أرشيف دنيا

الاتحاد

شجرة اللبان دموعها تفيض عطرا

الشجرة عقب تجريحها

الشجرة عقب تجريحها

تقف وحيدة في أرض خالية، ساقها جافة، تمتاز بقلبها الأبيض، لكن إن جرحتها تعطيك أغلا ما عندها فدموعها هو «اللبان الأبيض». هذه هي شجرة اللبان التي ما شممت رائحة أزكى من رائحتها.

حظيت شجرة اللبان، عبر مسيرتها، بحضور تاريخي هائل فقد كانت جسراً للتواصل بين حضارات العالم القديم قبل أكثر من 7 آلاف سنة، وبسببها تحركت القوافل التجارية، في مسارات شاقة من ظفار بجنوب عمان، إلى شواطئ جنوب العراق، وإلى الشام ومصر القديمة، وحتى غزة الفلسطينية الساحلية، التي حملت منها السفن ثمار الشجرة الظفارية إلى البلدان الأوروبية، وخاصة روما القديمة.

تنمو أشجار اللبان العمانية المعروفة باسم (بوزيفليا ساكرا) بارتفاعات تصل إلى خمسة أمتار تقريباً، وهذا النوع من الأشجار وكذلك أشجار المر هما من فصيلة الأشجار البخورية التي يتميز أعضاؤها بوجود مجارٍ راتينجية في لحائها.

يبدأ الحصول على اللبان في أوائل شهر إبريل من كل عام، فما أن تميل درجة الحرارة إلى الارتفاع، حتى يقوم جامعو اللبان بتجريح الشجرة في مواضع متعددة، فالضربة الأوغ يسمونها (التوقيع)، ويقصد به كشط القشرة الخارجية لأعضائها وجذعها، ويتلو هذه الضربة نضوج سائل لزج حليبي اللون، سرعان ما يتجمد فيتركونه هكذا لمدة 14 يوماً تقريباً. وتتبعها عملية التجريح الثانية، ثمار درجة ثانية، حيث أن النوعية في هذه المرة لا تكون بنفس القدر من جودة المرة الأوغ، فضلاً عن كون الكميات المنتجة منها غير تجارية. غالباً ما يصل ارتفاع شجرة اللبان في العادة ثلاثة أمتار، وهي قادرة على التكيف مع البيئة التي تنمو فيها، فهي تحتفظ بالطراوة، ولذا يمكن اعتبارها من النباتات القادرة على تحمل الجفاف.
أما شكلها فانه أشبه بأجمة، فهي اقرب إليها من كونها شجرة، حيث إن أغصانها تتفرع رأسا فوق سطح الأرض، ولهذا لا تكاد تميز جذعها الرئيسي.
وأما أوراقها فهي خضراء داكنة، تشبه إلى حد كبير أوراق شجرة الزيتون وتسمى هذه الأوراق (بالثال) ويعتمدها البدوي علفا للجمال والماعز، ولأغصان شجرة اللبان قيمة هي الأخرى في حياة البدو، حيث تتخذ وقودا، وقد أدت هذه الاستعمالات إلى تناقص ملحوظ في أشجار اللبان في ظفار، خلال الحقبة القريبة الماضية.

تنبعث رائحة محببة من أوراق الشجرة كتلك التي تنبعث من اللبان نفسه، وتحمل الشجرة في أغصانها أزهارا يميل لونها إلى البياض، ويطلق البدو على الزهرة اسم (البغوة) كما تسمى عناقيد الزهر بما فيها الحبوب باسم (الثرميت)، وتتشكل في الزهرة حبوب خضراء، وعندما تجف هذه الحبوب تتحول إلى اللون الأسود، وهذه الحبوب هي السبب في تكاثر شجرة اللبان، عندما تجف وتسقط على الأرض. وتصلح عناقيد الزهر لتتغذى منها الإبل والأغنام أيضا، وبعض أشجار اللبان معمر، وقد تباينت الآراء بخصوص الشجرة حين تصبح قادرة على العطاء، لكنَّها جاءت متقاربة، فقد قيل إن الشجرة تعطي بعد ثمان سنوات من الإنبات والنمو . وقيل بعد عشر سنوات، ولعل أقرب الآراء إلى الصواب ذلك الذي يقول إنها تعطي عندما تكون قادرة على تحمل الضربات، إذ إن سرعة نمو الشجرة تختلف من منطقة إلى منطقة أخرى تبعا لما يسقط عليها من أمطار، واستجابة للتربة التي تنبت فيها ومدى غنى هذه التربة بمقومات حياة الشجرة أو فقرها.

هذا وقد روي إن الملكة حتشبسوت ملكة مصر قد حاولت، بعد تهيئة نفس الظروف المناخية المناسبة، أن تزرع شجرة اللبان في مصر، ولكن الشجرة رفضت الإنبات في عناد، في حين إنها تنمو في موطنها الأصلي (البراري ) دون أن تنال رعاية خاصة حتى اليوم.

اقرأ أيضا