الاتحاد

ثقافة

«إلخ..» قناع الأفكار

العزلة الفردانية.. اختلاف

العزلة الفردانية.. اختلاف

ترجمة: عبدالدائم السلامي

موريس بلانشو Maurice Blanchot روائيٌّ وناقدٌ أدبيٌّ وفيلسوفٌ فرنسيٌّ وُلد عامَ 1907، كان ناشطا يساريًّا منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عارض حربَ الجزائر، وشارك في ثورة مايو عام 1968. عُرِفَ بمواقفه المُناهضة لسياسة الرئيس شارل ديغول، وهو ما حرّض عليه كثيرٌ من أتباع هذا الأخير، فاتّهموه بكونه من أنصار حكومة فيشي، وبأنه ضدّ الثورة، ومناهض للسّامية. ولعلّ في هذا ما جعله يختار العزلة، فلم يُرَ في أيّ مناسبة ثقافية أو وطنية فرنسية حتى وفاته عام 2003. وقد مثّلت أفكارُه النقدية والفلسفيّة الخلفيّةَ الفكريّةَ لما بات يُعرف بـ«النظريّة الفرنسية»، حيث نُلفي لاسْمِه حضورًا دالاًّ في كتابات أشهر أدباء ومفكّري فرنسا والغرب منذ ستينيات القرن الماضي وإلى حدِّ الآن، ومن هؤلاء: فوكو، بارت، دولوز، لاكان، داريدا، وغيرهم. من كُتُبه نذكر: «الفضاء الأدبيّ»، و«الكتاب الآتي»، و«أسئلة الكتابة»، و«كتابة الكارثة».
وقد جاء في الموسوعة العالمية (Encyclopædia Universalis) القوُلُ إنّ كتاب «الفضاء الأدبي» (دار غاليمار، 1955، 295 صفحة) «واحدٌ من أهمّ الكتب المُؤسِّسة لحداثتنا»، ذلك أنه نهض على دعامة أسلوب في الكتابة فذٍّ، وتضمّن مفاهيمَ ورؤى أدبيّة امتزجت فيها طراوةُ الأدبِ بعمق الحدس الفلسفيّ، فالكتاب ليس محاولة لبيان مفهوم الخلق الأدبيّ والفنيّ فحسبُ، وإنّما هو أيضا تأمّلٌ منصبٌّ على تَبَيُّنِ جهد اللغة في إدارة قوّة الصمت والكتابة، وعلى الكشف عن «الإنسانيِّ» في شعور الكتّاب بالوحدة والعزلة والموت، بل هو تأمّل استشكاليٌّ لسؤال، «ما الذي يجعل الأدب ممكنا اليومَ؟»، وقد اتّكأ بلانشو في تأمّلاته النقديّة والفلسفيّة على عيّنات من كتابات عالمية على غرار أعمال مالارميه، وكافكا، وريلكه، وهولدرلين، وغيرهم. هنا ترجمة الصفحات الخمس عشرة الأولى من كتاب «الفضاءُ الأدبيُّ» للفرنسي موريس بلانشو، وهي أول ترجمة عربية لهذا الكتاب:
لأيِّ كتابٍ، وإنْ كان شَذْرِيًّا، مَرْكَزٌ يجْذِبُه: هو مركزٌ غير مُحَدَّدٍ، ولكنه يتنقَّل بفعل ضغطِ الكتاب وظروفِ تأليفه. وهو أيضًا مركَزٌ مُحدَّدٌ، ويتنقَّلُ ـ إنْ كان حقيقيًّا ـ ليبقى هو نفسه، وليصيرَ دومًا أكثرَ مركزيّةً، وأكثرَ خفاءً، وأكثرَ غموضًا، وأكثرَ هيمنةً. مَن يكتُبُ الكتابَ إنّما هو يكتبه برَغْبةٍ، وبتجاهلٍ لهذا المركز. وقد لا يكون إحساسُه بملامسة هذا المركز إلاّ الوَهمَ بأنه قد بلغه؛ عندما يتعلّق الأمرُ بكتابِ شُروحاتٍ، هناك نوعٌ من الأمانة المنهجيّةِ التي تَقْتضي تحديدَ النُّقطةِ التي يبدو أنّ الكتاب يتَّجِهُ نحوَها: هنا، هو يَتَّجِه نحوَ الصفحات المَوْسومةِ بـ»نَظْرة أورفيوس».

