ثقافة

الاتحاد

دروس كورونا

من المصدر

من المصدر

إذا سألت علماء الأحياء عنه، هل هو كائن حي، سيجيبونك بالنفي. وإذا سألتهم مجدداً هل هو كائن ميت، سيجيبونك بالنفي كذلك. نحن نتحدث هنا عن الفيروسات إحدى أغرب الكائنات على وجه الأرض. مخلوقات توجد في الحدود القصوى للموت والحياة. ربما وجب علينا النظر إليها بمفاهيم مغايرة لما ألفناه، عندما نفكر في جل الكائنات التي نعرفها. غرابة هذا الكائن جعلت البعض يرى أنه مخلوق فضائي، نزل فوق الأرض مع اصطدام نيزك بالغلاف الجوي. أما البعض الآخر، فقد ذهب بعيداً في افتراضاته، عندما رأى أنه المخلوق الوحيد الذي بإمكانه أن يتحرك طبقاً لقوانين الفيزياء الكوانطية. فبسبب ضآلة حجمه، يمكنه أن يسافر كما الذرات بشكل آني من مكان إلى آخر. هكذا يظهر هذا الكائن الصغير كعملاق مدمر، يعصف بكل البناء الحضاري والتكنولوجي الذي شيده الإنسان منذ بداية عصر الحداثة. هذا الهباء القاتل يكشف اليوم عن هشاشة الوجود البشري. يذكرنا بتناهينا وعرَضيتنا في هذه الحياة، بالوجود من أجل الموت، ذلكم التناهي الذي اعتقدنا أننا طمرناه بمداميك الحضارة، وبالاستهلاك المعمم لخيرات الأرض.

الهباءة القاتلة
كأن هذه الهباءة التي تكاد لا ترى، تحل اليوم بيننا بمثابة جهاز إنذار ضد جنون العظمة، وضد «بارانويا» المحكي الكبير للتكنولوجيا. تسحب من تحتنا البساط الأساسي الذي نقف عليه. استراتيجية القوة التي طالما تباهينا بها، تتحول فجأة إلى اعتراف قسري بالضعف والوهن: الزم بيتك! تخلَّ عن المتع كافة التي ألفتها في حضارة الاستهلاك. ثم هناك أيضاً الخوف السوريالي، الحذر من التقاط العدوى، من هذا العدو اللامرئي، حيث يضطر المرء إلى تعقيم كل شيء، والخوف من ملامسة كل شيء، بما فيه وجهه الذي أضحى بدوره موضوعاً للتدابير الطبية الاحترازية.

لغز كورونا
إن الخطر يعرض نفسه كلغز غير قابل للحل. بالنسبة لنا نحن أبناء الحداثة الذين اعتدنا الوضوح والبساطة حسب الشعار المأثور لديكارت. إذ ما هي طبيعة هذا الداء؟ وهل يمكن التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور؟ بل ما هي الأسباب التي دفعت به إلى الوجود؟ هل يتعلق الأمر بحرب باردة خفية، بين قوى جبارة تتصارع من أجل السيطرة على عالم المال والأعمال. أم أن الأمر يرتبط بتجربة هوجاء منفلتة لم يتم التحكم فيها؟ أو ربما أيضاً كما يحلو للبعض الترديد هي مؤامرة، تحركها مجتمعات سرية تسعى من أجل التخفيف من الانفجار الديموغرافي الذي تثقل به البشرية كاهل الأرض؟!
كل السيناريوهات واردة وإن كان من الصعب إثباتها عبر أدلة قاطعة رغم أن البعض منها يمتلك حججاً ضعيفة ولكن فوق هذا وذلك، لم لا يمكن أن تكون أمنا الأرض تدافع عن نفسها من أجل تحقيق التوازن الصعب الذي لم نستطع تحقيقه على أية حال بين الموارد والحاجيات. بين الإيكولوجيا والتكنولوجيا، الحضارة والصحة النفسية والبدنية للإنسان.
دعونا ننظر إلى الموضوع ضمن رؤية فينومينولوجية لهذا القاتل المتسلسل، «زودياك» السفاح الذي يتحدى الجميع، والذي لا يني عن إرسال رسائله تباعاً. فالعائلة الكورونية، كما يقول علماء الأوبئة، بدأت تغدق علينا عطاءها وكرمها منذ افتتاح الألفية الثالثة. كان هذا الوباء يظل صامتاً لسنوات، ثم يعود ليطل علينا بعينة جديدة مهلكة أكثر من سابقتها!
نعتقد بكل تأكيد أنه سواء تعلق الأمر بالآفات أو الأوبئة أو الجوائح، فهي كلها ليست مجرد أمراض عادية، ما دام أن المرض هو عبارة عن خلل في الوظائف البيولوجية والحيوية للجسد. أما الآفات والأوبئة والجوانح، فهي تحدث هناك في الخارج، أي في جسد الطبيعة. وهكذا إذا كان المرض الذي يمكن أن يصيب الجسد البشري أمراً طبيعياً. ما دام أنه انحراف عن الطبيعة، على الأقل بحكم حتمية التقدم في السن. فإن المرض الذي يمكن أن يلحق الطبيعة ذاتها هو أمر غير طبيعي. لأن الطبيعة باعتبارها القوة النابضة بالحياة يجب أن لا تمرض. وإذا حدث هذا الأمر، فهذا معناه أننا أحدثنا خللاً في نظامها. عندما نقسو على الحيوانات والطيور وكل الكائنات الحية الأخرى، فنربيها داخل أقفاص مزدحمة من دون احترام أدنى شروط النظافة. عندما أيضاً نقوم بإطعامها أعلافاً اصطناعية محشوة بمواد كيميائية من أجل تسمينها، فإن النتيجة العامة لكل هذا ستكون حتماً وبالضرورة ما حصلنا عليه: طاعون الخنازير إنفلونزا الطيور والخفافيش وجنون البقر وغيرها. وهكذا فالمرض الذي نتحدث عنه هنا ليس شأناً خاصاً بالعيادة، أي ليس عملاً تهتم به مهنة الطب. بل هو مرض الحضارة ككل، هذه الحضارة التي حولت الكرة الأرضية برمتها إلى مرمى للنفايات. فهل نعتقد إذن أننا سنظل أصحاء عندما تمرض أمنا الأرض؟!

