أصبح التفكير المُبّكِّر فيما سيأتي مستقبلاً أكثر أهمية من أي وقت مضى، بسبب التسارع في وتيرة التغيرات التكنولوجية والاجتماعية، ففي الماضي كان معظم البشر يعيشون في مجتمعات متقاربة، واتبعوا ببساطة خيارات الحياة التي سَنَّها لهم أباؤهم وأجدادهم. أما اليوم، فقد أصبحنا غارقين في الخيارات المتوفرة لدينا، ونحن قادرون على اختيار أي مكان في العالم تقريباً لنعيش فيه، وباستطاعتنا تَعَلُّم المهنة التي نرغب، والعمل في حقول بعضها لم يكن موجوداً لدى التحاقنا بالمدرسة، لا بل إنَّ بعض هذه المهن تَختفي خلال سنوات قليلة مع بروز تكنولوجيات جديدة تحل محلها، وتَطَوُّر شبكة الاتصالات، والإنترنت. يقول عالم المستقبليات «جيمس كانتون» في كتابه «الاستعداد الذكي للمستقبل»: إننا نعيش لحظة تطور تاريخية! أنت تعيش الآن في حقبة تشهد واحدة من أهم لحظات التطور الفريدة في تاريخ البشرية، وربما عمل العالم بأسره على الإعداد لهذه اللحظة منذ أكثر من مائة عام، فهل نحن كبشر مُتَحضرين قادرين على ابتكار الحلول الاجتماعية والاقتصادية والتقنية لمواجهة تحديات المستقبل المصاحبة للحظة التطور تلك؟ ستكون هذه الحلول هي ما يمكن تقديمه لمستقبل عالمنا، وعلى الأرجح سنتمكن من مواجهة كل التحديات بنجاح، لكن هذا سيتطلب قادة وأفراداً مُتَمَيِّزين، وعليك أنت أن تكون واحداً من أولئك المتميزين. إنَّ العالم بحاجة إلى قادة وبشر نبراسهم الأخلاق، لأنَّ القادم عظيم ورائع ولكنَّه بحاجة إلى ضوابط كبيرة، وسَنِّ مجموعة كبيرة من القوانين والأنظمة، والرقابة لنتمكن من الاستمتاع بالإيجابيات التي توفرها لنا التكنولوجيا والتقدُّم في جميع المجالات. ويُعَدُّ الوعي بالمستقبل، واستشراف آفاقه، وفهم تحدياته، فرصة من المقومات الرئيسة في صناعة النجاح للمجتمعات بشكل عام وللمؤسسات بشكل خاص، فلا يمكن أن يَستمر النجاح ما لم يَتم امتلاك رؤية واضحة لمعالم المستقبل، وخاصة في العصر الحالي، وقد تزايد الاهتمام باستشراف المستقبل نتيجة للتطورات الهائلة والمتسارعة في شتى مناهج الحياة، من ملاحقة تلك التطورات ومواكبتها. إنَّ استشراف المستقبل لا يُعَدُّ تنبؤاً، والمستقبل ليس قدراً غامضاً، مثل إعصارٍ أو منخفض جوي، ولكنه واقع نَصنعه ونشارك في صناعته، فالتفكير هو أساس صنع المستقبل، أو العمل على إنشائه على النحو الذي نطمح إليه ونتمناه، فأنت ما تُريد أنْ تكون، وإذا فَشِلَتِ التوقعات، فذلك يعني فَشَلَنا في الرؤية والتخطيط، وليس فشل التفكير المستقبلي كمبدأ أو منهج أو فكرة أو عملية أساسية يجب إدخالها في العمليات الإدارية، فضلاً عن التخطيط الاستراتيجي. إذن استشراف المستقبل والاستعداد للمتغيِّرات المحتملة في السنوات القادمة بما فيها من تطورات، ليست أعمالاً تكميلية للحكومات، بل هي من أهم الأساسيات، لأنَّ الحكومات غير المستعدة للمستقبل ستهدر بلا شك سنوات وثروات ومستقبل شعوبها. صالح سليم الحموري