العُزلةُ الأساسيّةُ
يبدو أنّنا سنتعلّم شيئًا مّا حول الفنّ عندما نَخْبُرُ ما يمكن أن تعنيه لفظةُ عُزلة. لقد وقع الإسراف في استخدامِ هذه اللّفظة. ومع ذلك، فما معنى «أن يكون المرء وحيدًا»؟ ومتى يكون كذلك؟ يجب ألاَّ يُعيدنا طرحُنا لهذا السؤال فقط إلى آراء مثيرة للشفقة. فالعزلة، على صعيد العالَم، إنّما هي جُرحٌ ليس هنا مجالُ مناقشته.
نحن لا نهدف إلى مزيدِ عزلةِ الفنّان التي يُقالُ إنّها يمكن أن تكون ضروريةً بالنسبة إليه ليُمارس فنَّه. عندما كتب ريلكه إلى الكونتيسة سولمس-لوباك (3 أغسطس 1907) قائلاً: «منذ أسابيع، وباستثناء انقطاعيْن قصيريْن، لم أنبس ببنت شفة. لقد اكتملتْ عُزلتي أخيرًا، وصرتُ في عملي مثل النواة في الثمرة»، فإنّ العزلةَ التي تحدث عنها ليست بالجوهر عزلةً: إنها تأمُّلٌ.

عُزلة الأثر
تكشف لنا عُزلةُ العمل، سواء أكان عملاً فنيًّا أم عملاً أدبيًّا، عن عزلةٍ أكثرَ جوهريّةً. إنّها عزلة تصدُّ انعزالَ الفردانيَّةِ المُمْتِعَ، وتتجاهلُ البحثَ عن الاختلافِ؛ فكونها تعضُدُ علاقةً فتيّةً ضمن مهمّةٍ تُغطِّي المدى اليوميّ المتحكَّم به فذاك أمرٌ لا يُبدِّدها. يُستبعَدُ مَن يكتُب العملَ، ويُعزَلُ مَن أتمَّ كتابتَه، فضلاً عن أنّ هذا الأخير لا يعي ذلك. وهذا الجهل بالعزلة يَحْميه، ويُسلّيه من حيث يُجيزُ له الاستمرارَ في الكتابة. لا يعرف الكاتبُ مطلقًا ما إذا كان العملُ قد اكتملَ. فما أنهاه في كتابٍ مَّا يبدؤه من جديد في كتابٍ آخر أو ينقُضُه. لا يرى بول فاليري بعدُ، وهو يحتفي بميزةِ لانهائيةِ العمل، إلاّ الجانبَ الأكثرَ سُهولةً فيه. فأنْ يكون العمل لانهائيَّا يعني (بالنسبة إلى فاليري) أنّ الفنّانَ، في عجزه عن وضع نهاية لما يكتُبُ، هو بالأحرى قادرٌ على أنْ يجعلَ منه محَلاًّ مُغلَقًا لعملٍ بلا نهاية يُنمِّي عدمُ اكتمالِه براعةَ الفكر، وأنْ يُعبِّرَ عن تلك البراعة بتطويرِها إلى شكل من أشكال السّلطة. وفي لحظة معيّنة، فإنّ الظروفَ، أيْ تاريخَ النشر، والضغوط المالية، والمهامّ الاجتماعية، هي التي تُعلن عن هذه النهايةِ المفقودةِ. ومن ثَمَّ، فإنّ الفنّانَ، وقد حرّرَتْه هذه النهاية القسريّة الصِّرف، يواصل ذاك الذي لم يكتمل بعدُ في مكان آخر.
وليست لانهائيةُ الأثر، وَفْقَ هذه الرؤية، إلاّ لانهائيةَ الفكر الذي يرغب في أن يتجسّد في أثرٍ واحدٍ عوضًا عن أنْ يُنجزَ في لانهائية الآثارِ ومجرى التاريخ. لكنّ فاليري لم يكن بطلاً على الإطلاق في هذا الشأن. فَقَدْ وجدَ من الجيّد التحدّثَ في كلّ شيء، والكتابةَ عن كلّ شيء. وهكذا، فإنّ الكلَّ المتناثرَ للعالَم كان يُلهيه عن صرامة الكلّ الأوحد للأثر الذي كان قد سمح بأن يتلفّت عنه بلُطفٍ. ذلك أنّ الـ»إلى آخره» [«إلخ…»] هو ما كان يتخفَّى وراء تنوّعِ الأفكارِ والمواضيعِ.
غير أنّ الأثر، فنيّا كان أو أدبيّا، لا هو بمكتمل ولا هو بغير مكتمِل: إنه قائمٌ. ما يقوله حَصْرًا هو هذا: «إنه قائمٌ» - ولا شيء أكثر. فهو لا شيء خارجَ حدود ذلك. مَن يُريدُ أن يَزيد من تعبيريّةِ العمل، لا يجد شيئًا، ويجد أنه لا يُعبِّرُ عن شيءٍ. إنّ الذي يعيش في تبعيّة العمل، إمّا لكتابته وإمّا لقراءته، ينتمي إلى عُزلةِ ما لا يُعبِّر إلاّ عن لفظةِ كينونة: وهي لفظةٌ تحتضنها اللغةُ من حيث تُخفيها، أو هي تُظهرها جاعلةً إيّاها تتلاشى في الفراغ الصامت للعمل.
إنّ لعُزلةِ العمل إطارًا أوّلَ هو غيابُ تلك الضرورة التي لا تسمح بتاتًا بقراءته لا مكتملا ولا غيرَ مكتمل. وبقدر ما هي عزلةٌ بلا دليلٍ، هي أيضا عزلةٌ بلا وجه استعمال. ولئن كان يستحيل التثبّتُ منها، فإنّ الحقيقةَ تقدرُ على إدراكِها، كما يمكنُ لِصِيتِها أن يُوضِّحَها: فهذا الوجودُ لا يعنيها، وهذه البداهةُ لا تجعلها مؤكَّدةً ولا واقعيّةً، ولا تجعلها جليّةً.
الأثر في عزلة: هذا لا يعني أنه يظلّ ولا يعني أيضا أنّ ما ينقُصُه هو القارئُ. على أنّ مَن يقرأ الأثرَ يُثبِتُ تلك العزلة، مثلما ينتمي إلى خطرِها مَن يكتبُه.