السياسة الحيوية الشمولية
السياسة الحيوية biopolitics مفهوم ابتكره ميشيل فوكو للدلالة على مجموع الممارسات والإجراءات التي تقوم بها الدولة من أجل تدبير سلطتها على أجساد السكان، من ناحية التطبيب والتلقيح والتغذية وغيرها. من أجل فرض السيادة والانضباط والأمن وتحسين النسل، حيث يكون كل ذلك موجهاً من أجل خدمة الهدف الأساسي لليبرالية، ألا وهو الحفاظ على الجسد المنتج. أو بطريقة أخرى الرفع من الازدهار الاقتصادي عبر تحسين الصحة السكانية. غير أن مثل هذه السياسة كما يرى فوكو دائماً لا تشمل من يقعون خارجها، أي كل هؤلاء الذين لا يدخلون ضمن دائرة الإنتاج. المهمشون الذين لا يصلحون لأي شيء داخل الدواليب الإنتاجية العملاقة للرأسمالية.
والآن هل لا يزال بإمكان هذه السياسة الحيوية أن تكون ناجعة؟ هل لا يزال الحفاظ على النظام يقتضي صون الجسد المنتج وتجاهل من يقعون خارجه؟
من المؤكد أن الأمر هو على العكس من ذلك تماماً. ها نحن نكتشف معنى وحدة الجنس البشري، قيمة الوجود المشترك والمصير العام. مناعة القطيع Herd immunity من أجل تعزيز فرص النجاة والحماية. لا يمكن أن ننقذ أنفسنا إلا إذا تم إنقاذ المجتمع ككل. فالسياسة الحيوية هذه المرة ينبغي أن تكون شاملة. إن أكبر درس تعلمنا إياه هذه الأزمة الصحية، هو الضعف الشديد للدولة الحديثة وللأنظمة الطبية التي يفترض أن تكون فائقة التطور، غير أن الجميع وقف عاجزاً أمام هذه القملة الشريرة. لهذا السبب انتقد الفيلسوف الألماني المعاصر بيتر سلوتردايك هذا الطابع الأمومي الذي تبديه الدول الأوروبية. كل ذلك في نظره ليس سوى ممارسة لإخفاء العجز، ولتمرير الرسالة التي يراد منها تبرير العدد الكبير للضحايا: لقد فعلنا ما كان بإمكاننا القيام به.
الواقع إذن أنه لا يمكننا تجنب انتقاد الضعف الذي أبانت عنه الأنظمة الصحية، حتى داخل الدول المصنفة على أنها دول قوية. ولكن على ما يبدو فالقوة العسكرية والتكنولوجية لم تستطع تجنب التركيع الذي فرضه عليها هذا الكائن الصغير الذي لا يرقى حتى إلى مستوى كائن حي.
ثم إن اللوم لا يقع فقط على كاهل الدولة بل أيضاً على كاهل «القطعان» البشرية التي تنجرف في سباق محموم وراء السلوك الاستهلاكي الذي لا تريد التخلي عنه. هذه الأجيال المدللة التي نشأت على ثقافة الاستهلاك والفراغ الفكري، والاستعراض والمشهدية، والتي لا تعرف شيئاً عن أهوال الحروب، وسياسات التقشف، والمجاعات والأوبئة وغيرها. كيف يمكنها أن تمتلك وعياً مسؤولاً بصدد حاصد الأرواح هذا الذي يجوب المعمورة؟!

