الاتحاد

ثقافة

عن عبودية صارخة في الظل

مشهد البحر الأكثر تأثيراً في الفيلم

مشهد البحر الأكثر تأثيراً في الفيلم

إبراهيم الملا

تلعب الذاكرة دوراً محورياً في صياغة مناخات فيلم «روما»، التحفة السينمائية الجديدة للمخرج وكاتب السيناريو المكسيكي ألفونسو كوارون، والتي أعادته مجدداً إلى الواجهة، بعد نيله جائزة أفضل فيلم في الدورة 75 من مهرجان البندقية السينمائي.
هذا الفوز يعيد الاعتبار لسينما المؤلف، بما تتضمنه من واقعية قد تبدو مستحدثة أو هجينة، لكنها تظل وفيّة لمنابعها السينمائية الأولى من خلال طرائق وأساليب الواقعية الجديدة ـ الإيطالية تحديداً ـ والتي أسس لها مخرجون إيطاليون كبار، أمثال: روسيليني وديسيكا وفيسكونتي وفيلليني، وهي واقعية مستعادة بنسق تعبيري محايد ومجرد من التزييف والمبالغة.
يأتي هذا النسق الاستعادي لسينما الستينيات وما قبلها بمصاحبة عزف بصري مستوحى من إيقاع الطفولة الشخصية لكوارون نفسه، عندما يستحضر تفاصيل حياته العائلية في مدينة نيو مكسيكو وبالتحديد في ضاحية (كولونيا - روما)، التي شكلّت ملامح حياته وسيرته الذاتية بداية السبعينيات من القرن الماضي، وفيما يشبه توثيقاً للسيرة السياسية والاجتماعية لبلده المكسيك إبّان اندلاع الثورة الطلابية والاحتجاجات المدنية ضد هيمنة الطبقة العسكرية الفاسدة.

أفكار وأفلام
يعود كوارون لطرح مواضيعه السينمائية الأثيرة في إطار بصري يضمن له حرية الانكشاف على الأوجاع والمرارات بوصفها قدراً ومصيراً لشخصيات بعينها، وكأن ثمة نداءً خفياً يجعل كوارون متماهيا مع الحس المأساوي ولكن ضمن حدود جمالية وشعرية مدهشة، وسبق له معالجة الثيمات الإنسانية المحطمة في أفلامه السابقة مثل «جاذبية» الذي ينتقل فيه إلى الفضاء الخارجي ولكن بتصور دراماتيكي للعلاقات البشرية وهي في ذروة هشاشتها وانكسارها، بينما يطلق العنان لخياله الغرائزي في شريط بصري ينتمي لأفلام الطريق بعنوان: «وأمك أيضاً» عندما تتحول روابط الرفقة بين صديقين إلى لعنة أبدية تتسبب بها امرأة يلتقيان بها مصادفة، وهما يستقلان سيارتهما في دروب الليل بحثا عن ما يروي ظمأهما الداخلي. وفي فيلمه الذي حققه العام 2006 بعنوان: «أبناء الرجال» يرتحل كوارون إلى المستقبل البعيد عندما تشرف البشرية على الانقراض بعد تفشي وباء قاتل يصيب الجميع، ما عدا طفلا وحيدا يحمل جينا مقاوماً للوباء وبالتالي فإن بقاءه حيّاً سيحفظ للبشرية ما يضمن لها الاستمرار على كوكب الأرض، حتى وإن كان هذا الاستمرار غامضاً ومريباً ولا يمكن الرهان عليه، إنها بارقة أمل يشدّد كوارون على وجودها في الفيلم كمعبر وحيد للخلاص.