الأثرُ، الكتابُ
إذَا أردنا أنْ ننظرَ عن قُرْبٍ إلى ما تدعونا إليه مثلُ تلك التأكيدات، فربّما يتوجب علينا أن نبحثَ مِنْ أين تستقي مصادرَها. يكتُبُ المؤلِّفُ كتابًا، لكنّ الكتابَ ليس بَعْدُ أثرًا، فالعمل لا يكون عملاً إلاّ عندما يُعلِن بنفسِه، وضمن عنفِ بدايةٍ خاصّةٍ به، عن لفظةِ كينونة، وهذا الإعلان هو حدثٌ يكتمِلُ عندما يصيرُ العملُ خصوصيةَ مَنْ يكتبه ومَن يقرؤه. يُمكن لنا إذًا أنْ نتساءل: إذا كانت العُزلةُ هي مُجازفة الكاتبِ، أفَلاَ يمكنُ أن تُعبِّرَ عن واقعة أنّه حُوِّلَ ووُجِّه نحوَ العنفِ المفتوح للعمل الذي لا يعي منه مطلَقًا إلاَّ البديلَ والمقاربةَ والوهمَ في هيئةِ الكتاب؟ ينتمي الكاتبُ إلى العمل، غير أنّ ما ينتمي إليه إنّما هو مُجرّدُ كتابٍ، وكومةٌ خرساءُ من الألفاظ العقيمة، وأكثرُ الأشياءِ خلوًّا من الدَّلالة في العالَم. والكاتب الذي يَخْبُر هذا الفراغَ، يعتقد فقط أنّ الأثرَ غيرُ مكتمِلٍ، وأنّ قليلاً من مزيدِ الجَهْد، وقليلاً من البخْتِ المُواتي، هما ما سيمكّنانه، هو دون غيره، من أنْ يفرغَ منه. لذلك فإنه يُباشر عمله مُجدَّدًا. لكنّ ما يرغب في إكماله بمفرده، يظلّ ذاك الذي لا يمكن أن نفرغ منه، ومن ثمَّ يُورِّطه في عمل وهميّ. وفي النهاية، فإنّ الأثر يجهل الكاتبَ، وينغلِقُ على غيابه، ضمن الإثباتِ غير الشخصيِّ، غُفْلاً كما هو عليه، ولا شيء أكثر من ذلك. وهو ما يُتَرجَم بملاحظةِ أنّ الفنّان لا يعرف البتّة أثرَه من جهة أنّه لا يفرَغ منه إلاّ لحظةَ موتِه. وهي ملاحظة ربّما يتعيّن علينا أن نعكسها، ألَنْ يكون الكاتب قد مات حالما يكون الأثرُ وكما يستشعر هو نفسُه ذلك في انطباع التعطّل والتراخي الأشدّ غرابة؟

