الذي يقع في الاسر ثم يتحول الى جندي في الجيش المصري وبعد ذلك يظل يتأمل ويبحث عن اصوله·· والمفهوم الآخر وهو فكرة التواصل·· فلا يمكن ان نفهم الماضي الا من خلال فهمنا للحاضر والرواية تشير الى الحروب البعيدة التي خاضتها مصر دون ان يكون لها فيها ناقة ولا جمل· وان هذا العمل تستكمل به سلوى بكر اعمالا اخرى بدأتها من قبل وتتعرض فيها للمهمشين في التاريخ وهذا العمل يمثل لوحة فنية جمالية لجماعات مهمشة في التاريخ المصري·
وقالت سلوى بكر: كتبت الرواية اكثر من مرة وفي كل مرة كنت اغير البنية الرئيسية عندما اكتشفت من قراءاتي التاريخــــية خاصة كتاب الامير عمر طوسون الذي كتبه من خلال مجموعة تقارير عسكرية تحمل اخبار الحملة في المكسيك·· واكتشفت ان اكثر جنود هذه الحملة كانوا من السودانيين وكنت اتصور ان كلهم مصريون·
واضافت ان الرواية ليست معنية بكل المعلومات عن الجنود السودانيين بالجيش المصري لكنها معنية بهؤلاء الذين شكلوا الغالبية العظمى في حملة المكسيك·· لان هؤلاء يمثلون أسلوب استخدام البشر في حرب لا يفهمونها فمنذ حرب الهكسوس لم يخض المصريون حربا هم معنيون بها الا في الحروب الحديثة مثل 48 و67 و73 وما عدا ذلك فان كل الحروب التي خاضوها لم تكن قومية وتمت صياغة اسباب هذه الحروب والهدف منها بشكل ساذج واذا كانت الحرب قرارا سياديا وهذا مبدأ متعارف عليه في العالم كله فانه لابد من المشاركة الشعبية في اتخاذ قرارها·
واضافت: اننا نعاني نقصا شديدا في الاوراق التي توثق التاريخ عندما نريد ان نكتب عن الماضي فمشكلتنا هي الاوراق الناقصة في تاريخنا كله واعادة قراءة هذه الاوراق ستجعلنا نفهم تاريخنا اكثر ونجيب على اسئلة عديدة في الحاضر وتظل مشكلة الكاتب الذي يكتب الرواية التاريخية هي عدم وجود ما يعينه سواء من ناحية الوثائق أو الاشخاص· عكس الكاتب الاوروبي الذي امامه دائما كل ما يبحث عنه·· لذلك لجأت لتكنيك الكتابة كحيلة لتغطية النقص الشديد في المعلومات العسكرية التي كنت ابحث عنها لتساعدني في هذه الرواية·

اقرأ أيضا