أبيض وأسود
في فيلمه الجديد «روما» يراهن المخرج كوارون على اللونين الأبيض والأسود لتشكيل فضاء بصرياً تتدفق فيه مشاهد الماضي، وهو فضاء لا يمكن إحالته بالتأكيد على لون الطفولة وبراءتها وبهجتها، بل على حوافّ هذه الطفولة وملابساتها وعقدها النفسية وإشكالاتها العاطفية أيضاً، كما أنه فضاء يخلو من الاستئناس بالحنين، فهو بعيد جداً كحالة متحققة أو هدف منشود في ثنايا الفيلم وفي طريقة تناوله سرديا، ولكن تأسيسا لاشتباك حقيقي مع الأحداث التراجيدية في تلك الفترة وتأثيرها على أبناء الطبقة الوسطى بالمكسيك، وارتداداتها كذلك على السكان الأصليين الذين تحولوا إلى طبقة فقيرة ومهمشة، وقد يعمل بعضهم في مهن ثانوية تحيلهم دوما للمنطقة الراكدة اجتماعياً، والخاضعة للعبودية المستترة.
تنطلق أحداث الفيلم من وسط العائلة التي ينتمي لها المخرج قبيل التحولات العنيفة في بلاده، ومرتكزاً على شخصية الخادمة (كليو) ـ تقوم بدورها ياليتزا أبارشيو ـ وهي تنتمي للهنود المكسيكيين الأصليين وتقف لأول مرة أمام الكاميرا، ويبدو أن هذا النمط الأدائي الذي اعتمده كوارون في الفيلم يتوافق تماماً مع اهتمامات السينما الواقعية، في انتقاء الممثلين العفويين والفطريين وتحقيقاً لمطلبها في التماهي مع الطبيعة الخارجية، وكسر التقاليد السينمائية المرتهنة للتمثيل الاحترافي والتصوير داخل الأستوديوهات المجهّزة، حيث تجسد «كليو» هنا شخصية (ليبو) المربية الحقيقية التي اعتنت بالمخرج في طفولته، فأهدى لها الفيلم عرفاناً ووفاءً لما بذلته من تضحيات، وما عانته من عذابات، وكأنه يعيد بعثها من زوايا معينة ارتبطت بها عاطفته تجاهها وبامتنان عميق.
ومن خلال أسلوب بصري يجمع بين التوثيق والسرد، وبين الهدوء المكتنز ورصد التطور الطبيعي للأحداث، تتجول كاميرا المخرج في منزل العائلة المنتمية للطبقة الوسطى حيث نرى الأم المنشغلة بتربية أبنائها الأربعة بمعاونة الخادمة (كليو) وجدّتهم من أمهم، بينما يعبر الأب في حياتهم مثل طيف لا يمكن تعيين حدود حركته وتأثيره إلا في النطاق العاطفي والأبوي المتلاشي تدريجياً، والذي يتوضح في النهاية أنه نطاق هشّ وينتظر أقرب فرصة للغياب الكلي عن المنزل وترك الأم والخادمة لوحدهما وسط عاصفة التغييرات الكبيرة في مدينة نيو مكسيكو، وعندما تخرج الكاميرا إلى الساحات العامة في البلد المضطرب تتحول المشاهد الأفقية الواسعة إلى ما يشبه الانكشاف الكامل على الطبيعة الاستبدادية للمتحكمين في مصير السكان، ونشرهم بالتالي لثقافة الخوف والخنوع في المدن والشوارع، إضافة للتدخلات الأميركية السافرة من خلال الطبقة المخملية والإقطاعية التي زرعتها في المكسيك، ولاقت نفوراً واضحاً من السكان الأصليين وشريحة المزارعين بعد أن صادر الوافدون الجدد من التجار الأميركيين أراضيهم وممتلكاتهم تحقيقاً للهيمنة الرأسمالية على البلاد.

المعاناة الفردية
ورغم ظهور هذه الملامح الاستبدادية في خلفية الفيلم وعلى هوامشه، فإن التركيز الأكبر للمخرج كان على المعاناة الفردية للخادمة (كليو) التي يهجرها عشيقها بعد اكتشافه أنها حبلى، صدمة الهجران هذه ستجعل الخادمة أسيرة لانكسار عميق يرافقها طوال زمن الفيلم، انكسار يعبر أيضاً ولو رمزياً عن الصورة الأشمل للمكان برمته، ففي المشهد الذي يصور بحث الخادمة عن سرير لطفلها القادم، تندلع فجأة الاشتباكات الدموية بين الطلبة وبين أفراد الجيش والمتعاونين معهم، حيث تكتشف أن عشيقها الهارب هو أحد هؤلاء المتعاونين السريين مع السلطة القمعية والفاسدة، كما أن مشاهد الرعب الخارجية سوف تسرّع من عملية ولادتها، وبسبب إغلاق الطرق وازدحام السيارات في الشوارع على خلفية هذه الاضطرابات المروعة، لا تصل الخادمة إلى المستشفى في الوقت المحدد، الأمر الذي يؤدي لوفاة طفلتها في مشهد يفضح تماماً القسوة غير المبررة تجاه الضحايا المتواجدين في المكان الخطأ والزمان الخطأ، ما يضاعف من اغتراب الخادمة عاطفياً ووجودياً، مستعيدة العبارة التي أطلقتها صاحبة المنزل التي تعمل فيه، والتي قالت لها في لحظة اعتراف ممزوجة باليأس: «ستبقى النساء دائما وحيدات»، عبارة سوف تلخص مقولة الفيلم وغايته وثيمته الأساس، والتي يمكن تطبيقها مجازاً على دول ومجتمعات حائرة ومغيبة ومرتهنة لمصيرها المجهول والقابع على حافة الانهيار. ستكون موضوعة الهجر أو التخلّي حاضرة أيضاً عند توصيف العلاقة بين كوارون ـ الطفل الباحث عن معنى للمحيط الداخلي والخارجي في بيئته ـ وبين الأب الأقرب للحالة الشبحية، أو لصورة الضيف الذي لا يمكن توقع حضوره ولا معرفة سبب هذا الحضور، إلا في الحدود العامة والمبهمة كذلك، عندما يتعلق الأمر بالواجبات العائلية التي يسعى كل أب في وضعه الأسري الطبيعي على تحقيقها لزوجته وأبنائه، وفقدان والد كوارون لهذا الدور كان ملحوظاً وبقوة في التطور الزمني لأحداث الفيلم، والذي بدا واضحاً أنه يخلو من حبكة أساسية أو صراع تتفرع منه مسارات جديدة وصولاً للذروة أو الخاتمة.