لا تقرَأْني
يمكن للوضعية ذاتِها أن توصف كالتالي: لا يقرأ الكاتبُ أثَرَه مطلقًا. إنه بالنسبة إليه غيرُ قابل للقراءة، وسِرٌّ يعجزُ عن فكِّ شِفْرتِه لا قِوامَ للكاتب بحياله، لأنه مفصولٌ عنه. لكنّ هذه الاستحالة ليست حركةً سلبيّةً صِرْفًا وإنّما هي بالأحرى مُقاربةُ الكاتبِ الواقعيةُ الوحيدةُ لما ندعوه أثرا. فالعبارةُ الفظّةُ «لا تقرَأْني» تُبرِزُ مُسبَّقًا حيث لا يوجد بعدُ إلاّ كتابٌ، أفقَ قوةٍ أخرى. هي تجربةٌ متفلِّتةٌ مع كونها مباشرةً. إنها ليست قوةَ شيءٍ ممنوعٍ، وإنّما هي تُمَثّل، من خلال لعبة الألفاظ ومعناها، إثباتا مِلْحاحًا، صارمًا ومُمِضًّا، لكون ما هو قائمٌ ههنا ضمن الحضورِ الشامل لنصٍّ نهائيٍّ، أمرا ممتنعا، وفراغا قاسيا ومُوجِعا لهذا الامتناع، أو لكونه استبعادا، عبر سلطة اللامبالاة، للكاتبِ الذي أنهى كتابتَه وما يزال يرغب في استرداده مُجدَّدًا عبر فعلِ القراءة. إن استحالة القراءة هي ذاك الاكتشاف المتمثّلُ في أنه لم يعد يوجد الآن مجالٌ للخَلْقِ ضمن الفضاء الذي أشاعه الخلْقُ، وهي تعني أيضًا، بالنسبة إلى الكاتب، غيابَ أيِّ إمكانٍ آخر سوى الاستمرارِ في كتابة ذلك الأثر. وإنه لَيَستحيلُ على أيِّ أحدٍ قد كتبَ العملَ أنْ يعيش بجواره ويظلَّ قريبا منه. فالأثرُ هو القرارُ ذاتُه الذي يستبعِدُ الكاتبَ ويُقصيه، ويجعله الناجيَ، المتراخيَ، المُتبطِّلَ والعاطلَ الذي لا يعتمد عليه الفنُّ.
لا يقدر الكاتب على أن يبقى قريبًا من العمل: فهو لا يستطيع إلا أن يكتبَه، ويستطيع، عندما تتمّ كتابتُه، أنْ يميّزَ فيه فقط المقاربةَ الموجودةَ في العبارة الفضّة «لا تقْرَأْني» التي تُبعِدُه هو نفسه، وتُقصيه، أو تُجبره على العودةِ إلى تلك «الهُوّة» التي كان قد دخل إليها في البداية ليصيرَ متَّحِدًا مع ما كان يتوجّب عليه أن يكتُبَه. بحيث يلتقي الآن بذاته من جديد كما فعل في بداية مَهمّته، ويستعيدُ مرّة أخرى مجاورةَ الخارج الذي لم يستطع أن يؤويه في ذاته، ويؤوي حميميتَه الهائمةَ.
قد تُوجِّهنا هذه المحنةُ إلى ما نبحث عنه. وإذًا، فيمكن لعزلةِ الكاتب، هذا الوضعُ الذي يتهدَّدُه، أن تتأتّى من كونه ينتمي في سياق العمل إلى ما هو سابق عليه دومًا. ذلك أنّ العملَ، وهو يحضر عبر الكاتب، يُمثّل صرامةَ البداية، لكنّ الكاتبَ في حدِّ ذاته ينتمي إلى زمنٍ يسود فيه تقلْقُلُ فعلِ الابتداءِ من جديد. فهَوَسُه بغرض مُفضَّلٍ ـ وهو الذي يُجبره على إعادة قولِ ما سبق له أنْ قاله بقوةِ مَوْهِبةٍ مُثْراةٍ حينًا ولكن بإسهابٍ في تَكرارٍ بالغِ الجَدْبِ أحيانًا، وباقتدارٍ مُتناقصٍ دائمًا، وبرتابة مُطَّرِدةٍ دومًا ـ هو ما يُجسّد تلك الحاجةَ التي تفترض على ما يبدو العودةَ إلى النقطة ذاتِها، والمرورَ عبر السُّبُلِ ذاتِها، والمثابرةَ على أن يبدأ من جديد بما لا يبدأ مطلقًا بالنسبة إليه، والانتماءَ إلى ظِلِّ الأحداثِ لا إلى حقيقتها، وإلى الصُّورةِ لا إلى الموضوع، وإلى ما يجعل الكلماتِ ذاتَها تقدر على أن تصيرَ صُورًا ومظاهرَ لا علاماتٍ وقِيَمًا وسُلطةَ حقيقيةٍ.

 

اقرأ أيضا

أمل المهيري: كتابي الجديد عن الثمانينيات في الإمارات