ثقافة

الاتحاد

اللقاحات.. الوجه المشرق للأوبئة

اللقاحات.. الوجه المشرق للأوبئة

اللقاحات.. الوجه المشرق للأوبئة

هل يمكن أن يكون هناك وجه آخر إيجابي للأوبئة الفتاكة التي تسعى للقضاء على الجنس البشري منذ قرون طويلة، وتفشل في سعيها هذا، بسبب نجاعة الإنسان في التصدي لها؟
ربما جاءت أزمة فيروس كورونا الأخيرة لتدفعنا في طريق يستعيد مسيرة الإنسان مع الأمراض العضال والأوبئة الفتاكة والتي كانت سبباً مباشراً في أن تشحذ القريحة الإنسانية، وتستنفر قروناً غريزة البقاء للوصول إلى ما يعرف اليوم باسم اللقاحات أو الأمصال الواقية.
يتساءل القارئ: «ما الذي تفعله التطعيمات أو الأمصال في الجسد البشري، وهل كان للإنسان أن يكتشفها من دون وباء قاتل مهلك تصاب به البشرية؟».
باختصار غير مخل، تعمل التطعيمات على تحفيز الجهاز المناعي لتطوير الأجسام المضادة، دون إعطاء الشخص فعلاً المرض، وإليها تعزى نسبة الأمان العالية التي يعرفها إنسان العقود الحديثة، حيث لم يعد يخشى كثيراً من الأمراض المعدية، وتاريخ العالم يذكرنا بأسماء أوبئة مزعجة وأمراض حصدت الملايين لا سيما الكوليرا، والطاعون الأسود، والحمى الصفراء، والسل الرئوي.
والشاهد أنهم حين قالوا قديماً إن الحاجة هي أم الاختراع، فقد صدقوا كثيراً جداً في هذا السياق، فقد شكلت الأوبئة على مدار التاريخ، العامل المحفز لاستنهاض عقول العلماء في طريق الكفاح المضني للوصول إلى اللقاحات.
كانت البداية العلمية من عند اثنين من العلماء: الفرنسي لويس باستور، والألماني روبرت كوخ، وقد اشتهرا خلال السنوات الأولى من علم الأحياء المجهرية، وإن كانت علاقاتهما المهنية ظلت سيئة جراء التنافس والصراع العلمي المعتاد بين العلماء من زمنهم وحتى أواننا المعاصر.
أنشأ باستور أول مختبر علمي فتح الطريق إلى عالم اللقاحات، وإليه تعزى بدايات لقاحات الجمرة الخبيثة وحمى الخنزير وداء الكلب. غير أن وباء بعينه كان بداية الطريق إلى عالم الأمصال المتحدية والمتصدية للأوبئة، إنه الجدري الذي فتك وشوه وسبب العمى لملايين الضحايا عبر تاريخه الطويل.
لم يكن للجدري علاج حتى أواخر القرن الثامن عشر، ولهذا غالباً ما كان المصاب به يموت، ومن يقدر له أن يفر من فكاكه كان يصاب بالعمى بقية أيام حياته، ما يجعل منه عالة على أسرته ومجتمعه.
كانت نقمة الطاعون، نعمة من جهة أخرى، فقد دفع الوباء أحد العقول الإنجليزية الشهيرة إلى التفكير خارج الأطر العلمية التقليدية التي كانت أوروبا تعرفها، وقد استسلمت للوباء القاتل.
صاحب هذه العقلية هو الطبيب وعالم الطبيعة والأحياء الإنجليزي إدوارد جينر، (1749-1823)، والذي يعتبر أول من اكتشف لقاحاً لمرض الجدري. ففي أواخر القرن الثامن عشر، قام جينر بملاحظة ودراسة إحدى العاملات في مزرعته، كانت تدعى الآنسة نيلمس، أما دورها فكان الاهتمام بالأبقار وحلبها.
كانت نيلمس قد أصيبت بالجدري سابقاً، ولهذا حين ضرب الجدري إنجلترا مجدداً، لاحظ جينر أنها لم تصب كبقية الذين لم يصابوا به من قبل، هنا استنتج العالم الإنجليزي أن في الأمر مناعة بعينها عند نيلمس، وعلى هذا الأساس بنى رؤيته التي قادت تالياً لاكتشاف المصل، فقد قام بأخذ مواد من جلد المصابة وحقنها بشخص آخر لإصابته بنفس المرض، معتبراً أن ذلك سوف يولد مناعة مستقبلية ضد مرض الجدري، وذلك لأن المرض الجديد مشابه للقديم وإن كان أقل خطورة منه.
عام 1980 أعلنت منظمة الصحة العالمية أن الجدري قد اختفى من على وجه الأرض إلى غير رجعة، ولم يكن ذلك إلا نتيجة للجهود الأولى التي أرسى قواعدها جينر الذي نجح وبعد جهد كبير ومضنٍ في التوصل إلى لقاح قام من خلاله بحملة تطعيم ظلت أوروبا سائرة على هديها طوال مائتي عام وحتى الساعة.

الهندسة الوراثية
تاريخ الإنسانية في المائة عام الماضية مثير وجدير ببث الأمل في هذه الأوقات العصيبة التي يضرب فيها فيروس كورونا من أقصى الأرض إلى أقصاها، فقد شكلت الأوبئة تاريخياً الطريق إلى تحقيق أعظم قصة نجاح للطب الحديث، قصة اللقاحات، تلك التي قضت على الجدري والحصبة والنكاف، وكذا السعال الديكي والخناق، وغيرها من الأوبئة الفتاكة.
وفي وسط أبحاث المعامل والعلماء عن الأمصال واللقاحات، أدركت الإنسانية أسراراً عميقة عن الخريطة الإنسانية المعروفة باسم الجينوم البشري، الأمر الذي قاد إلى ابتكار ما بات يعرف بـ«العلاج الجيني»، والذي يعني بتبسيط غير مخل، إدخال موروثات سليمة إلى الخلايا، لتصحيح عمل الموروثات المتضررة المصابة وغير الفعالة؛ وذلك بهدف علاج المرض الذي تسببت فيه هذه الموروثات المعطوبة.
ومن النعم التي يمن الله تعالى بها على العقل البشري في زمن الأوبئة والتي تدفع العلماء للحياة والإقامة المتصلة في معاملهم المتحولة إلى معابد للعلم، اكتشاف علاجات لأمراض أخرى بصورة عرضية غير مباشرة، أي تحقيق أهداف لم تكن هي الأصل في البحث.
هنا فإن نطاق اللقاحات يتسع ليشمل أمراضاً مثل القلب والسرطان، ما يعد فتحاً ثورياً طبياً حقيقياً، فعلى سبيل المثال تبين أن تراكم ترسبات الكولسترول الضار على جدران الشرايين قد يبدأ نتيجة لالتهاب ربما يكون سببه جرثومة وبائية.
حين نقول بنعمة الأوبئة، فإننا لا نتجاوز الواقع، فهناك دوماً الوجه الثاني للكوارث والأزمات والأوبئة، إنها الثنائية التي تحكم البشرية منذ البدايات: الخير الشر، الليل والنهار.

اقرأ أيضا