عودة عصور الظلام
ولكن على أي حال في عصر العولمة يصبح الخوف ذاته معولماً، حيث تمت دمقرطة الموت المفاجئ الذي يمكن أن يدق أبواب الجميع، من زعماء الدول وإلى أبسط الناس. هنا أصبحت الجائحة هي أعدل قسمة بين الناس! بل أكثر من ذلك قامت بسحبنا من العالم الافتراضي الذي كنا غرقى داخله، كي نلقي بنظراتنا نحو الواقع الملموس، نحو «واقعية الواقع». فالضحايا ليسوا مجرد صور أو كائنات في لعبة فيديو. هم حيوات بشرية فاجأها الموت بغتة كما يمكن أن يفاجئ الجميع.
إن الميزة الوحيدة التي احتفظ بها هذا الداء من ما بعد الحداثة هي التسارع المهول في الانتشار. وما عدا هذا فقد شاهدنا بأم أعيننا العودة المروعة لعصور الظلام التي اعتقدنا أننا تركناها وراءنا. حتى على مستوى القاموس المفرداتي المستعمل: الحجر الصحي، الأربعينية، الجائحة... هناك كذلك الارتداد المأساوي للطبيعة البشرية نحو جذورها المنسية، L’atavique الخوف البدائي وسعار التبضع. الشائعات التي أطلق عليها l’infodémie أي جائحة الأكاذيب والأخبار المزيفة، والتي كانت سرعتها أحياناً تفوق سرعة انتشار الفيروس ذاته. هذا دون أن ننسى وصمة العار في جبين الدولة الحديثة: اختيار من ينبغي لهم أن يموتوا، ومن حقهم أن يحصلوا على العناية الطبية! تصرخ امرأة إسبانية مسنة: «إن هذا لا يمكن تصديقه بأن يتركونا نموت... لدينا الحق في العيش؛ لأننا أدينا عملنا نحن الآن في أحسن أيام عمرنا».
والآن ها نحن ليس لنا ما نتحصن به سوى الأمل في الترياق! حتى إننا لا نعرف هل الأسوأ هو ما نعيشه حالياً، أم إن الأسوأ هو ما يخبئه المستقبل. إذ قد يكون ما يحصل الآن، ليس سوى عينة صغيرة عن الرعب المنتظر! ماذا لو ظهر فيروس قميء آخر أسوأ من هذا بكثير؟. بل ماذا لو كان هذا الفيروس بالذات يلوث الماء والهواء والتربة. أكيد آنذاك سنندم كثيراً على الوقت الذي أهدرناه، عندما كنا نلهث وراء بعض تفاهات الحضارة، بدل أن نخصصه للعناية بالحياة البشرية والبيئية السليمة. بالبحث العلمي الموجه للحفاظ على الصحة والعافية.
هل تبحثون عن المناعة؟ ليست هناك مناعة مثالية أفضل من العودة إلى الذات والعناية بالبيت الداخلي، بما هو أساسي في الحياة. الدرس الكبير الذي تعلمنا إياه هذه الجائحة، هو أننا مطالبون اليوم بإعادة النظر في طبيعة الحياة التي نعيشها. بطرح السؤال حول ما هي الحياة التي تستحق أن تعاش. باستعادة منظومة القيم الضائعة، التضامن، تعديل السلوك الاستهلاكي، احترام حياة الآخرين واحترام الطبيعة.

الزمْ بيتَكْ
كأن هذه الهباءة التي تكاد لا ترى، تحل اليوم بيننا بمثابة جهاز إنذار ضد جنون العظمة، وضد «بارانويا» المحكي الكبير للتكنولوجيا. تسحب من تحتنا البساط الأساسي الذي نقف عليه. استراتيجية القوة التي طالما تباهينا بها، تتحول فجأة إلى اعتراف قسري بالضعف والوهن: الزم بيتك! تخلَّ عن المتع كافة التي ألفتها في حضارة الاستهلاك.

اقرأ أيضا