«غيابات» وحضور
راهن كوارون في أسلوب تنفيذه للفيلم على التأثير الظاهر والخفي لمفهوم: «الغياب»، فغياب الأب عن الأسرة ساهم في تصدّعها من الداخل وتوزيع القدر الأكبر من البؤس والتوهان النفسي على الأبناء والزوجة، بينما ساهم «غياب» العشيق بالنسبة للخادمة «كليو» إلى تحميلها ما لا طاقة لها به من مسؤولية اجتماعية ووضعها بالتالي في المنطقة الحرجة تماماً بين الصدمة المضاعفة والشعور القوي بالخذلان، خصوصاً أن حملها للجنين في أحشائها قد يؤدي لطردها من العمل كمربية، إضافة إلى أن وضعها الاجتماعي وانتمائها للطبقة الفقيرة لن يسعفها في تخطّي توابع الحمل والولادة بعد ذلك، وتأثير مفهوم «الغياب» كان جليّا أيضاً فيما يتعلق بالوضع السياسي للمكسيك بشكل عام، فمع غياب «الديمقراطية» تراجعت الحقوق المدنية واضمحلت الحرية الفردية ووصل الوضع الأمني والاقتصادي إلى الحدود الخانقة والضيقة جداً، ورغم أن الفيلم لم يصوّر مفهوم الغياب بشكل مباشر وصريح، إلا أن أصداءه وتأثيراته ظلمت تحوم وتناور في أفق اعتباري شخصي يمثله المخرج وعائلته هنا، وفي أفق تاريخي عام يمس بلاده المكسيك، كذلك فإن تفاصيل وهوامش وخلفيات معظم المشاهد التي صورها المخرج بحيادية وضعته في موقف المراقب والناقد والشاهد على تلك الذكريات الشخصية المغلقة نوعاً ما، والمشرعة في الجانب الآخر على الأحداث المحورية الكبرى والمؤلمة في ذات الوقت. قد يقترب فيلم «روما» من حدود الببليوغرافيا السينمائية في إطارها التسجيلي والكرونولوجي، ولكنه وكما يشير كوارون، فإن تنفيذه للفيلم كان أشبه بتجميع قطع موزعة على خريطة ذهنية وبصرية شاسعة، تتداخل في ناحية مع الذاكرة الشخصية، وفي ناحية أخرى مع الذاكرة الجمعية، مؤكداً أن تصوره لمشروع الفيلم بدا في أول الأمر شبيها بالنظر إلى شرخ في الجدار، وأن هذا الشرخ يجسّد كل العذابات والخبرات السلبية التي شهدها في ماضيه وعاصرها في طفولته، وأنه مهما حاول تغطية هذا الشرخ بطلاء مستعار تمثله هنا جماليات السينما وأساليبها الفنية والسردية، فإن الشرخ سيظل قابعاً في مكانه مثل وصمة عار أبدية!

كوارون الفائز
ألفونسو كوارون من مواليد 28 نوفمبر 1961، مخرج ومنتج وكاتب سينمائي مكسيكي من أشهر أفلامه «هاري بوتر» و«سجين أزكابان» (2004) وفيلم «جاذبية» (2013). وله أيضا فيلم «وأمك أيضاً»، وكذلك «أبناء الرجال».
معظم أعماله حظيت بتقدير وإشادة من قبل النقاد والمؤدين. وترشح ألفونسو عن أعماله لـ 3 جوائز أوسكار. وفاز فيلم «روما» من إنتاج وتوزيع «نتفليكس» بجائزة «الأسد الذهبي» في ختام الدورة الخامسة والسبعين من مهرجان البندقية السينمائي. وكان فوز الفيلم المستلهم من طفولة المخرج المكسيكي، متوقعاً، إذ إنه نال استحساناً كبيراً في صفوف النقاد.وقال ألفونسو كوارون لدى تسلمه الجائزة عن الفيلم المؤثر والمستوحى من ذكريات طفولته: «اليوم هو عيد ميلاد ليبا التي استوحيت منها دور كليو (بطلة الفيلم)، وهذه الجائزة هدية بمناسبة عيدها».

اقرأ أيضا

شعر وكتابة بنواكشوط والمفرق